الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توطئة
يضع هذا المبحث بين أيدينا أغراضاً كثيرة للقول، منها ما في القرآن والحديث الآثار من دلائل كثيرة على:
(1)
إثبات المقاصد الشرعية فيما صدر عن الحكيم العليم من تشاريع لعباده.
(2)
وعلى احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة.
(3)
وعلى تصوّر طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة، وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً منها.
(4)
وعلى معرفة طرق إثبات المقاصد الشرعية عند الأئمة المجتهدين.
وفي هذه الزمرة من الموضوعات والقضايا تتمثل الدعامةُ الأساس لدراسة علم المقاصد.
فالغرض الأول المتعلق بإثبات المقاصد الشرعية يقتضي دون شك العودةَ إلى القرآن والسُّنة طلباً للأدلة والبراهين التي تُثبت تلك العلاقة القائمة بين النصوص التشريعية والأحكام، وبين الأحكام وعللها أو مقاصدها.
قال الشيخ ابن عاشور: لا يمتري أحد في أن كل شريعة شُرعت للناس ترمي أحكامُها إلى مقاصد مرادةٍ لمشرّعها الحكيم. فلم تكن الأحكام الصادرة عن الشارع عبثاً من القول، أو صُدفة. يشهد
لذلك قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (1)، وقوله عز وجل:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} (2)، والدليل القطعي الآخر، الثابت من بدء الخليقة، بَعثُهُ سبحانه الرسلَ بشريعته إلى الأمم وإِلى العالمين كافة. قال جل وعلا:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (3). وأعظم الشواهد على هذا دلائل ذلك الخلق الإلهي خلق الله الإنسان قابلاً للتمدن، ووضعُه الشرائعَ له، يَختصِر له بذلك الطريق، ويوجّهه إلى الذي هو أهدى.
وجاء الرسل بما جاؤوا به من خير وهدى، ونور وتشريع، يُعينُ البشرَ الذي استخلفه الله في الأرض على تحمل أعباء الخلافة فيها، وبما يساعد الناس من توجيهات، وما يحدّده لهم من مسارات في كل أعمالهم. فيدفعهم ذلك في كل حركة وحين إلى اجتلاب المصالح لهم، ودرء المفاسد عنهم، وعمن حولهم من المجتمعات.
وهكذا أنزل سبحانه من آيات الذكر الحكيم، وجاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصوص السُّنة الصحيحة، تكشف كلها عن مقاصد الشارع من تشريعاته، وتبيّن أن هذا الإنسان هو الذي كرّمه الله على غيره، وأولاه ما رفع به منزلته من ولاية سامية، خصّه بها دون سواه، حين قال عزّت كلمته وجلّت قدرته:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (4). والخليفة هنا هو من يخلف صاحبَ الشيء في تصرُّفه في مملوكاته. والخليفة هو آدم عليه السلام وهو من تحققت خلافته بقيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض، وتلقين ذريّته قصدَ الله تعالى من خلق هذا العالَم. وممّا يقتضيه هذا التصرّف
(1) سورة المؤمنون، الآية:115.
(2)
سورة الحجر، الآية:85.
(3)
سورة الحديد، الآية:20.
(4)
سورة البقرة، الآية:26.
الإلهي إخلاصُ الدين لله، وتصرّفُ آدم بسن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرّفاتهم .. ولِما للخليفة من شأن في حفظ الجماعة، والذبّ عنها، وتنظيم حياتها، أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الخليفة، وحفظ نظام الأمة، وتنفيذ الشريعة. ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة. وللخليفة شروطٌ محلُّ بيانها كتب السياسة الشرعية (1).
وبمثل هذا التفصيل والوضوح فسّر الإمام الخلافة بالاستمداد من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (2) فجعل للخلافة أصولاً تنتظم بها أمور الأمة. وقد وردت هذه الأصول في آيات مباركة كثيرة:
وفي هذين أساسان عظيمان هما العدل والحق.
ويقول سبحانه مقابل هذا في سياق الذم: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (5).
(1) التحرير والتنوير: 1/ 399 - 400
(2)
سورة النور، الآية:55.
(3)
سورة النحل، الآية:90.
(4)
سورة النساء، الآية:29.
(5)
سورة البقرة، الآية:205.
ويقول جل وعلا: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (1).
وفي السُّنة بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرّفات ولاةِ الأمور في شؤون الرعية وغيرها، ومتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما أوضحه الشرع لهم بلغوا المقصد الأسنى من وعد الله لهم بالاستخلاف في الأرض. وهذه التكاليف التي جعلها الله قواماً لصلاح أمور الأمة، ووعد عليها بإعطاء الخلافة والتمكين والأمن، صارت بترتيب الموعدة عليها أسباباً لها (2).
وذهب الأئمة إلى أن شرائع الدين لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وأن مقصد الشريعة يتمثّل في غرضين: الأول منهما ما فيه صلاح المجتمع الإنساني عاجلاً أو آجلاً.
والبراهين على هذا كثيرة. فالقرآن والسُّنة مملوءان بتعليل الأحكام بالحِكم والمصالح والمنافع، التي لأجلها شرع الله تلك الأحكام. يظهر من هذا وبالاستقراء أن الشريعة معلَّلة بالحِكم والمصالح.
والغرض الثاني، هو حاجةُ الفقيه إلى معرفة المقاصد. وقد ذكر المؤلف لهذا خمسة أنحاء تختلف وتتغيّر بحسب تصرّفات الفقهاء في اجتهاداتهم. ويكاد يسيطر هذا الغرض على كامل كتاب المقاصد، إذ هو حجر الزاوية والمنتهى إليه في كل الجزئيات التي سوف نقف عليها عند تعرضنا لأبوابه وفصوله.
(1) سورة محمد، الآية:22.
(2)
التحرير والتنوير: 18/ 283 - 284.