الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرتبة التاسعة: مجرد المصادفة دون عمل أو سعي.
وفيما قدمنا ذكره تعريف بالحقوق، وتقسيم لها، وتعيين لأصحاب الحقوق، ورفع لأسباب التنازع بينهم، وترتيب لأصحاب الاستحقاق فيما بينهم أقره الاستقراء بحسب ما يكونون عليه من تفاوت في الدرجة (1).
وعقب المؤلف على هذا بتنبيهات ثلاثة هي:
أولاً: أن يكون صاحب الحق فرداً واحداً، أو متعدداً محصوراً، أو متعدداً غير محصور تجمع أصحابه أوصافٌ مشتركة بينهم: كأفراد الجيش، والفقراء، وطلَبة العلم، وبيت المال. وربما آل التصرّف مع بعض هذه الأصناف إلى اتخاذ أمناء على استعمال الحق المشترك.
ثانياً: سلب الحق، عمّن يتبين أنه غيرُ أهلٍ له مقصدٌ شرعي. ويرجع هذا إلى المراتب التي وصفناها، أو إلى سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقين على جانب آخر، كما في المرتبة السادسة، أو يكون سلبه لأجل ثبوت حق آخر كما في المرتبتين الثالثة والرابعة.
ثالثاً: عدم جواز نزع الحق ممن يستحقه إلا لضرورةٍ تقيم مصلحة عامة، كأخذ أرض للحمى، أو لِدفعه في قضاء آخر انتفع به المنتزع منه كبيع القاضي ريع المدين، أو لحقًّ مرجَّحٍ كالشفعة (2).
حقوق العمال:
وإذا كان للعمال في هذا العصر دور أي دور في تحقيق النمو
(1) المقاصد: 410 - 417.
(2)
المقاصد: 418 - 419.
والثروة سواء في المجالات الضيقة أو الواسعة في المجالين العمراني والاقتصادي، فإن الواجب يفرض علينا أن نعرِف حقهم، ونجزيهم الجزاء الأوفى عن أعمالهم. فمن يرجع إلى توجيهات الإمام ابن عاشور في ذلك وسياسته التعاونية والاجتماعية يسرع دون شك إلى الاستجابة لله وللرسول فيما قضى به كل منهما من أداء حقوق العمال وإعطائهم أجورهم من غير تأخير أو مطل. فأجرة كل عامل على عمله، ولو كان من العاملين على الصدقات يجمعها. فقد منح الله هؤلاء العمال أجراً في كتابه إذ يقول:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . وهذا في الواقع من باب مكافأة العامل على عمله. والأصل في هذا أن يكون الأجير كفؤاً للعمل، وأن يكون تقدير أجرته بما وقع عليه الاتفاق بين الطرفين. فإن أعوز ذلك كان تقدير الأجرة للحاكم وبتحكيم أجر المثل. ويستحق الأجيرُ العاملُ أُجْرَتَهُ عند الفراغ من عمله، أو بإثر قيامه بما وجب عليه فيه. وهكذا يستوفي حقه كاملاً. ولا يؤخذ منه أو يقطع من أجرته ما أكله بالمعروف. فإن العادة أن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى ولو اشترط الواقف منعه من ذلك. والمراد بالمعروف هنا ما عناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين وقف أرضه التي بخيبر من قوله:"ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقه غير متمول مالاً"(1).
والمعروف ليس الأخذ من المال بقدر أجرته على العمل، فإن
(1) الحديث حوار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن الوقف. ومنه في آخرته مقالة عمر في أرض خيبر التي لم يُصِبْ مثلها. وتمام الحديث: ويطعم غير متمول. زاد ابن سيرين: غير متأثل مالاً. 24 كتاب الشروط. 69 باب. خَ: 3/ 185؛ دَ: 3/ 298، ع 2878.
هذا يرفضه الواقع ويمنع منه الحق والعدل. وأنَّ المعروف كما فسّره القرطبي: "هو القدر الذي يمنع الشهوة"(1).
وإنما فرضت الأجور على أصحاب الأعمال قِبل أُجرائهم، للنصوص الكثيرة التي تستوجب كفالة ما لهم من حقوق بينهم. فإن الأجرة مقدار من المال يسعى له العامل للقيام بضروراته المعيشية والاجتماعية. ومن تباطأ في إعطاء العامل حقه أو سوّفه أو ماطله فقد أثم لاستيفائه منفعته بغير عوض، فكان أكلُه لها باطلاً، واستخدامه للعامل بغير أجرة استعباداً.
والأصل في مراعاة حق العامل على أوسع الوجوه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (2)، وقوله جل وعلا في حديث قدسي:"يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا"(3)، وجاء تأكيدُ هذا وبيانهُ في الحديث القدسي الآخر متوعداً الظلمة بقوله:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره"(4).
(1) ورد بإزاء هذا المعنى ما يمكن أن يكون تفسيراً له وذلك بإطلاق لفظ المعروف على الاقتصار على البلغة. وقال الحسن: هو طعمة من الله له. وذلك بأن يأكل ما يَسدّ حاجته ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. الجامع لأحكام القرآن: 5/ 36 - 43.
(2)
سورة النحل، الآية:90.
(3)
هو حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم. 45 كتاب البر والصلة، 15 باب تحريم الظلم. ح 55. مَ: 3/ 1994.
(4)
الحديث أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وفيه زيادة على ما ههنا بعد الجملة الأولى. وهي: ومن كنت خصمه خصمته. جَه: 2/ 816، عدد 2442.