الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: الدعوة إلى إقامة مجمع للفقه الإسلامي
كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدعو إلى بذل الجهد في إقامة أحكام جديدة لما يستجد من قضايا ونوازل. وفي الوقت نفسه، ومن خلال توجيهاته وتنبيهاته التي ذكرنا منها جملةً، يُمكن أن نُهذبَ طرائقَنا في البحث، ومعالجتَنا للمشاكل القائمة اليوم. وقد دعا من قبل إلى تكوين مجالس الفتوى في كل بلد، تقوم بأطراف العالم الإسلامي بمهمة النظر والبحث والتحرير والتقرير وإيجاد الحلول الشرعية الحكيمة لما يشغل الناس من مشاكل، وتواجههم من تحديات، ودعا بعد ذلك دعوة صريحة إلى إقامة مجمع فقهي. وهو وإن كان يعلم أن الأمر صعب، يحتاج إلى جهد لتوحيد النظر، والصدور بتوصيات وقرارات واحدة، يفيد منها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يؤكد حاجة الأمة الإسلامية إلى علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة، وتمكُّنٍ من معرفة مقاصدها، وخبرةٍ بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرةٍ على إمدادها بالمعالجة الشرعية الضرورية اللازمة.
وبعد إشارته إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتهد في هذا العصر والعالِم المتميز الذي بلغ درجة المقارنة والترجيح بين المذاهب الفقهية في الأحكام الشرعية (1)، يذكّر، على عادة الأئمة
(1) المقاصد: 394.
المتقنين المتقدمين، بحكم الاجتهاد والأسباب الحاملة عليه، قائلاً: الاجتهاد فرض كفاية على الأمة بقدر حاجة أقطارها وأحوالها، وأن الأمة تأثم بالتفريط فيه مع الاستطاعة ومِكْنَة الأسباب والآلات. وإنه لمن الضروري الانتباه إلى ما ظهر في ذلك من آثار في الأحوال التي بدت متغيّرة عن الأحوال التي كانت في عصور المجتهدين، والأحوال التي طرأت، ولم يكن نظيرها معروفاً في تلك العصور، والأحوال التي ظهرت حاجة المسلمين فيها إلى العمل بعمل واحد لا يناسبه ما هم عليه من اختلاف المذاهب. فهم بحاجة في الأقل إلى علماء يرجحون لهم العمل بقول بعض المذاهب المقتدى بها الآن بين المسلمين ليصدر المسلمون عن عمل واحد .. وإن أقلّ ما يجب على العلماء في هذا العصر أن يبتدئوا به من هذا الغرض العلمي، أن يسعَوا إلى جمع مجمع علمي يحضره أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين في الأقطار، ويَبسُطوا بينهم حاجات الأمة، ويصدُروا فيها عن وفاق فيما يتعين عمل الأمة عليه، ويُعلمِوا أقطار الإسلام بمقرراتهم (1).
ويشترط في أعضاء المجمع أن يقيموا من بينهم أوسعهم علماً وأحدَّهم نظراً في فهم الشريعة. فيشهدوا له بالتأهُّل للاجتهاد في الشريعة، ويتعين أن يكونوا قد جمعوا إلى العلم العدالة واتباع الشريعة، لتكون أمانة العلم فيهم مستوفاة، ولا تتطرق إليهم الريبة في النصح للأمة.
أما الموضوعات التي على المجمع أن يوليها من العناية ما هي به جديرة فقضايا العقيدة والعبادات التي هي بها بناء كيان المسلم، وبها تتحقّق ذاته، وقضايا العصر ومستجداته في المعاملات والمسائل
(1) المقاصد: 393.
الاقتصادية والاجتماعية. ونبّه الإمام إلى ما كان يجده أكثر الناس من الحرج في بعض الأحكام التي كانت شديدة عليهم، وحَرَمتهم من مواجهة الصعاب. وهي مسائل تحتاج في حاضرنا إلى إعادة النظر. ذكر منها الشيخ خمسة أمثلة إجمالية: هي بيع الطعام، والمقاصّة، وبيوع الآجال، وكراء الأرض بما يخرج منها، والشفعة في خصوص ما يقبل القسمة. وفي الكثير منها تضييق (1).
* * * * *
(1) المقاصد: 394.