الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - الجويني: البرهان:
قال السبكي: وضع إمام الحرمين في أصول الفقه كتاب البرهان على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد (1) ومما يطالعنا فيه عند حديثه عن المناهي إيراده مقولة الكعبي: أنه لا مباح في الشريعة. وفي الرد عليه، قال: والمباحات مقصودة منتحاة بقصد الإباحة، وليست مقصودة بالإيجاب كما تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات. وحاصل ما جاء به الجويني من ذلك ردُّه الأمر إلى القصد في تلك المسالك
…
فمَنْ لم يتفطّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة (2). وقال في الباب الثالث من كتابه في تقاسيم العلل والأصول التي بها تظهر المقاصد ويُكشف عن المصالح:
ونحن نقسّمها خمسة أقسام:
الأول: ما يعقل معناه وهو أصل، ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه، مع تقرير غاية الإيالة الكليّة والسياسيّة العامية. وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه. فهو معلّل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة، والزجر عن التهجّم عليها (3).
الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدِّ الضرورة. وهذا مثل تصحيح الإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن، مع القصور عن تملّكها وضِنّة مُلّاكها بها على سبيل العارية (4).
(1) طبقات الشافعية: 5/ 192.
(2)
البرهان: 1/ 294 - 295، المسألة 205.
(3)
البرهان: 2/ 923، عدد 901.
(4)
البرهان: 2/ 924، عدد 903.
الثالث: ما لا يتعلق بضرورة خاصّة ولا بحاجة عامّة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث (1).
الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة. وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحاً ابتداء، وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلّي. وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث، ومثاله وضع الشرع النكاحَ على تحصين الزوجين (2).
الخامس: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلاً ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة، أو استحثاث على مكرمة مبيناً أثرها فيتعقّبها. وهذا يندر تصويره جداً، فإنّه إن امتنع استباط معنى جزئي، فلا يمتنع تخيّله كليّاً، ومثاله: العبادات البدنية المحضة (3).
وقد تضمّن كتاب البرهان شواهد على عناية الجويني بالأصول وبالمقاصد الشرعية وردت في تأليف الشيخ ابن عاشور على الترتيب التالي:
1 -
إدراج الجويني في البرهان كثيراً من الظنّيات.
2 -
لم يدون الأصوليون في أعمالهم أصولاً قواطع.
3 -
اعتذار إمام الحرمين عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل أصول الفقه. وقد تقدم تفصيل القول في ذلك مع بيان رأي الإمام ابن عاشور فيه ورده لكلام الجويني (4).
(1) البرهان: 2/ 924 - 925، عدد 903.
(2)
البرهان: 2/ 925 - 926، عدد 904.
(3)
البرهان: 2/ 603 - 604، عدد 905.
(4)
المقاصد: 17، 52 - 53.
كانت هذه القضية تحتاج إلى زيادة من القول، فعاد الشيخ ابن عاشور إلى ذكر موضع الخلاف فيها وبيّن سببه في رأيه (1).
4 -
ذكرُ الجويني لصيغة من الاستدلال العربي تَحتاج إلى التنبيه عليها. وذلك قوله: والذي نرى القطع به التعلّق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان. فإذا نظرنا إلى معناها فهو عام، وإذا نظرنا إلى السبب فليس بدعاً أن يُسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء، فيذكر في مقابلته تأسيسَ شرع يأخذ منه السائلُ حظَّه، ويسترسل مقتضى اللفظ على غيره.
5 -
أورد الشيخ ابن عاشور الحكم بالتخيير لمن سقط على جماعة من الجرحى أو الصرعى، بحيث إذا وطئ على واحد منهم قتله، فإن انتقل إلى غيره قتله أيضاً. فقيل: يبقى واطئاً لمن نزل عليه، وقيل: يخيّر. فحكى عن الجويني قوله في الواقعة: هذه واقعة بحسب المفترض خَلَت عن حكم الله. ثم قال في الجواب: لا. لم تخلُ من حكم الله، ولا يُعتقَدُ خلو واقعة عن حكم الله، ولا نرى ذلك في قواعد الدين؛ ولأن التردّد أو التخيير في هذه الواقعة للمتردّي استواءُ الإقدام والإحجام فيها، وهو حقيقة الإباحة (2).
6 -
تفصيل القول في العمل بأخبار الآحاد والاختلاف فيه، إذا خالفت القواعدَ أو القياسَ أو عملَ أهل المدينة، ولسنا في مثل هذه الحالة بالذي يتمسك بالخبر، إذ لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو العلم بكونه منسوخاً، وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجالٌ (3).
(1) المقاصد: 52 - 53.
(2)
البرهان: 2/ 1350 - 1351، عدد 1531، 1534.
(3)
البرهان: 2/ 761، عدد 1208؛ المقاصد: 72 - 74، 266.