الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دلالات المقاصد:
إن المحور الأساس الذي يدور حوله البحث في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، هو المقاصد ذاتها. ومن خلال ما وقفنا عليه من استعمالات لكلمة المقاصد رأينا أحياناً ألفاظاً أخرى بإزائها تطلق بمعناها. وهي من قبيل المدلول العام كالكليات فقد أطلقوها على الضروريات وحدها باعتبار وعليها وعلى الحاجيات والتحسينيات باعتبار آخر. وربما أطلقوا الجنسين العاليين: المصلحة والمفسدة بإزائها. وهي بدون شك راجعة إليهما.
ومصطلح المقصد مختلف المعاني، باعتبار مدلولها، مواءمةً أو مساوقةً له كالمعاني الحقيقية والمعاني العرفية، والمعاني الاعتبارية، أو مناقضة له غير قابلة للاندماج فيه كالمعاني الوهمية أو التخيلية. فليس شيء من هذين بصالح لأن يعدّ مقصداً شرعياً.
وقد تقدم ذكر الشروط الواجب مراعاتها في تعيين المقاصد، وهي: الثبوت والظهور والانضباط والاطِّراد.
والمقاصد الشرعية كثيرة ومتعددة بتعدد الأحكام الجزئية التفصيلية، وإن أدلّتها لموذنة بذلك. وتكون كما قدمنا ظاهرة وخفية.
فمن المقاصد الشرعية ما شاع الحديث عنه في المجتمع الإسلامي بل المجتمعات الإنسانية لكونه ملاحظاً بالإجماع، مرغوباً فيه من الأفراد والجماعات، مدعو إلى الالتزام به كالحرية والمساواة والأمن والرفق والمواساة.
والمقاصد أقسام:
منها: ما يرجع أمره إلى الأمة جمعاء، أو ما يقوم عليه نظامها.
ومنها: ما يرجع إلى طبيعة الحكم الإسلامي، أو إلى صفة من
الصفات والمعاني تكون أساساً للتشريع الإسلامي وقاعدة للتصرّف بين أفراد الملة كلها.
ومنها: مسالك التشريع المتفاوتة بين الحزم والتيسير، وكذلك لزوم الشريعة ونفوذها.
ويمكن أن نرد المقاصد جميعها إلى جملة أقسام بياناً لصورها وتفصيلاً لأغراضها: فمنها ما يتصل بنظام العالم والمجتمعات وما تتطلبه من مصالح. وله عدة صور:
° فللقسم الأول أمثلة كثيرة من المقاصد نذكر منها:
حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان (1).
وصلاح العالم المقصود للشارع. وهو منة كبرى يمنُّ الله بها على عباده الصالحين جزاء لهم. قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (2). والمقصد الأعظم للشريعة يتجلّى في جلب الصلاح ودرء الفساد (3).
ومنه حياطة الشريعة المصالح المألوفة المطردة بسياج الحفظ الدائم. وهذا كمصلحة نظام العالم باحترام بقاء النفوس في كل حال، مع الأمر بالصبر على ما يلوح من شدّة الأضرار الراجعة لحياة بعض الأحياء.
ومن أهم مقاصد الشريعة في انتظام أمر الأمة صلاح أحوال
(1) المقاصد: 194.
(2)
سورة النور، الآية:55.
(3)
المقاصد: 197.
المجموع وانتظام أمر الجامعة فهذا أسمى وأعظم من صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم (1).
(5)
إقرار الشريعة الحرية وكذا المساواة بين الناس مع تقييد لها في مختلف تصرفات الناس بما نبه عليه الشارع.
° والقسم الثاني: راجع إلى دور الحكومة في الإسلام وتطبيق أحكامه. ومن صوره:
(1)
إقامة الإمام، ومَن يكون المجتمع أو الأمة في حاجة إليه من وزراء وأهل الشورى في الإفتاء والشرطة والحِسبة ونوابِهم ومساعديهم ليتم تنفيذ الأحكام المتعلقة بالحقوق العامة للأمة، والأحكام المتعلقة بالحقوق الخاصة بين أفراد الأمة (2).
(2)
حراسة ولاة الأمور للوازع الديني من الإهمال حتى يكون الامتثال من الناس اختيارياً، وإلا لجأوا إلى استخدام الوازع السلطاني الذي به يكون تنفيذ الوازعين الديني والجِبِلّي (3)
° القسم الثالث تابع لما قبله. ويتضح بجلاء في طبيعة التشريع الإسلامي ومقوماته، أصوله وقواعده. ومن أمثلته التي أوردنا قبل:
(1)
عموم الشريعة ودعوتها جميع البشر إلى اتباعها. فهي خاتمة الشرائع، ويستلزم عمومُها مخاطبةَ المكلفين جميعاً أينما وجدوا في أقطار العالم وحيثما كانوا في أزمانه. وأدلة ذلك كثيرة منها قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} (4)، وقوله:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (5). ولتحقيق
(1) المقاصد: 390.
(2)
المقاصد: 354.
(3)
المقاصد: 369.
(4)
سورة سبأ، الآية:28.
(5)
سورة الأعراف، الآية:158.
عموم الخطاب الشرعي أقام الله أحكامه على وصف مشترك بين الناس جميعاً استقر في نفوسهم وارتضته العقول السليمة فيهم وهو الفطرة. وقد جعل التماثل في إجراء أحكامه عوناً على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة، كما أرساها على اعتبار الحِكم والعلل التي هي من مدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد. ومما يؤكد عموم الشريعة الكليات الكثيرة الواردة في القرآن، والقواعد العامة التي نجدها في السُّنة، ثم ما انبنت عليه الشريعة من مجملات ومطلقات يتولّى أمرَ بيانها وبيان محاملها أئمة هذا الدين من مجتهدين وفقهاء. وقد أردف المؤلف حديثه عن عموم الشريعة بذكر أمثلة كثيرة غَمرت كتب الأصول والقواعد (1).
(2)
اقتضاء الأوصاف المتقدمة صلوحية الشريعة للناس كافة في كل زمان ومكان. وذكر الكيفيات التي تتحقق بها صلوحيتها الدائمة، كقبول الشريعة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر.
وكأن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة، كما أمكن للإسلام تغيير بعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصينيين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما لزموه من قديم أحوالهم الباطلة، أو انسلخوا عنه مما تعارفوه من العوائد المقبولة (2).
(1) المقاصد: 274 - 278.
(2)
المقاصد: 274 - 275.
(3)
قيام مقصد الشريعة على المنزع السوي في إناطة أحكامها مرتّبة على أوصاف ومعانٍ، وقيامها بضبط وتحديد ذلك على وجه يتبيّن به وجود الأوصاف والمعاني التي جاءت الشريعة برعايتها. وقد نصبت لذلك أمارات التشريع بها، والحدود والضوابط الصالحة لأن تكون عوناً للعلماء، تهديهم عند خفاء معاني الأوصاف، أو وقوع التردد فيها (1).
(4)
تحقيق الأحكام الشرعية العدلَ في المجتمع الإنساني والإسلامي.
(5)
تنويع المقاصد إلى أصلية وتابعة مما يكون من اليسير معه طلب الأحكام.
° القسم الرابع: وهو عبارة عن الأوصاف والمعاني التي ترتبط بها الأحكام.
يتضح ذلك فيما اعتمده أكثر الفقهاء من القياس، وسد الذرائع، الخاضعين لملاحظة العلل والأوصاف، التي تترتب عليها الأحكام:
(1)
فمقصد الشريعة من أحكامها إثبات أجناس الأحكام لأحوال وأوصافٍ وأفعالٍ تنتج صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً قويين أو ضعيفين. مما يتأكد التوقف عنده لعلاج ما صدر من أحكام خاطئة في مثل:
(أ) إبطال نكاح المرأة من رجل زوّجها وليها منه بمهر، وزوّج هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ. فالحكم بالإبطال في هذا مردود لأنه ليس شغاراً بأي معنى من المعاني.
(1) المقاصد: 343.
(ب) تحريم بعض الفقهاء التدخين بوضع ورقة التبغ في الفم حملاً له على ما يفعله الحشاشون باطل، لمفارقة التبغ للحشيش المخدر. وبهذا فرّق الفقهاء بين الأوصاف. فإن منها ما هو مقصد للتشريع، ومنها ما هو مقارب له لا يتعلق به غرض الشارع وأسموه الأوصاف الطردية (1).
(2)
قابلية الشريعة القياس على أحكام ثابتة. وذلك للاتحاد بين المقيس عليه والمقيس في الوصف أو العلة، وكذلك أجازوا قبول الأحكام المقيسة عليها، عند الشعور بجهات الاتحاد بين مماثلاتها في الأحكام
…
وقد أكسب استقراءُ الشريعة في تصرّفاتها فقهاءَ الأمة يقيناً بأنها ما سوت في جنس حكم من الأحكام بين جزئيات متكاثرة إلا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعين عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكماً مماثلاً. والأوصاف المقصودة للشارع من أحكامه إما أوصاف فرعية قريبة كالإسكار أسميناها عللاً، وإما كليات مثل حفظ العقل سميناها مقاصد قريبة، وإما كليات تشمل النوعين المصلحة والمفسدة دعوناها مقاصد عالية.
ودلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم مّا دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها .. ومن أجل هذا صرّح العلماء بأن لاستحضار المُثل والنظائر شأناً ليس بالخفي في إبراز دقائق المعاني ورفع الأستار عن الحقائق. ومن ثم كفت الشريعة الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى في أجناسه العالية. ويتضح أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبول القياس عليها ما قامت منها معانٍ ملحوظة للشارع (2).
(1) المقاصد: 309.
(2)
المقاصد: 313 - 316.
(3)
مقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرّفاتها مع الأمم، وفي تقنين مقاصدها. ولا يمنع مثل هذا التصرّف في الأحكام من الانتباه إلى أن الشريعة قد عمدت لذرائع المصالح ففتحتها (1).
° القسم الخامس: مميزات التشريع الإسلامي علل ودلائل لا تصورات وظواهر:
(1)
أساس مقصد الشريعة في الوصول إلى الإصلاح المطلوب هو تطور التشريع كالذي حصل من ابتداء البعثة إلى ما بعد الهجرة. ولعل هذا هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أجاب ابا عمرة الثقفي عن سؤاله عن الكلمة الجامعة في الإسلام فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "قل آمنت بالله ثم استقم"(2).
(2)
قصد الشريعة من التشريع التغيير والتقرير. ويكون الأول من هذين للأحوال الفاسدة، وهو ما عناه تعالى بقوله:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (3).
ويكون التغيير في الأحكام. تخفيفاً ورحمة بالمكلّفين ومثاله قصر عدة الوفاة في الظروف العادية على أربعة أشهر وعشر بدل استيفاء العام. كما يكون حزماً مثل التغيير إلى ما هو أشد كنهي المرأة عن الاكتحال في عدة وفاة زوجها ولو من مرض. والحكمة في هذا الحرصُ على المحافظة على الحكم.
ومسلك التيسير والرحمة تقتضيه فطرية الشريعة وسماحتها. فهي
(1) المقاصد: 340.
(2)
المقاصد: 199.
(3)
سورة البقرة، الآية:257.
ليست بنكاية، ولا مقتضية لحرج أو مشقة ومن مظاهر تيسير الشريعة:
(أ) كون أحكامها مبنية على التيسير في غالب الأحوال.
(ب) لم تترك الشريعة للمكلفين بها عذراً للتقصير عن العمل بها، لأنها بنيت على أصول الحِكم والتعليل والضبط والتحديد كما قدمنا.
(ج) اعتماد الشريعة تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة وللأفراد. قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (1). وهذا من الرخصة.
وأما التقرير فللأحوال الصالحة استدامةً لها وإكثاراً منها. وهي ما يُنعتُ بالمعروف. قال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} (2).
(3)
المقصد الأعظم للشريعة الإسلامية هو نوط أحكامها المختلفة بأوصاف تقتضيها، وأن يتسع تغيّر الأحكام بتغيّر الأوصاف. وفسّر الشيخ ابن عاشور هذا المقصد، موضّحاً ومعللاً له بقوله: ويحق علينا أن نأتي بشيء من استقراء الرسول صلى الله عليه وسلم وتصرّفه لطمأنة الناظر في هذا المقام الذي قد يكثر منكروه ويعثر مبصروه. والدليل على اعتبار هذا المقصد كراهية الرسول صلى الله عليه وسلم السؤال في النوازل (3)، وقوله من حديث سعد بن أبي وقاص: أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحَرَّم فَحُرِّم من أجل مسألته (4).
قد نَبَّه الشارع إلى مسلك الحزم في إقامة الشريعة. ودليل ذلك قوله تعالى:
(1) سورة البقرة، الآية 173.
(2)
سورة الأعراف، الآية:157.
(3)
المقاصد: 386.
(4)
المقاصد: 386.