الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال البيضاوي: إن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللاً بالعلة الفلانية. ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع. يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم بحصول الوهم بنقيضه. وحينئذٍ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين، ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعاً وعقلاً، فتعيّن العمل بالظنّ، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك (1).
أدلة نفاة القياس:
وأدلة نفاة القياس، وأبرزهم الظاهرية والإمامية، كثيرة. اعتمدوا في المنع على قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (2)، وقوله سبحانه:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (3)، وقوله عز وجل:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (4)، وقوله جل تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (5).
ولهم من السُّنة أحاديث أبطلوا بها قياسات لعمر وأسامة في شأن حلتين أرسل بهما النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فلبسها أسامة قياساً للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها لغيره وردها عمر قياساً لتملكها على لبسها. فأسامة أباح وعمر حرم قياساً فأبطل الرسول صلى الله عليه وسلم كل
(1) شرح الإسنوي: 2/ 2.
(2)
سورة النساء، الآية:59.
(3)
سورة المائدة، الآية:48.
(4)
سورة النساء، الآية:205.
(5)
سورة الحجرات، الآية:3.
واحد من القياسين وأَعلَمهما صلى الله عليه وسلم قائلاً لعمر: إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها، وقال لأسامة: إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن لتشققها خمراً لنسائك. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تقدم إليهما في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط. فقاسا قياساً أخطآ فيه؛ فأحدهما وهو أُسامة قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس. وهذا عين الباطل منهما لأن ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من اللبس لا يتعدّى إلى غيره، وما أباحه من التملّك لا يتعدّى إلى اللبس. وهذا عين إبطال القياس (1).
ومن السُّنة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله فرض فروضاً فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. فالحديث موجّه للصحابة ولمن بعدهم. فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه لنحرمه أو نوجبه (2).
وذكروا من دلائل النهي عن العمل بالقياس إجماع الصحابة. وهو أن بعضهم نهى عن العمل بالقياس أو الرأي، وسكت الباقون عن الإنكار عليه. فكان ذلك إجماعاً على ترك العمل بالقياس.
ومن أمثلة ذلك قول أبي بكر: أيّ سماء تظلني، وأي أرض تُقِلُّني إذا قلت في كتاب الله برأيي.
وقول عمر: إياكم وأصحاب الرأي. فإنهم أعداء السُّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا.
وصرّح أئمة التابعين وتابعوهم بذم القياس وإبطاله. وعللوا هذا
(1) ابن القيم: 1/ 249.
(2)
ابن القيم: 1/ 249.
النهي بما رواه ابن وهب عن مالك قال: سمعت مالكاً يقول: الزم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "أمران تركتهما فيكم: كتاب الله وسنتي". قال ابن وهب: وقال مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامَ المسلمين وسيدَ العالمين يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه أو بقياس أو بتقليد من يحسن به الظن، أو بعرف أو بعادة أو سياسة أو ذوق أو كشف أو منام أو استحسان أو خرص، والله المستعان وعليه التّكلان (1).
ومن أدلة النهي ما نقل عن البيضاوي والإسنوي: أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء أو لأنه تابع للأمارات، والأمارات مختلفة، وحينئذٍ يكون ممنوعاً لقوله تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا} (2).
وقضية الرأي أو العمل به موضع دراسات ونقد عند الأصوليين. وقد تولى ابن عبد البر وابن القيم تلخيص ذلك.
أما مصادر التشريع المختلف فيها وبيان علاقتها بالمقاصد، فنحن مختصرون القول فيها ومقتصرون على ذكر المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، وإبطال الحيل.
* * * * *
(1) ابن القيم: 1/ 223.
(2)
شرح الإسنوي: 2/ 237