الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من مقاصد المعاملات المالية
وعند بحث مقاصد التصرّفات الماليّة وما بعده، ذكر الإمام ثالثة أركان الإسلام "زكاة الأموال"، منوّهاً بها، ومعتبراً بقاءها شعاراً للمسلمين، وانتفاءها علامة للمشركين. وفي هذا تنبيه على ما للمال من قدرة على القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً. وأشار إثر ذلك إلى أهمية المال البالغة، كما تدلّ على ذلك الآيات الكثيرة الكريمة. فقد ورد ذكر المال في معرض المواساة به، ثناء وتحريضاً، وأكّد المؤلّف على ما يكون به من قضاء على نوائب الأمة، مشيراً إلى تنويه الرسول صلى الله عليه وسلم بدور المال في قوله:"ذهب أهل الدثور بالأجور"، و"اللهم أعطِ منفقاً خلَفاً وممسكاً تلَفاً". وبعد ذكر الأدلة من المصدرين على أهميته وازن بين وجوه إنفاقه، وأشار إلى ما طُبعت عليه النفوس من حب له، واعتبارها إياه فتنة. فذكر إجماع الصحابة على طلبه والسعي إليه خلافاً لموقف أبي ذر منه. وعدّ العلماء المال من الكليات الخمس. وجعل الفقهاء نظام نمائه وطرق دورانه معظم مسائل الحاجيات، كالبيع والإجارة والسَّلَم. واعتبرت الشريعة حفظ مال الأمة، وتوفيره لها، مقصداً من أهم مقاصدها. وهو حق الحاصلين عليه، وثروةٌ للأمة ينتفع به الناس آحاداً وجماعات في جلب نفع، أو دفع ضُرّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاعَ مباشرة أو وساطة. وذكر بعد هذا الأوصاف الخاصة المقوّمة له (1).
(1) المقاصد: 168 - 169، 450 - 463.
وفصّل الإمام القول في التملّك والتكسّب. جاعلاً التملّك من أصول الحضارة البشرية، وأنه الأصل الأصيل للإثراء البشري وللاختصاص. وهو عبارة عن اقتناء الأشياء التي يستحصل منها ما تُسَدُّ به الحاجة بغلاته أو بأعواضه.
وتتفرّع عنه من الحقوق ما ترجمت عنه كثير من المعاملات كإحياء الموات والمغارسة. وقيدت الشريعة تصرّف الناس فيه للأحرار الرشداء. ولا يتوقّف هذا الحق إلا بسبب صبا أو سفه أو إفلاس ونحوه.
والتكسب وهو الوجه الثاني للتصرّفات المالية عبارة عن معالجة إيجاد ما يسدّ الحاجة إما بعمل البدن أو بالمراضاة مع الغير. وأصول التكسب ثلاثة: الأرض، والعمل، ورأس المال. وذكر علماء الاقتصاد أن التملك والتكسب سببٌ للقيام بالعديد من الوظائف الاجتماعية، وجعلت الشريعة ما يتفرع عنهما من أحكام مبنياً على الشروط والالتزامات. ومن أمثلة ذلك حديث العداء بن خالد أنه اشترى من رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أو أمة فأمره أن يكتب له بذلك: هذا ما اشتراه العداء بن خالد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. اشترى منه عبداً أو أمة بيع المسلم للمسلم لا داء ولا خبئة ولا غائلة (1).
ومما تقتضيه مقاصد التملك إعطاء المالك حقَّ التصرّف في ماله، وتحرم مُضارَّة المسلم غيره في ملكه، وعدم التعامل بالربا لما فيه من إضرار بالعامة والخاصة. وكل ما دخل في ملك الإنسان عن طريق غير شرعي مهدر، وهو ظلم ينبغي أن يُرفع. ولا يجبر الإضرار بحقوق الناس، ولا يحافظ على أموالهم وعلى الإنتاج، غير محاسبة الناس وإقامة العدل بينهم. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من استعملناه منكم على عمل فَكَتَمَنا مخيطاً فما فوقه فهو غالٌّ يأتي بما غلّ يوم
(1) ابن حجر. الفتح: 4/ 357، تع 933.