المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإسلام حقائق لا أوهام: - مقاصد الشريعة الإسلامية - جـ ٢

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْهومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ

- ‌المقدمة

- ‌التمهيد لمقاصد الشريعة

- ‌الباب الأولقضايا ذات صلة بالفقه وبعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: بين الفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة

- ‌ الفقه

- ‌علم أصول الفقه:

- ‌علم مقاصد الشريعة:

- ‌الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية

- ‌قطعيّة أدلةِ علم أصول الفقه وظنّيّتها:

- ‌من أسباب ظنّية علم الأصول:

- ‌أ - الأحوال العارضة للنصوص:

- ‌اختلاف أنواع الدلالة:

- ‌أنواع المفاهيم:

- ‌تباين المحكم والمتشابه:

- ‌خبر الآحاد:

- ‌الإجماع وأنواعه:

- ‌ب -‌‌ التعليل، والعلة، والتعبّدي:

- ‌ التعليل

- ‌العلَّة:

- ‌شروط العلة:

- ‌التعليل عند المتكلمين:

- ‌رد الشيخ ابن عاشور على الأشاعرة:

- ‌الوجوب والغرض:

- ‌رد الجويني على الأشاعرة:

- ‌الأصوليون والتعليل:

- ‌العول:

- ‌أهميّة التعليل:

- ‌إصرار ابن حزم على رأيه واستدلاله على صحّة موقفه:

- ‌التعبّدي:

- ‌حكم القياس:

- ‌العمل بالقياس:

- ‌القياس بين المثبتين والنُّفاة:

- ‌مجالات الإثبات والإنكار للقياس:

- ‌القياس عند الظاهرية:

- ‌حجية القياس: أدلة المثبتين:

- ‌أدلة نفاة القياس:

- ‌الباب الثانيمع روّاد علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة

- ‌الفصل الأول: من طلائع الأصوليين وعلماء المقاصد

- ‌1 - الجويني: البرهان:

- ‌2 - الغزالي: شفاء الغليل، المنخول، المستصفى:

- ‌3 - العز بن عبد السلام: القواعد:

- ‌4 - القرافي: الفروق:

- ‌الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء

- ‌(1) المقاصد وكتاب الفروق للإمام القرافي:

- ‌الموضع الأول: انتصاب الشارع للتشريع:

- ‌الموضع الثاني: الحقوق وإسقاطها:

- ‌الموضع الثالث: نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال:

- ‌الموضع الرابع: سدّ الذرائع:

- ‌الموضع الخامس: نفوذ الشريعة:

- ‌(2) المقاصد وكتاب نفائس الأصول:

- ‌(3) المقاصد وكتاب تنقيح الفصول:

- ‌الشاطبي وكتاب الموافقات:

- ‌ رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي

- ‌تأييد ابن عاشور للشاطبي في بيان قصد الشارع من التكليف:

- ‌انصباب تكاليف الشريعة على العبادات والمعاملات والعادات:

- ‌مناقشة الشاطبي قوله بقطعيّة الأدلة:

- ‌تعريف الشيخ ابن عاشور بأنواع المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا:

- ‌تقسيم التكاليف إلى عزائم ورخص:

- ‌التحيّل:

- ‌الفصل الثالث: المقاصد العامة والمصالح

- ‌الفطرة:

- ‌السماحة:

- ‌ المساواة

- ‌موانع المساواة:

- ‌الحرية:

- ‌تشوف الشارع للحرية:

- ‌تعريف المصلحة والمفسدة:

- ‌المصلحة والمفسدة محضتان خالصتان ومشوبتان مختلطتان:

- ‌الفصل الرابع: ضوابط المقاصد وأقسامها

- ‌القسم الأول من المقاصد:

- ‌المقاصد بين كلية وجزئية:

- ‌المقاصد بين قطعيّة وظنيّة:

- ‌المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة:

- ‌المقاصد والوسائل:

- ‌الفصل الخامس: بحث المقاصد في أطراف الكتاب

- ‌الباب الثالثفي إثبات مقاصد التشريع الإسلامي وحاجة الفقهاء إلى معرفتها والوقوف عليها

- ‌توطئة

- ‌الفصل الأول: منهج السلف في طلب مقاصد الشرع من الأحكام

- ‌الفصل الثاني: الأنحاء الخمسة لتصرّفات الفقهاء في طلب المقاصد

- ‌الفصل الثالث: من طرق إثبات المقاصد الشرعية

- ‌الفصل الرابع: في القواعد الشرعية

- ‌الكليات:

- ‌الطريق الممهِّدة للتعرّف الدقيق على المقاصد وتعيينها:

- ‌القواعد والضوابط لمعرفة الأحكام وتعيين المقاصد:

- ‌الباب الرابعأمثلة للمقاصد مستخرجة من كتب المؤلف:

- ‌الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير

- ‌المثال الأول: النبي الأمي صلى الله عليه وسلم

- ‌الْمَعْرُوفِ}

- ‌الطيبات:

- ‌الرحمة:

- ‌المثال الثاني: ضرب المرأة:

- ‌المثال الثالث: الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد:

- ‌المثال الرابع: مثال من كتاب النظر الفسيح: حديث الوصيّة

- ‌المثال الخامس: مثال من كتاب كشف المُغطَّى: حديث بيع الخيار

- ‌الباب الخامسمنهجية الشيخ ابن عاشور في كتاب المقاصد

- ‌الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام

- ‌الإسلام حقائق لا أوهام:

- ‌من صفات الشريعة رفع خلط الاعتبارات بالأوهام:

- ‌الخطاب الشرعي أو النصوص التشريعية:

- ‌الفصل الثاني: منهج الشيخ ابن عاشور في تقريراته وفي تناوله لبعض متممات الخطاب

- ‌التفصيل والتقسيم:

- ‌الضوابط والشروط:

- ‌التقرير والتقعيد:

- ‌الأسباب:

- ‌إعمال النظر الشرعي طلباً لتحديد الأحكام:

- ‌الاستدلال:

- ‌المقام والسياق:

- ‌الاستقراء:

- ‌تنوُّع الأحكام بين التعبّدي والمُعلَّل:

- ‌تعقيبات الإمام ابن عاشور ومناقشاته:

- ‌الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية

- ‌1 - التضييق في الرخص:

- ‌2 - تعارض الروايات:

- ‌3 - الإجماعُ:

- ‌4 - اختلاف الفقهاء:

- ‌5 - من صور اختلاف الفقهاء:

- ‌توجيه وتنبيه:

- ‌التنبيهات:

- ‌6 - المقادير:

- ‌7 - المصطلحات الشرعية:

- ‌من المصطلحات:

- ‌المنهج:

- ‌المسائل والأحكام في "مقاصد الشريعة الإسلامية

- ‌القواعد والمقاصد باعتبار ما ينبني عليها، أو ما تدعو إليه من ترتيبات وتصرفات:

- ‌القسم الأول: يتضمن جملة من القواعد والمقاصد:

- ‌القسم الثاني: استنباط الأحكام من القواعد العامة:

- ‌القضاء بالعوائد:

- ‌الأوصاف الطردية:

- ‌ترجيح المصلحة الكبرى:

- ‌العمل بالمصلحة المرسلة:

- ‌القسم الثالث: موضوعات ذات صلة بالأصول والمقاصد للإمام عليها ملاحظات أو له بشأنها اقتراحات:

- ‌الباب السادسمصادر التشريع

- ‌الكتاب:

- ‌السُّنة:

- ‌الإجماع:

- ‌القياس:

- ‌أنواع القياس:

- ‌أقيسة الاستدلال:

- ‌جريان القياس:

- ‌المصلحة المرسلة:

- ‌الاستحسان:

- ‌سدّ الذرائع:

- ‌الحيلة:

- ‌أركان الحيلة:

- ‌أنواع التحيّل:

- ‌الباب السابعتوجه الأحكام التشريعية إلى المعاملات وتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها

- ‌توطئة

- ‌الفصل الأول: الحقوق وأنواعها

- ‌تعيين مستحقي الحقوق يرفع أسباب النزاع:

- ‌أصحاب الاستحقاق:

- ‌حقوق العمال:

- ‌القواعد العامة لقيام المجتمعات الإنسانية:

- ‌الفصل الثاني: مقاصد العائلة في الشريعة

- ‌آصرة النكاح:

- ‌ آصرة النسب

- ‌آصرة الصهر:

- ‌طرق انحلال الأواصر الثلاث:

- ‌الفصل الثالث: الأموال

- ‌ تعريف المال:

- ‌ أنواع المال:

- ‌ أقسام المال في الملكية:

- ‌ الفوارق بين الأموال العينية والنقدية:

- ‌ المقايضة

- ‌النقود

- ‌من النقود السلعية إلى النقود المعدنية:

- ‌رأي الغزالي والمقريزي في النقدين:

- ‌النقود عند ابن القيم وابن عابدين:

- ‌أنواع النقود:

- ‌النقود المساعدة:

- ‌الفصل الرابع: مقاصد التصرّفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال

- ‌من مقاصد المعاملات المالية

- ‌أ - مصارف المال: البرّ، والصدقات، والزكاة:

- ‌الزكاة:

- ‌ب - التملُّك والتكسُّب:

- ‌1 - الأسباب المشروعة وغير المشروعة للتملك:

- ‌2 - أصول التكسّب:

- ‌ الأرض

- ‌ العمل:

- ‌ أنواع العمل:

- ‌ اختيار المسؤولين والعمال:

- ‌ج - رأس المال:

- ‌د - مجالات التكسب:

- ‌ التجارة

- ‌ الفلاحة:

- ‌ الصناعة:

- ‌ الاحتكار:

- ‌ الرواج:

- ‌استنفادُ بعض الثروة:

- ‌من أحكام المعاوضات:

- ‌توسيع الدراسات الفقهية:

- ‌الفصل الخامس: العقود

- ‌المجموعة الأولى: عقود التمليك:

- ‌التبرعات:

- ‌الرهن:

- ‌الوقف:

- ‌الهبة:

- ‌المجموعة الثانية: عقود المعاوضات:

- ‌البيع:

- ‌الإجارة:

- ‌السَّلَم:

- ‌المجموعة الثالثة: عقود المشاركة أو الشركات القائمة على عمل الأبدان:

- ‌ المضاربة

- ‌المساقاة:

- ‌المزارعة:

- ‌المغارسة:

- ‌تحريم المعاملات الربوية كلها:

- ‌العقود المنهي عنها:

- ‌بيع حاضرٍ لبادٍ ممن لا يعرف الأسعار، ومن كل وارد على مكان وإن كان من مدينة:

- ‌تلقي الركبان

- ‌البيع وقت النداء لصلاة الجمعة:

- ‌البيع والشرط وهو ما يسميه الفقهاء بيع الثُّنْيَا وبيع الوفاء:

- ‌الفصل السادس: مسائل مختلفة

- ‌تصرّفات المكلفين وأفعالهم، وما يترتب عليها من تشاريع وأحكام تناط بها أغراض الشارع ومقاصده

- ‌أثر المقاصد والمصالح في التشاريع والأحكام التي تحكم تصرّفات المكلفين:

- ‌جواز كراء الأرض بالخارج منها:

- ‌الفصل السابع: بيان طرق الاستدلال على مقاصد الشريعة

- ‌طرق التعرف إلى المقاصد:

- ‌دلالات المقاصد:

- ‌الرخصة:

- ‌الإصلاح والمصلحة:

- ‌الباب الثامنمقاصد أحكام القضاء والشهادة

- ‌توطئة

- ‌تولية القاضي:

- ‌عزل القاضي:

- ‌الباب التاسعالغرض من مقاصد الشريعة

- ‌مع علم مقاصد الشريعة:

- ‌النزوع إلى التجديد عند ابن عاشور وغيره من العلماء:

- ‌أول المجددين للدين في نظر صاحب المقاصد هو الإمام مالك بن أنس:

- ‌إمام الحرمين:

- ‌التطوّر والتجديد:

- ‌التجديد بين اتجاهين تحيط بهما محاذير:

- ‌المحاذير من التجديد:

- ‌التراث عروبة وإسلام:

- ‌تصورات للتجديد:

- ‌الباب العاشرالاجتهاد

- ‌الفصل الأول: مقدمات في الاجتهاد

- ‌واجب الاجتهاد:

- ‌إعادة النظر في قضايا اجتهادية:

- ‌الإجراءات الشرعية:

- ‌الفصل الثاني: عالميّة الشريعة والعمل بها

- ‌عالمية الشريعة وأسباب العمل بها:

- ‌العمل بالشريعة:

- ‌الفصل الثالث: بعض ما يحتاج إلى إعادة النظر فيه من الأحكام

- ‌مسائل بيع الطعام:

- ‌المُقاصّة:

- ‌بيوع الآجال:

- ‌كراء الأرض بما يخرج منها:

- ‌الشفعة في خصوص ما يقبل القسمة:

- ‌الفصل الرابع: الدعوة إلى إقامة مجمع للفقه الإسلامي

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الإسلام حقائق لا أوهام:

‌الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام

‌الإسلام حقائق لا أوهام:

إن هذا الموضوع الجليل الذي تناوله الشيخ ابن عاشور مرات كثيرة في مقاصد الشريعة الاسلامية، وفي التحرير والتنوير، وفي أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، يدل على اهتمام المؤلف به، وعلى حاجة مختلف القراء إليه (1). وهو كما قال في بداية حديثه عنه:"أي غرض أسمى وأسنى من غرضنا الذي نشرح فيه صفة عظمى من صفات الإسلام. منها تفنّنت أفنانه، وعليها التفت أواشجه، وبها تجلّى التمايز بينه وبين غيره من الشرائع، وبإنشاء المتدينين بهذا الدين على مخامرة هذه الصفة عقولَهم كانوا أهلاً للنهوض بأعباء الأمانة التي وكلت إليهم، وهي إبانة إصلاح التفكير وإعلان الحق بين الناس"(2).

وفي هذا التقديم ضرب من ضروب الدعوة إلى الإسلام، وكشف عن مميزاته وحقائقه، إذ هو قاعدة الدين الخاتَم وأساسه، لا يتعلق بالأوهام، ولا يقيم أصوله وهديه إلا على الحقائق والاعتبارات التي تجعل منه عقيدة صحيحة ناضجة، ومنهجاً بيّناً للحياة، يعتمد الواقع، ويعالج ما في المجتمع وعند الأفراد من انحراف، لقيامه

(1) المقاصد: 29.

(2)

أصول النظام الاجتماعي: 38.

ص: 205

على السماحة، ودعوته إلى الفطرة بقوله سبحانه:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (1). فالفطرة أعظم أصل من أصول الشريعة، وأبرز مظهر من مظاهرها، تقوم حتماً بما هو مغروز بها في النفس البشرية، من الانصياع إلى الحق، ومجانبة الباطل، وتحقيق مقاصد هذا الدين من الخَلْق. وهذا هو إسلام الوجه إلى الله {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (2).

وفرّق الإمام في مقاله هذا بين الحقائق والاعتبارات، والأوهام والتخيّلات، حتى يتبيّن للناس كيف كان بعضها وصفاً للإسلام يلازمه ويدعمه، وبعضها الآخر بعيداً عنه يجانبه ولا يرتبط به. فعقائد الإسلام وشرائعه وقوانينه حقائق تدركها العقول، وتتطلبها الحياة، ولها أثرها في الواقع الاجتماعي. وهي تستهدف تقويم المجتمع الإسلامي، أفراداً وجماعات، في الاعتقاد والتفكير وفي الأعمال. ويكون هذا بأخذ الناس بالحقائق التي تهديهم وتنشرح بها نفوسهم، وتنبذ عنهم الأوهام والتخيّلات التي تُضِلُّهم وتوقعهم في الأباطيل: فتطبع على قلوبهم وتحجب عنهم الهدايةَ والاستقامة.

فالحقيقة والاعتبار المتصل بها هي الماهية الثابتة في نفسِ الأمر. وحقيقة الشيء هو مفهوم كلي مركب من معقولات ملازمة أي جواهر أو أغراض أو كليهما، غير مفارقة لجزئيات الكلّي، تقوم من مجموعها صورة متعلقة متميّزة عن غيرها تدعى حقيقة، ولكنها متحيّزة في العالم وفي مدارك العقل.

وأما الاعتبارات فهي المعاني التي توجد في اعتبار المعتبر،

(1) سورة الروم، الآية:30.

(2)

سورة لقمان، الآية:22.

ص: 206

بحيث لا مندوحة للذهن عن اعتبارها؛ لأن لها تعلّقاً بالحقائق، ولكن وجودها تابع لوجود الحقائق، ووجود الاعتبارات أضعف من وجود الحقائق الثابتة في ذاتها. ووجود الاعتبارات على نوعين: منه ما هو تبع في الخارج لوجود الحقائق المنتسبة تلك الاعتبارات إليها، متابعة وجود الظل للجسم في حال كونه في النور، ومنه ما هو قاصر على التقرر في التعقل في الذهن. وكلها إدراكات ذهنية أُلجئ الذهن إلى إدراكها للزوم تعقل آثارها التي في الوجود. وتقابل هذين الوصفين الأوهام والمتخيّلات.

فأما الأوهام أو الوهميات، كما ذكر شيخنا، فهي المعاني التي يخترعها الوهْم من نفسه دون أن تصل إليه من شيء متحقق في الخارج. والتوهّم والوهْم مركب من الفعل والانفعال؛ لأن الذهن فيه فاعل ومنفعل، فهو يخترع المعنى الوهمي ثم يدركه. والفعل فيه أقوى من الانفعال. والوهْم أوسع من العقل في تصوراته ومخترعاته وتخيّلاته، وأضيق من العقل في الإذعان لما ليس من مألوفه. فقد يعجِز الفهم عن إدراك كثير من الأدلة كما أشار إلى ذلك الغزالي في التهافت. وليس المراد من الوهميات المعاني الجزئية غير المحسوسة الموجودة في المحسوسة. والقصد من الوهم هنا هو الوهم الزائف الكاذب.

وأما المتخيّلات فهي المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم، بأن يركّبها من عدة معان محسوسة محفوظة في حافظة الذهن. والخيال قوة ذهنية بها تحفظ صور المحسوسات بعد غيبة ذواتها .. وهذه القوة الخيالية إذا استعمَلَتها النفس بواسطة القوة العقلية، أو مع تعاون القوتين العقلية والوهمية تسمى فكراً، وإذا استعملتها بواسطة القوة الوهمية؛ أي بمجرد الاختراع دون تصرّف

ص: 207

عقلي سُمِّيت تخيّلاً. وهذا هو المعنى المضبوط للتخيّل. والمعاني التخيّلية يقال إنها مقدمات ليس المقصود منها التصديق بها، بل المقصود تخييل شيء أنه شيء آخر على سبيل المحاكاة لقصد تنفير أو ترغيب، مثل تخيّل التهوّر شجاعة في قول سعد بن ناشب، وتخيّل الجبن احتياطاً وحكمة في كلام الحارث بن هشام المخزومي، وتشبيه الغِيبة بأكل الميتة في القرآن الكريم (1).

وينبه الإمام إلى أن بناء الأحكام الفقهية التي يحرص عليها الأئمة المجتهدون يقتضي أولاً أن الحقائق والاعتبارات المتصلة بها لا تختلف في نفوس البشر وعوائدهم، فهي فطرية. ومن هذا يُستخلص الأصل الذي يمكن اعتماده، والبناء عليه. وهو أن دعوة الإسلام إلى الحقيقة ونبذ الأوهام تلوح في جميع أنحاء التشريع: في الاعتقادات والعبادات والمعاملات وفي المعارف. وقد فصّل القول في ذلك ذاكراً من الأمثلة في كل قسم ما يوضح هذا الأصل ويؤكّده.

فهو في الاعتقادات يرجع إلى قضية وجود الخالق ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص. ولدعم هذا الأصل في مجال العقيدة ورد عن الشارع قوله: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} (2)، وقوله:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (3).

ومثّل له في العبادات بإفشاء السلام وتشييع الجنائز والمواساة. فقد نعى الله على المشركين أن يعظموا الشهر الحرام، وينتهكوا ما هو أعظم حرمة كحرمة المؤمنين وحرمة البلد الحرام، إذ أخرجوا

(1) أصول النظام الاجتماعي: بتصرّف 28 - 31.

(2)

سورة النحل، الآية:74.

(3)

سورة الأنعام، الآية:144.

ص: 208

المؤمنين منه. يشهد لهذا قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (1).

وفي المعاملات الحقوقية كالبيوعات والجنايات وأحكام الحنث في الطلاق ونحوها بُنيت الأحكام على اعتبار الواقع دون الأوهام والتخيّلات. يفسّر هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه: "أرأيت إن منع الله الثمرة، فَبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! "(2). وهذا مجرى للقياس عند وجود صور وقضايا لم يُعيّن لها حكم، ولكنها تَتَّحد مع ما فيه حكم في العلّة. وهذا أصل شرعي لم تخالف فيه إلا الظاهرية والباطنية. واعتبر الأئمة القضاء بما ينافي الحق جوراً. وحذر من ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقتطع له قطعةً من نار"(3). ومثل هذا ورد في الفتوى في قوله: "استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس"(4).

وكما حُملت الأحكامُ على التزام الواقع إذا كان حقاً، انبنت أحكام الحقوق على اعتبار الواقع ملغىً وغيرَ معتدّ به، إذا كان هذا الواقع عائداً على مقاصد الشريعة بالإبطال ولغَزْلها بالانتقاض. ذلك أن الشريعة الإسلامية عارضت ما سوى الحق فنقضته وأبطلته وأسمته

(1) سورة البقرة، الآية:217.

(2)

انظر المقاصد: 117/ تع 1، 2.

(3)

انظر المقاصد: 520/ تع 1.

(4)

حَم: 4/ 227، 228؛ دَي: 2/ 559.

ص: 209