الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقوله: إن تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، وإن درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (1).
4 - القرافي: الفروق:
أما تلميذ العز بن عبد السلام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، فهو الفقيه الأصولي المالكي الذي انتحى منحى شيخه في ضبط القواعد وتحرير المقاصد في جملة من كتبه التي رجع إليها الإمام ابن عاشور. نخصّ بالذكر منها أوسعها مادة في المقاصد والقواعد وهو كتاب الفروق. ولشهاب الدين مؤلفات أخرى جليلة منها كتاب نفائس الأصول في شرح المحصول، وتنقيح الأصول، وكتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام.
وإذا عدنا إلى كتاب المقاصد وما جمع المؤلف به من فوائد، ونبَّه إليه من حقائق، ألفينا في ذلك كلَّه دلالة على اهتمام شيخنا بفقه القرافي وأصوله. وهو يساعدنا على الاغتراف من ينابيعه لما نحن في حاجة إليه من علم وبيان وضبط وإتقان. وقد نوّه المترجمون للقرافي، صاحب الفروق وغيره من الكتب في الأصول، بما تضمنته مصنّفاته وخاصة كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق من مباحث في المقاصد. كانت فيها الإشارات الكثيرة إلى وجوه المصالح والمفاسد، المعتمدة في الترجيح بين ما قد يُرى من القواعد والضوابط والمسائل متعارضاً. وأكّد القرافي نفسُه هذا الاتجاه الذي
(1) المقاصد: 226. تع 2.
سلكه عن تقدير واختيار بمنة الله وفضله. فقال واصفاً القسم الثاني من علم أصول الفقه بما يحتوي عليه من قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكمه: فلكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منه شيء في أصول الفقه. ولهذا الغرض وضع كتابه الفروق للقواعد خاصة، مضيفاً إليها قواعد كثيرة ليست في الذخيرة. فازدادت بذلك بسطاً وإيضاحاً، وتنبيهاً على ما اشتمل عليه كتابه الفروق من أسرار فقهية تضمّنها ما جمعه من القواعد. وهي خمسمائة وثمانية وأربعون قاعدة، أوضح كل واحدة منها بذكر ما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها (1).
واعتباراً لهذه المزايا تتبعت إحالات الشيخ ابن عاشور على كتاب القرافي الفروق. فوجدته جامعاً تفاريقها في نحو ستة موضوعات. كان فيها إما ناقلاً متأسيّاً، وإما مستدركاً ناقداً على نحو ما أشرنا إليه أعلاه.
فمن الموضوعات التي يظهر الالتقاء فيهما بين الإمامين وتجاوبهما في خدمة القواعد والأسرار ما أخذه الثاني عن الأول، أو عقّب به صاحب المقاصد على كلام القرافي كما سيتجلّى لنا ذلك من الأمثلة. وعدد الموضوعات التي حصرناها لغرضنا هذا خمسة عشر رددناها اختصاراً إلى خمسة مواضع في الفروق.
* * * * *
(1) الفروق: 1/ 2 - 4.