الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفقهية التي وقف عندها كثيراً، بل تجاوز نظره في ذلك إلى العناية بجملة من المسائل الشرعية، وبما له صلة بسياسة الفرد والجماعة كأحوال الأمة في مختلف مجالات الحياة.
الاستقراء:
هو لغة: من (استقرأ). ويُطلق عند الأصوليين بإزاء معنيين:
1 -
تصفّح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات.
2 -
الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات، بناء على ثبوته في الأمر الكلي لتلك الجزئيات. وهذا المسلك الاستدلالي منه ما يوصف بالتام ومنه ما يعرف بالناقص.
فالاستقراء التام عبارة عن إثبات الحكم في كل جزئيّ لثبوته في الكلّي. ويسمّى هذا النوع من الاستقراء بالقياس المنطقي. وهو يفيد القطع لأن الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد شيء على التفصيل، فهو لا محالة ثابت لكل أفراده على الإجمال. ومثال هذا النوع من الاستقراء "لا صلاة إلا بطهارة" مطلقاً، لأن الصلاة إما أن تكون فرضاً أو نافلة. وأيّهما كانت فلا بد أن تكون مع الطهارة. فكل صلاة لا بد أن تكون مع الطهارة. وهذا الاستقراء معتمد في القطعيات من الأحكام الشرعية.
والاستقراء الناقص يكون بإثبات حكم في كلّي لثبوته في أكثر جزئياته. ويعرف هذا بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب. ويختلف فيه الظنّ باختلاف الجزئيات. فكلما كانت أكثر كان الظنّ أغلب. ويكثر هذا في الفقهيات. وعليه مبنى جلُّ أحكام الفقه الإسلامي (1).
(1) د/ قطب مصطفى سانو. معجم مصطلحات أصول الفقه: 60 - 61.
وتعرض لهذين القسمين التام والناقص محمد باقر الصدر. فجَعَل التام عبارة عن انتقال الذهن من الحكم على جميع الجزئيات إلى الحكم على كليِّها. ولا بد فيه من تصفّح جميع الجزئيات ليحكم بما ثبت لجميعها بثبوته للأفراد التي وجدت فعلاً للمعنى الكلي؛ لأن الأفراد التي لم توجد بعد، وبالإمكان ألا توجد يمكن أن يشملها الاستقراء، وما دام عاجزاً عن فحص هؤلاء فلا يمكن للاستقراء أن يؤدّي إلى تعميم كلّي يشمل الأفراد الممكنة للكلّي جميعاً .. وبذلك يخرج الاستقراء عن كونه كاملاً.
واعتبر الاستقراء ناقصاً إذا كان انتقالُ الذهن من الحكم على الجزئيات إلى الحكم على الكلي. وهو استدلال معرض للاختلال لاحتمال سقوطه بعدم استقراء جزئية واحدة (1).
وبحسب ما ذكره علماء المنطق يظل الاستقراء ناقصاً مهما علت درجته اليقينية. فصدقه مؤقَّت ومعرّضٌ للمراجعة.
ووصفه محمود زيدان بقوله: هو ليس برهاناً، وليست نتائجه يقينية ولا احتمالية، وإنما هو عبارة عن الدرجة العليا من التصديق (2).
هذا وقد حمل أكثر الأصوليين الاستقراء عندهم على الاستقراء الناقص. وهو ما ذهب إليه ابن السبكي (3). وعنى ذلك الرازي بقوله: الاستقراء المظنون هو إثبات الحكم في كلي لثبوته في بعض جزئياته (4). وعرفه القرافي بقوله: هو تتبع الحكم في جزئياته على
(1) الأسس المنطقية للاستقراء: 14، 19.
(2)
الاستقراء والمنهج العلمي: 133.
(3)
الإبهاج: 3/ 174.
(4)
المحصول: 2/ 577.
حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة. وعليه اعتمد الشيخ ابن عاشور، وبه أخذ (1).
وقد تعدد اعتماد صاحب المقاصد على الاستقراء بعد بذله الجهد في تتبع ما جرت به الأحكام الفقهية. وبث في تأليفه صوراً منه، نذكر منها إشادتَه به في قوله: إن استقراء أدلة كثيرة من القرآن والسُّنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطةٌ بحِكمٍ وعللٍ راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد (2).
وكذلك في فصل احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة. يقول المؤلف: ألا ترى أنهم لما اشترطوا أن العلّة تكون ضابطاً لحكمةٍ كانوا قد أحالونا على استقراء وجوه الحِكم الشرعية التي هي من المقاصد (3).
ولبيان طرق التوصّل إلى تلك المقاصد يصرّح بأن أعظمها استقراءُ الشريعةِ في تصرّفاتها. وهذا نوعان:
أعظمهما استقراء الأحكام المعروفة عللها، الآيلُ إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلّة. فإن باستقراء العلل حصول العلم بمقاصد الشريعة بسهولة (4).
وثانيهما طريق استقراء أدلة أحكام اشتركت في علّة، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشارع (5).
(1) التنقيح. (حاشيته التوضيح): 2/ 244.
(2)
المقاصد: 37.
(3)
المقاصد: 48.
(4)
المقاصد: 56.
(5)
المقاصد: 59.
وكان علماء السلف يتقصَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع (1).
وبجانب الاستقراءات المعرّف بها اصطلاحاً ودلالة، مواضع نظر أو عمل. نلاحظ اطراد اعتماد المؤلف على هذا الصنف من الأدلة، وهو يرجع إليه في إثبات العديد من الحقائق. كما يتضح لنا ذلك في نحو ستة عشر فصلاً من كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية.
ومواضع الاستقراء عنده في مصنّفه كثيرة: منها اهتداءاته في الانضباط والتحديد في الشريعة قائلاً: وقد استقريت من ذلك ست وسائل (2).
وإننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيّلات، وتأمر بنبذها. فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فَقَضَينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية (3).
وفي حديثه عن جزئيات المصالح التي قد يتطرق إليها الاحتمال، يذكر أدلة أصول أقيسة المصالح والعلل وصحّة المشابَهة فيها، معقباً على هذا بقوله: هذه مطارق احتمالات ثلاثة، بخلاف أجناس المصالح. فإن أدلة اعتبارها حاصلة من استقراء الشريعة قطعاً، أو ظناً قريباً من القطع، وإن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنها واضحة للناظر فيها وضوحاً متفاوتاً لكنه غير محتاج إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه (4).
وبعد إيراده عدداً من الآيات والأحاديث [الصحيحة] نبه على
(1) المقاصد: 66.
(2)
نوط التشريع بالضبط والتحديد. المقاصد: 346.
(3)
الصفة الضابطة للمقاصد الشرعية. المقاصد: 172.
(4)
أنواع المصالح المقصودة من التشريع. المقاصد: 248.