الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنواع التحيّل:
التحيّل، من حيث أنه يُفيتُ المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، يمكن بالاستقراء أن نردَّه إلى خمسة أنواع. قال الشيخ ابن عاشور:
النوع الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتّب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمَّه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصِد صاحبه إن اطلع عليه.
النوع الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإن ترتّب المُسبب على سببه أمر مقصود للشارع. ومثله هذا الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين يكون المكلف مخيّراً في اتباع أحد السببين. فعلم أن أحدَهما يكلفه مشقةً فانتقل إلى الأخفّ. وهذا النوع جائر على الجملة لأنه انتقال من حكم إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر. وتختلف في ذلك الأمثلة.
النوع الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفُّ عليه من المنتقَلِ منه. وأمثلة هذا تدلّ عند الشيخ ابن عاشور على أن هذا ألصق بمقام الترخّص إذا لحقت المكلف مشقةٌ من الحكم المُنتقَل منه. وهذا أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.
النوع الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيّل بها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال. وهذا كتحيّل من صدرت منه يمين لا يتعلق بها حق
الغير، فإنّ البر باليمين في حقّه هو الحكم الشرعي. والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإن ثقل عليه البرّ فتحيل للتفصّي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم الله تعالى. وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد. فمذهب مالك لزوم الوفاء وإلّا حنث، ومذهبُ فخر الإسلام أبي بكر الشاشي فيما نقله عن ابن العربي أن لا حنث عليه إذا تحيّل مثلاً بتغيير يُلحقه بثوبه. وقد حلف ألا يلبس هذا الثوب .. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف ألّا يدخل الدار بأن يتسوّرها وينزل من باب سطحها. وهذا بالنسبة للأعاجم لأن الدخول عندهم مقصور على الدخول العادي.
النوع الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع. وهو يعين على تحصيل مقصده ولكنّ فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى (1).
وما من شك في أن الحيل المحرّمة هي كما صوّرها ابن القيم من مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلامَ وأهلَه. فإن الحيلة متى تضمّنت تحليل ما حرّم الله، وإسقاطَ ما فَرَضَه، ومضادتَه في أمره ونهيه، لا تكون إلا باطلة. وهذا ما اتفق السلف على ذمّهِ وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. ويؤكد هذا التصوّر ما بنيت عليه الشريعة الإسلامية من سماحة ورفق وعدل ووفاق. وهذا دليل كمالها وعظمتها. فهي الصراط المستقيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفيةُ التوحيد، سمحةُ العلم لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو فهمت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحِجا: لو أباحته لكان أرفق،
(1) المقاصد: 323 - 331.
بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث (1).
ومثل هذا التأكيد يحمل الناظر على التوقّف في أمر التحيّل المختلفةِ أنواعُه، المتباينةِ أغراضُه. كما يحمل على النظر في الذرائع، وما يكون بها من شدّة في إبطال كثير من الأعمال الجائزة والمباحة. ولا يتجلّى لنا هذا إلا باتباع النظر في التحيّل بالنظر في الذرائع.
وفرّق د/ محمود حامد عثمان بين التحيّل وسد الذرائع بقوله: إذا كانت الحيلة عبارة عن تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وكانت الذريعة هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتَوصَّلُ أو يمكن أن يُتَوصَّل به إلى محظور، يتضح لنا أن الذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل. وهما يلتقيان أحياناً ويفترقان أخرى. ولهذا التداخل حُمل مَن كتب عنهما على التكلم على إحداهما أثناء كلامه على الأخرى. وعلى أن يستدل لإحداهما بأدلة الأخرى (2).
وقال الشيخ ابن عاشور: للذرائع تعلّق قوي بمبحث التحيّل، إلا أن التحيّل يراد به إعمال بعض الناس في خاصّة أحواله للتخلّص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضاً معتبرة شرعاً حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوه، وذلك في الأحوال العامة. فحصل الفرق بين الذرائع والحيل من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه.
(1) إعلام الموقعين: 3/ 207.
(2)
د/ محمود حامد شعبان. قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي: 93.
والحيل المبحوث فيها لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد شرعي من الصلاح، وقد لا تكون مبطِلة (1).
وبيان الفرق بين الحيلة والذريعة يحصل بأربعة أمور هي:
أولاً: إن الحيل قد تكون للتخلّص من قواعد الشريعة كما هو ظاهر من تعريفها.
ثانياً: الحيل تجري في العقود خاصة، والذرائع في العقود وغيرها، فهي أوسع (2).
ثالثاً: اشتراط القصد في الحيل، وعدم اشتراطه في الذرائع. فمتى وجد القصد في الذريعة فهي حيلة، ومتى عدم فهي ذريعة. فقد تجتمع الحيلة والذريعة. وقد يفارق كل منهما الآخر كما مرّ.
فمثال ما كان ذريعةً سبُّ الأوثان عند من يعلم من حاله أنه يتجرأ فيسبّ الله.
ومثال ما كان حيلة وليس ذريعة ما يحتال به من المباحات في الأصل كتفويت النصاب قبل الحول تخلّصاً من الزكاة.
رابعاً: اجتماع الذريعة والحيلة: كشراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن المستحق وما شابه ذلك (3).
* * * * *
(1) المقاصد: 336.
(2)
د/ وهبة الزحيلي. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: 461.
(3)
د/ شعبان محمد إسماعيل. سدّ الذرائع بين الإلغاء والاعتبار. حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية. القاهرة: عدد 6/ 1408/ 1988.