الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
د - مجالات التكسب:
اعتبر رجال الاقتصاد أن في مجالات التكسب ميادين تطبيقية ترعاها وتقوم بها وهي ثلاثة:
التجارة
والصناعة والفلاحة. وجرى على هذا التقسيم من قبل الإمامُ البخاري فيما رواه من أحاديث المعاملات. ونحن نعرض لهذه الوسائل بإلماعات تكفل الوفاء بتصورها على وجه دقيق، إن شاء الله.
° التجارة:
إن القصد من التجارة هو تنمية المال، بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأعلى من ثمن الشراء. إما بانتظار حوالة الأسواق، أو بنقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو ببيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى رأس المال نزر يسير، لأن المال إن كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير. ثم لا بد من محاولة هذه التنمية التي هي الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها، وأهلُ النصفة قليل.
وقد كان تعلق الصدر الأول من المسلمين بالتجارة يحملهم على الرغبة في هذا العمل وتقديمه على غيره من الأعمال. كانوا يفاخرون به ويتمنون القيام عليه. قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1).
حملت هذه الآية المسلمين على بذل جهودهم للفوز في الدارين الأولى والأخرى: أولاً: بالضرب في الأرض ابتغاء الرزق،
(1) سورة المزمل، الآية:20.
وثانياً: بالقتال في سبيل الله لنشر دينه وإعلاء كلمته. وتأول ابن مسعود الضرب في الأرض بقوله: "أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء"(1)، وقال عمر:"ما خلق الله موتة [أموتها] بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من أن أموت بين شعبَتَي رحلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض"(2). والابتغاء من فضل الله في الأرض هو السفر للتجارة. قال بعض الصحابة: "تكشف هذه الآية عن فضيلة التجارة والسفر للتجر، حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال"(3).
وقد تَعرِض أسباب تُخيف الممارسين للتجارة فتحملهم على عدم الاطمئنان على أموالهم. فمن ذلك ما حذر منه ابن خلدون مما لا بد أن يقع في المعاملات التجارية كالغش والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه، ومن الجحود والإنكار المسحِتِ لرأس المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة. وغَناءُ الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنما هو على الظاهر، فيعاني التاجر من ذلك أحوالاً صعبة (4).
(1) القرطبي. الجامع: 16/ 56.
(2)
أخرج الأثر سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال عمر: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله. السيوطي. الدر المنثور: 8/ 323.
(3)
التحرير والتنوير: 29/ 285، 286.
(4)
الفصل العاشر في: أي أصناف الناس ينتفع بالتجارة. المقدمة: 395، المكتبة التجارية مصر.