الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: من طلائع الأصوليين وعلماء المقاصد
ذكرنا في هذا الباب الأئمة المقدَّمين في علم أصول الفقه، وفي قواعد الأحكام، وجمعنا المصادر التي اعتمدها صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية فى جملة من موضوعاتها لعرضها وتجليتها وتقديمها وبيان موقفه منها. ومن أجل ذلك أدرجنا في هذا المحل عدداً من المسائل وقع استمدادها من كتب البرهان، والمستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل، وقواعد الأحكام، والفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول، والموافقات. وقد كان أصحاب هذه المصنفات صفوة من الأئمة خالدي الذكر يتأكد التنويه بجهودهم.
كان منهم الأصولي المتكلم، والفقيه الشافعي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني المتوفى سنة 478 صاحب كتاب البرهان (1).
والفقيه الشافعي الحكيمُ الفيلسوف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 صاحب شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، والمنخول، والمستصفى.
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 الذي صاغ للعلماء والفقهاء والمجتهدين كتاباً عُدّ في المرتبة الأولى من
(1) د/ عبد العظيم الديب. مقدمة كتاب إمام الحرمين أبي المعالي الجويني.
البرهان في أصول الفقه 1/ 21 - 40.
النفاسة. وهو كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
والفقيه المالكي شهاب الدين أبو العباس القرافي المصري المتوفى سنة 685 صاحب الفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول في اختصار المحصول.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790 المُنَظَّرُ صنيعُه في مقاصد الشريعة بصنيع الإمام الشافعي واضعِ علم أصول الفقه وصاحب الرسالة. أخرج لنا كتابه التعريف بأسرار التكليف وهو: كتاب الموافقات.
جاء ذكر هؤلاء الأئمة في تمهيد مقاصد الشريعة الإسلامية على الترتيب الزمني الذي توالوا فيه.
بدأ صاحب المقاصد بذكر إمام الحرمين في القضية التي أثارها حول قطعيّة أدلّة أصول الفقه (1).
وتحدث عنه وعن الغزالي في موضوع المصالح المرسلة، وعن موقفهما منه. وذلك في قوله: فلأن نقول بحجيّة قياس مصلحة كليّة حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابتٍ اعتبارُها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي، أو ظنّي قريب من القطعي، أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وإني لأعجب فرطَ العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام. وأما الغزالي فأقبل وأدبر، فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصلحة المرسلة، ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين، إذ تردّد في مقدار المصلحة. وجَلْبُ كلام إمام الحرمين في كتاب البرهان وكلام الغزالي في المستصفى يطول (2).
(1) المقاصد: 17 - 18.
(2)
المقاصد: 245 - 247.
وقد ألحق بهذين في المرتبة بقية الخمسة. وذلك في قوله: ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل: العز بن عبد السلام، وأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي اللذين حاولا جاهدَيْن تأسيس المقاصد الشرعية (1).
وختم إكباره لجهود هؤلاء الأئمة بما ميّز به أبا إسحاق الشاطبي من قوله: والرجل الفذّ الذي أفرد هذا العلم بالتدوين هو أبو إسحاق الشاطبي. فخصّ القسم الثاني من كتابه الموافقات بعنوان كتاب المقاصد. وبحث فيه بعمق عن أغراض مقاصد الشرع، وتحدَّث عن أهم قضاياه. فأفاد جدّ الإفادة. وأنا أقتفي آثاره، ولا أهملُ مهمّاته، ولكن لا أقصد نقلَه ولا اختصارَه (2).
وكما تدلّ هذه الجمل وما قبلها على تقدير الشيخ ابن عاشور لمقالات المؤسسين لفن المقاصد، كل واحدة بالقدر الذي رسَخ منها في أفهام العلماء، فإنّه لم ير بأساً من التعليق على كلامهم والمناقشة لهم، والمؤاخذة على بعض تجاوزاتهم. وكان مع استدراكاته على ما نقل عنهم، معترفاً بجليل ما أفاده منهم منذ اندمج معهم، وامتزج بهم في تأصيل علم المقاصد والتطوّر به، وفي دعوة العلماء إلى العكوف على هذا الفن الشريف، واعتماد طريق الاستقراء لإثبات المقاصد الشرعية، وذكر الفروع الفقهية المرتبطة بها والخاضعة لها، اكتشافاً للمزيد من أسرار أحكام التشريع.
ولعلنا في إيجاز كامل نقدر على ردّ بعض مباحثه في المقاصد إلى مصادرها المشار إليها قبل.
(1) المقاصد: 26.
(2)
المقاصد: 28.