الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القواعد العامة لقيام المجتمعات الإنسانية:
ولا بأس أن نشير عقب هذا البيان إلى جملة من القواعد العامة التي تحكم المجتمعات الإنسانية، والتي لها علاقة بميدان العمل وبالتصرّفات العامة والخاصة بين أفراد المجتمع ككل، فمن ذلك:
(1)
أن حقوق العباد تضمَنُها التصرّفات الكريمة والأخلاقية التي تجلب لهم المصالح وتدرأ عنهم المفاسد.
(2)
أن من حكمة التشريع ألا توصد في وجوه العاملين بأموالهم أو بأبدانهم الطرق السليمة المثلى التي يستوجبها الحق والعدل. ولزوم الغض عما يتطرّق ذلك من مخالفة للتشريعات، مما بنيت عليه أحكام المعاملات المالية في المعاوضات.
(3)
اعتبار الحاجة إلى التعاون بين الأطراف كلها في مجالات العمل والإنتاج أكيدة. فالعامل مثلاً لا قدرة له على التمويل، وصاحب المال ليس ذا خبرة للقيام بمشروعاته وإنجازها على الوجه الكامل. ومن ثم تكثر وتتعدد الدوافع عند الطرفين حاملة لهما على التشارك والتعاون. فالعملةُ إن حرموا مساعدة أصحاب الأموال، وأصحابُ الأموال إن لم يجدوا من يخدمهم أو يقوم بمشاريعهم، تَلِفت أموالهم وضاعت منهم فرص الإنتاج. ولكون ذوي المال أقدر على التماسك أمام التطورات والشدائد لزم أن تكون معاملاتهم للعمال خالية من التحيّل والاستغلال، بقدر ما تكون علاقة العمال خالية من الحَسَدِ والغِش وإضاعة الأوقات مما يفسد أعمالهم ويحول بينهم وبين الوفاء بواجباتهم.
وقد أوصت الشريعة الإسلامية، طبق مبادئها وأصولها، بالتحرّز عما يثقل العامل من العقود. وذلك لكي لا يستغلّ رب المال
اضطرار العاملِ إلى التعاقد، فينتهز ذلك ويتجاوز في أرباح نفسه. وقد علل الفقهاء إعطاء الأجير أجره، قبل أن يجفّ عرقه من غير تأخير ولا نَظْرة ولا تأجيل، بشدة حاجته إلى الانتفاع بعوض عمله، إذ ليس له في الغالب موئل مال. كما جوّزوا تنفيل العملة فيما يبرمونهُ من عقود بمنافع زائدة مما يقتضيه العمل، ولا يُنفّل بمثل ذلك صاحبُ المالِ أو صاحبُ العمل.
وقصد الشريعة من هذه التصرّفات والتوجيهات الحياطة لجانب العَمَلة سداً لذريعة ذهاب عملهم باطلاً أو مغبوناً. وليس معنى هذا أنها بأحكامها تحابي العمال دون أصحاب الأعمال. فإن في حراسة حقوق العمال من الاعتداء عليها عدلاً وصلاحاً للفريقين.
وبالإضافة إلى هذا كله أوصت الشريعة باحترام العامل والحفاظ على كرامته. فمنعت كل عقد أو شرط يكون فيه إضرار بالعامل، أو إيهام الاستعباد له، وربما ذهبت إلى أكثر من هذا. فقد جاء في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوبُ التزام دائرة الوسع والطاقة، وعدم تكليف العامل إلا بما هو في وسعه. وأكد عليه السلام هذا المعنى بقوله:"عبيدكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلفه فليُعِنْه"(1).
ومن رحمة الإسلام بالأُجراء والإحسان إلى من يُستخدم منهم ألا يقل أجر الأجير الذي يقيم مع صاحب العمل عن كفايته من الطعام والثياب، أما السكنى فهو يساكن صاحب العمل في بيته. ويكون هذا في كل عصر بما يناسبه.
(1) انظر المقاصد: 111.
ويهمنا في المحل الأول، قبل الحديث عن ميادين العمل التي اتجه إليها الناس في الماضي وما يزالون، ويتجهون إليها في الحاضر مع اختلاف أنواعها وتطوراتها والغايات منها وأهدافها، أن نقف عند المبادئ والأصول الإسلامية التي تحكم أعمالنا فنحوطها بأسباب الجد والقدرة والقوة وزيادة الإنتاج، سواء من طرف أهل اليسار والمموّلين أو من طرف العمال الكادحين. وكلاهما إما مجاهد بماله وإما مجاهد بعمله يبتغون من وراء ما يبذلونه من جهد فضلَ الله ليحِلَّ في مجتمعاتنا وبين أهل ملتنا الغنى محل العوز، والتقدم والسبق محل التأخر والتخلف، والرقي والعزة بدل الانحطاط والمذلة.
وإن التأكيد على العمل الإنساني ليظل كبير الأثر في الإنتاج وفيما نجنيه من خير عن طريقه، كما أن له القدرة الفائقة على تطوير الإنتاج، وفتح آفاق أخرى للعمل تدفع إلى مزيد من التقدم والرقي.
وإذا كانت كل المعاملات والتصرّفات المالية خاضعة للعقود ليتم إنجازها على الوجه المأذون فيه، والمعتبر شرعاً، فإن هذه العقود تعتبر ضوابط شرعية تحدد وجوه التصرّف المالي في المعاملات. ويقتضي هذا النظر في صور العقود، لمعرفة صحّتها من فسادها، والنظر في غاياتها ومآلاتها من أجل التحقق من المقصد الشرعي فيها أو من أجل الالتزام بها، وفاء بما يتفق عليه الطرفان المتعاقدان من شروط فيها.
* * * * *