الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة
وعلى نحو ما قدمنا في الحديث عن أقسام المقاصد استهل الإمام الأكبر كتابه مقاصد الشريعة بحملنا على اعتقاد أنه بما يقدمه من مباحث جليلة يرجو أن يضع بين أيدي المتفقهين في الدين نبراساً لهم، ومرجعاً بينهم، يحد من اختلاف الأنظار، ويدرب الفقهاء وأتباعهم على الإنصاف، ونبذ التعصب والخلاف، والفيئة إلى الحق فيما يبدون فيه آرائهم أو يُعرضون له من أنظار عند إرادة الترجيح بين الأقوال. ذلك أنهم لم يجدوا في علم أصول الفقه منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه منهم، وعُسر أو تعذر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.
واعتقاد الشيخ ابن عاشور أنهم واجدون في علم مقاصد الشريعة ما فقدوه في علم الأصول لأن هذا العلم محصورة قضاياه في استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تنتزع بها الفروع أو الأوصاف التي تؤذن بها تلك الألفاظ من غير أن تكون متناولة لبيان حكمة الشريعة. وإن كان لبعض مباحثه صلة بالمقاصد. وذلك كالمناسبة والإخالة في مسالك العلة، ومباحث المصالح المرسلة والمتواتر، والمعلوم من الدين بالضرورة، وحمل المطلق على المقيد.
واستعرض إثر ذلك موضوع قطعية أصول الفقه، وقارن القول فيها بين الجويني صاحب البرهان والمازري شارحِه، وبين الأبياري
والبصري، وبين القرافي والشاطبي، رادّاً على القائلين بالقطعية مؤكداً ما ذهب إليه القرافي في نفائس الأصول، ومعترضاً على الشاطبي، مفنّداً أدلته التي ناصر بها إمام الحرمين.
وتناول في تمهيده الحديث عن القواعد القطعية للتفقه، وهي التي وضعتها جماعة من العلماء، كما تحدث عن روّاد علم المقاصد منوّهاً بهم ومقارناً بينهم.
وفي القسم الأول من الكتاب تعرض لإثبات مقاصد الشريعة، وإلى مدى احتياج الفقيه إلى معرفتها، منبهاً إلى أن كل مكلَّف بحاجة إلى معرفة ذلك، لكنّ عُسر طلبها يحول بينها وبين العامة، وأن العلماء أنفسهم متفاوتون في تقديرها على قدر تفاوتهم في القرائح والفهوم.
وذكر جملة من المقاصد منها علة تحريم المزابنة، وعلة تحريم بيع الجزاف بالمكيل، وإباحة الغبن القليل تيسيراً على الناس كما في معاملات الأبدان، وإبطال الغرر في المعاوضات، وطلب الرواج، معقباً على هذا ببيان الجهات الثلاث لمعرفة مقصد الشارع، وبتقسيمه المقاصد إلى أصلية وتابعة.
وقد اهتم بما عُني به العلماء المتقدمون من أهل السلف، ومن المجتهدين فبيّن منهاجهم والطرائق التي اعتمدوها للتوصل إلى معرفة المقاصد وتقسيمها، معتمداً أساساً على الاستقراء والاستدلال.
وتوقف عند الخطاب الشرعي، ذاهباً - كما ذهب غيره - إلى أن الكلام لا يكفي وحده للدلالة على مراد اللافظ دلالةً لا تحمل شكاً في مقصده من لفظه. وتحدث عما يلابس الخطاب من وجوه البيان
والخفاء، ودعا إلى الاستعانة على فهم المعاني بمعرفة السياق والمقام وما يحف بالكلام من دلالات وقرائن مقالية وحالية، وحمل على الخطأ كل الفقهاء الذين كانوا يقتصرون في استنباط الأحكام على اعتصار الألفاظ. وأشار إلى تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين في ذلك. ونقد بعض الأحاديث ووجه الدارسين إلى القيام بتحرير مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل.
وعلى غرار الإمام القرافي اهتم بالتمييز بين مقامات أقوال وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرَّق بدقة بين التبليغ والإمامة القضاء. وجعل المقامات بما تختلف فيه بينها من أحوال ليست مقصورة على مقامات التشريع، بل تتجاوزها إلى ما وراءها، وأورد اثنتي عشرة حالة هي كما ذكرنا أولاً مما كان يختلف فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال التشريع أو الفتوى أو القضاء أو أحوال كثيرة أخرى كحال الإمارة، وحال الهدي، وحال المصالحة بين الناس، وحال الإشارة على المستشير، وحال النصيحة، وحال طلب حمل النفوس على الأكمل، وحال تعليم الحقائق العالية، وحال التأديب، وحال التجرد عن الإرشاد.
ثم خلص من ذلك وهو ماض في نفس السياق إلى بيان أن مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية، وأن تعيين مقصدٍ شرعيٍ، كلياً كان أو جزئياً، أمرٌ تتفرع منه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطأ فيه خطر عظيم.
وهو يقترح على من يزعم قطعية علم الأصول تجنب هذا المسلك لأن مسائل أصول الفقه ظنية لا يمكن أن ترقى إلى درجة أصول الدين. ولكن الذي ينبغي الاتجاه إليه والحرص على الظفر به
هو أن نسير على منهج الإمام العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى فنجمع جملة من القواعد القطعية، يتأتّى لنا الرجوع إليها في التحكيم عند الاختلاف والمكابرة. وتستمد هذه القواطع من متكرر أدلة القرآن النافي لاحتمال المجاز أو المبالغة، ومن اطراد النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم وكل ما فيه ضرر أو إضرار.
ومن بين ما تناوله القسم الأول من الكتاب النظر في تعليل الأحكام الشرعية، والتفريق بين ما هو منها معلل وما هو تعبدي. وفي هذا أبرزَ وظيفة الفقهاء في انتزاع الفروع من الأصول إما بطريق تحقيق المناط، وإما بطريق القياس، وإما باعتماد أحكام ثبت صدورها عن الشارع في علم المجتهد وهو موقن بها، لكنه لم يقف على مراد الشارع منها لخفائها، وهو التعبدي. وقد نبّه إلى مقالة عمر أن السنن ووجوه الحق تأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بداً من اتباعها كقضاء الحائض الصوم، وعدم قضائها الصلاة، وكون العمة تورِث ولا تَرث. وكشف المؤلف عن رأي الظاهرية في هذا المحل، وذهب مسانداً لابن العربي في موقفه منهم قائلاً: يضطر الظاهرية (بنزعتهم هذه) إلى التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكماً من حوادث الزمان. كما أن في اتجاههم هذا نفيَ مواكبة الشريعة لجميع العصور والأقطار.
ومثل لما أبداه الصحابة من الاجتهاد بقضية العول في الميراث. ونصح الفقهاء بأن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات، وأن يعتبروا أن التعبدي من الأحكام هو ما خفيت علله ودقت. وأنه وإن جاز إثبات أحكام تعبدية لا علة لها في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية، فإن عليهم استنباط العلل في
أقسام المعاملات الأخرى كما فعل الأئمة الثلاثة في بيان علةِ تحريمِ ربا الفضل قياساً على الأصناف الربوية.
وفي القسم الثاني من الكتاب الموضوع لمقاصد التشريع العامة بدأ الإمام الأكبر بتعريف المقاصد، وبيان الصفة الضابطة لها في المعاني الحقيقية والمعاني العرفية العامة. واشترط فيها الثبوت والظهور والانضباط والاطراد. فإذا توفرت الشروط حصل اليقين بأنها مقاصد شرعية، وإذا اختلطت المعاني وترددت بين الصلاح والفساد تعين الرجوع إلى نظر العلماء وولاة الأمر لتحديد المقصود منها ولا يعتد بما هو أوهام أو تخيلات في المعاني. فإن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة. ومن حق الفقيه أن يتعمق في التأمل من أجل إزالة ذلك الوهم والتوصل إلى المعنى الخفي الذي هو مناط التشريع. والأمور الوهمية وإن لم تصلح لأن تكون مقصداً شرعياً فهي صالحة لأن يُستبان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً وترهيباً.
وتوقف الإمام طويلاً عند وصف الفطرة وذكر ما قالها المفسرون فيها، وفي أقسامها، وأورد في ذلك مقالة ابن سينا نقلاً عن كتاب النجاة. وفي وجوه الحث عليها والجري على مقتضاها يقول: إن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على إعمالها وإحياء ما اندرس منها، وأن المقصد العام من التشريع يتعين أن يكون مسايراً لها، سالماً من خرقها أو اختلالها، وأن الوصف المترتب عليها وهو أكبر مقاصدها هو السماحة. وهي سهولة المعاملة في اعتدال، وتظهر سهولتها المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه، ومن ثم كان من الفطرة النفور من الشدة والإعنات.
والمقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ذلك أن مقصد الشريعة أساساً وبالذات هو الإصلاح وإزالة الفساد. وقد جعل الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده وبصلاح مجموعه. فبدأ بإصلاح الاعتقاد ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنة، وتصفية الباطن تُحرِّك دون شك الإنسانَ إلى الأعمال الصالحة.
وللارتباط الجذري بين المقصد والمصلحة عرف الإمام المصلحة بكونها الوصف الذي يحصل به الصلاح أي النفع دائماً أو غالباً للجمهور وللآحاد. وذكر في هذا المقام تعريفات أخرى لها وللمفسدة، نقلها عن الإيجي والشاطبي. ثم قسم المصلحة باعتبار العموم والخصوص، وباعتبار الظهور والخفاء. وتميز عن الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي بذكر ضوابط المصلحة. وهي خمسة أمور:
كون النفع والضر محققين، غالبين، واضحين لا يمكن الاجتزاء عنهما بغيرهما، وكون أحدهما في حال المساواة بضده يعضده مرجح من جنسه، وكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً.
وتعرف مصالح الدنيا ومفاسدها وأسبابها، كما قال العز بن عبد السلام، بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات.
وأكد بعد ذلك على أن تشريع جلبِ المصالح ليس فيه تحصيلُ مفسدة كما أن تشريع درءِ المفاسد ليسَ فيه إضاعةُ مصلحة. وختم البحث بذكر أن المنهيات كلَّها مشتملة على مفاسد.
أما طلب الشريعة للمصالح فقد جعله قسمين: الأول: ما ليس
من شأن الشارع أن يطلبه لداعي الجبلة فيه ولكنها إلى ذلك تزيل عنه موانع حصوله، والثاني: ما لا تتحقق به المصلحة إلا أن يقوم بها الجميع كحفظ النفس الواجب على الأعيان، وكالواجب على الكفاية على الفرد أو على الجماعة مثل إنقاذ الغريق وإطفاء النار الملتهمة للبيت. ووقع البحث مع ذلك في جزئيات أخرى كثيرة تدخل في إطار هذا الموضوع منها أن للإنسان أن يتصرف في الحقوق الثابتة له، ولا تعلق لها بغيره بالإسقاط إن شاء، ومنها أنه ليس لأحد إسقاط شيء من مصالح القسم الثاني لأن المصلحة فيه حق ثابت له مع حق غيره. وإذا تعارضت المصالح ترجحت في التقديم العظمى. فتقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، ودرء أرجح المفسدتين كذلك. فإن حصل التساوي من جميع الوجوه بين المصالح والمفاسد كان الحكم في هذه الحالة التخيير. والشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة، فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع.
ويمكن أن نضيف إلى هذا ذكرَ أنواع المصلحة المقصودة من التشريع. والعالِم المتمكن ذو الملكة في علم المقاصد يمكنه التعرف بيسر على مقصود الشارع. فمن ذلك اعتبار مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم، وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك.
وكذلك بيان أمثلة ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعاً والمفاسد المحذورة. ويتنبه إلى أن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه لا يلزم شرعاً أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة.
فالمصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
وهي باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها تتنوع إلى كلية وجزئية.
وباعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو الأفراد تختلف بين أن تكون قطعية أو ظنية أو وهمية، كما تتنوع بين خالصة محضة ومشوبة.
وبدأ بالكليات الخمس فذكر حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب وخالف القرافي والطوفي في اعتبارهما حفظ العرض ملحقاً بتلك الكليات. وبعد حديثه المفصل عن الكليات تعرض لقسمي الحاجي والتحسيني. وقال عن الأول: هو ما تحتاجه الأمة لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، ولولا مرعاة ذلك لما فسد النظام، ولكنه يكون على حالة غير منتظمة، وهو لا يبلغ مبلغ الضروري. وبعد إيراد أمثلة كثيرة لهذا النوع أفرد التحسيني بالبيان، وعرّفه بأنه ما يكون به كمال حال الأمة في نظامها حتى تكون مرغوباً في الاندماج فيها وفي التقرُّب منها، وهي ما تُراعَى به المدارك الراقية البشرية.
وينتقل المؤلف من الحديث عن التكاليف الشرعية الراجعة إلى جهة مقاصدها في الخلق إلى قضية جدّ هامة هي من عيون المسائل التي كان له موقف مميّز فيها، وهي قضية المصلحة المرسلة. فعرفها بأنها المصلحة التي أرسلتها الشريعة فلم تُنِط بها حكماً معيناً ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. وقد ذكر لها أمثلة كثيرة منها جمع القرآن وإحداث الدواوين، ووضع فقهاء الإسلام لجملة من الإجراءات في أساليب المرافعات ونحوها. ولما لها من الاعتبار ولحاجة الناس إليها في كثير من حوادث الزمان أثبت
مالك حجيّتها. ووجه ذلك: إننا إذا كنا نقول بحجية القياس وهو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع بجزئي آخر ثابت حكمه في الشريعة للماثلة، فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وبعد تقرير هذه الحقيقة وركون الإمام الأكبر إلى قياس الأجناس المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن التشريع يبدي فرط عجبه من موقف إمام الحرمين من الاستدلال، وموقف الغزالي المتردد فيه بين طرف الوفاق على اعتباره، وطرف التردد في مقدار المصلحة الذي أخذ به الجويني. وبعد بيان موقفه المساند لموقف إمامه واستغرابه من موقفي صاحب البرهان وصاحب كتاب المستصفى يعلن أن أدلة اعتبار أجناس المصالح حاصل من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها، ولأن هذه الأوصاف واضحة وضوحاً متفاوتاً غير محتاجة إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه، ولا يقتصر في بيان أنواع المصالح على ذلك، فيلحق بما قدمه اختلافَها بين أن تكون من مصالح الشارع أو من مصالح الناس، وبين ما يكون منها حاصلاً من الأفعال بالقصد أو حاصلاً منها بالمآل.
ويستأنف الحديث عن أوصاف الشريعة وينعتها بالعموم موضحاً ذلك بقوله: إن أحكام الشريعة ميسرة لانتشارها وقيامها على التماثل في إجراء الأحكام والقوانين، ولكونها مبنية على اعتبار الحكم والعلل، وهي من مدركات العقول. وأن مصدري التشريع قائمان على كليات كثيرة في الكتاب، وعلى المجملات مما أراد الشارع بقاءه على إطلاقه وإجماله، وعلى قواعد عامة مما اشتملت عليه السُّنة.
وربما عقّب هذا البيان بذكر قواعد يتعين الانتباه إليها مثل أن قضايا الأعيان وأخبار الآحاد إذا خالفت القواعد أو الكليات، أو خالفت القياس أو عملَ أهل المدينة تصبح مختلفاً في حجيّتها على مذاهب معروفة في أصول الفقه. وأن علة الصلوحية للعمل بالشريعة أن لا يكون في اتباعها والالتزام بها هلاك أو عنت. وأن من مقاصد الشريعة تجنُّب التفريع في وقت التشريع.
ويذكر من مقاصد الشريعة المساواة، ويعتبرها أصلاً في التشريع. والمساواة في التشريع للأمة ناظرة إلى تساوي أفرادها في الخلقة وفروعها. فالناس سواء في البشرية وفي حقوق الحياة، وهم متساوون في أصول التشريع كحفظ النفس وحفظ النسب وحفظ المال، وحقّ القرار في الأرض لمن نشأ فيها أو استوطنها، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة، ويكون التساوي بين الناس في الضروري والحاجي. وإلى جانب ذلك لا بد من الانتباه إلى عوارض المساواة وهي الموانع بأنواعها الجبلية والشرعية والاجتماعية والسياسية التي تحول دونها. وإنما يكون لتلك العوارض آثارُها في تقرير المساواة إذا كان في إلغاء حكم المساواة ظهورُ مصلحة راجحة أو اقتضى إجراء المساواة ظهورَ مفسدة.
وهو بعد ذلك ينفي عن الشريعة اشتمال أحكامها على النكاية، كما يلحق بهذه الأوصاف مقاصد تشريعية كاختلاف أحكامها من تغيير وتقرير، ونوط تلك الأحكام بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال، ومن مقاصد الشريعة الحرية، فإن الشريعة متشوفة إلى الحرية. وتثبت الحرية في أصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم وفي النهي عن تحريم المباحات. ويقابل ذلك ما للشريعة من حقوق على أتباعِها
بتقييد حرياتهم. ومن تجاوز منهم حدود حريته أوقف عند الحد الشرعي بضمان التفريط أو العقوبة.
وقد حاطت الشريعة حرية العمل بسد ذرائع خرمِ تلك الحرية كمنع وكالة الاضطرار، ومنع الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمساقاة ونحوها.
وعقِب هذا ذكر الإمام جملة من المقاصد لا يجوز إغفالها ولا إهمالها. فهو بعد ذكره مقصد الشريعة من نظام الأمة بجعلها قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال يذكر بأن صلاح الأفراد مقصود للشارع بلا شك، ولكن صلاح أحوال المجموعة وانتظام أمر الجماعة أسمى وأعظم، وبأن تشريع الرخص في الأحوال العامة له اعتباره. والرخصة في تغيُّر الفعل من صعوبة إلى سهولة لعذر عرض لفاعله، أو ضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابلَ المضرة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على مفسدة.
ومن الضرورات المقتضية للترخيص ضرورات عامة كما في السَّلَم والمغارسة والمساقاة.
وضرورات خاصة مؤقتة، تكون في حالة الاضطرار.
وضرورات عامة مؤقتة تقتضي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة وإبقاء قوتها ونحوه. وقد ألح الإمام على اعتبار هذه الضرورة عند حلولها، فإنها كانت مغفولاً عنها، وهي تقتضي تغير الأحكام الشرعية كالكراء المؤبد في أرض الوقف، والحكر، وبيع الوفاء.
وقد دعت الإمام مثل هذه الأحوال والحاجات العارضة للأمة
إلى التفكير في طلب المعالجة الشرعية لها بالاجتهاد فيها اجتهاداً يضطلع به العلماء من أهل النظر السديد في فقه الشريعة، العارفين بمقاصدها، ممن لهم خبرة بمواضع حاجة الأمة ومقدرة على حل مشاكلها حلاً شرعياً، ونادى بتكوين مجمع تَصدُر الفتوى فيه عن وفاق، تعلم أقطار الإسلام بمقرراته، ويتعين على الأمة العمل بها.
وبالفراغ من القسم الثاني المتعلق ببحث المقاصد العامة وضع الإمام القسم الثالث من كتابه. وإنّ أبرز ما دعا إلى الاهتمام به في هذا القسم قضايا ثلاثة:
1 -
المعاملات المالية في الإسلام وما ترتبط به من مقاصد، وما يتعلق بها من حقائق التملك والتكسب ومقاصد التبرعات، وما يمكن أن يلحق بها من المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.
2 -
مقاصد أحكام العائلة.
3 -
مقاصد الشريعة ذات الصلة:
أ - بالنظر في أحكام القضاء والشهادة.
ب - بتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها.
ج - ببيان القصد من العقوبات.
وتمهيداً لدراسة هذه الموضوعات يعود المؤلف إلى التفريق بين المقاصد والوسائل. فالمقاصد هي المتحملة للمصالح، والمفاسد في أنفسها. والوسائل هي الأحكام التي شرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى، فهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل. والوسائل هي التي تترتب عليها المقاصد، وترتيب الوسائل يكون بترتيب المصالح والمفاسد. وهكذا يكون ترتيب الأحكام المنوطة بتصرفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة،
فتوجد متماثلة في الرتب في أقسام الحكم الشرعي، وإن كانت متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع وفي نظر الناس.
والوسائل في الدرجة الثانية من المقاصد فإذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.
ومعرفة المقاصد الشرعية الخاصة بأبواب المعاملات، والكيفيات المقصودة للشارع من أجل تحقيق مقاصد الناس النافعة، أو من أجل حفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة تدخل فيها كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس. ومقاصد الناس في تصرفاتهم هي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا، وهي نوعان: عليا ودنيا.
أ - ومقاصد التصرفات المالية يدل عليها مجيء الشريعة لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها. فلثروة الأمة في نظر الشريعة المكان السامي من الاعتبار والاهتمام، وللمال في نظر الشريعة حظ لا يُستهان به، وهو ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاء أو أنه غير لاقٍ من معاملتها إلا رفضاً، لأن الشريعة لم تنهَ الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، ولا تغبن أصحابَ الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن أنفقوها في مصارفها النافعة. وقد رأينا فيما تقدم أن حفظ الأموال معدود من كليات الشريعة الراجعة إلى القسم الضروري، وأن نظام الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كما أن معظم قواعد التشريع المالية متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآيلة إلى حفظ مال الأمة. والشريعة تضبط إدارة المال بأسلوب يحفظه موزعاً بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه.
ومال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضار، والكسب لا يعدّ ثروة إلا إذا صلح للانتفاع به مدداً طويلة.
وتتقوّم صفة المال بخمسة أمور، هي: قابليته للادخار، وكونه مرغوباً في تحصيله، وقابلاً للتداول، ومحدود المقدار، ومكتسباً.
ولثراء الأمة والأفراد طريقان، هما: التملك والتكسب. فالتملك أصل للإثراء البشري وهو اختصاص، يدأب المرء على تحصيله قوتاً ووقوداً ومسكناً وركوباً وسلاحاً وزينةً. وأسبابه في الشرع ثلاثة: الاختصاص، والتبادل في العوض، والانتقال من مالك إلى غيره.
والتكسب هو معالجة ما يسد الحاجة، وأصولهُ: الأرض، والعمل، ورأس المال.
والمعاملات المالية بعضها راجع إلى التملك كبيع دار للسكنى والأطعمة المأكولة، وبعضها راجع إلى التكسب كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون.
والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها.
ومن أهم أصول النظام في التعامل المالي وضع النقدين أعواضاً للتعامل.
فالتعامل بالنقدين أيسر من التعامل بالأعيان، والنقدان عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، يطلبان ولا يعرضان بخلاف بقية المتموّلات فإنها يلحقها العرض والطلب.
ومن الواجب إبطال الاحتكار في الطعام لقول عمر: "لا حكرة في سوقنا".
وعقود التبرعات تقوم على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. وهي تمثل مصلحة حاجية جليلة بها تحصل مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجم من مصالح المسلمين، ومما يقصد من التبرعات الإغناء وإقامة المصالح المهمة.
ومقاصد الشرع في التبرعات كثيرة: الأول: منها هو تكثيرها لما فيها من المصالح العامة والخاصة، والمقصد الثاني منها: أن تكون صادرة عن طيب نفس، والمقصد الثالث: التوسع في وسائل انعقاد التبرع حسب رغبة المتبرعين، والرابع: أن لا يكون التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن.
ومقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان أساسها إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة. فالعمل أحد أركان الثروة. ومن ثم لا يجوز أن توصد في وجوه الفريقين: العامل وصاحب المال، الطرقُ المثلى بوجه عادل. وتنعقد المعاملات على الأبدان بإجارة الأبدان، وبالمساقاة، والمغارسة، والمزارعة، والقراض، والجعل. وهذه العقود لا تخلو من غرر لعسر تقدير عمل التعاقد عليه، وعسر معرفة ما ينجر إلى العامل من الربح، وعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال من إنتاج وعدمه.
ومقصد الشريعة في هذه المعاملات الحياطة لجانب العملة، كي لا يذهب عملهم باطلاً أو مغبوناً. وقد التفت علماء الشريعة إلى ما ينبغي أن يوفر للعملة من حقوق، فجعلوها بالاستقراء ثمانية:
1 -
تكثير المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.
2 -
الترخيص في اشتمال عقود هذه الأعمال على الغرر المتعارف في أمثالها.
3 -
التحرز عما يثقل على العامل في هذه العقود.
4 -
العقود على عمل الأبدان يتم انعقادها بمجرد القول، ولكن ذلك يترتب على الشروع في العمل عند المالكية، في غير المساقاة، وهو في الجعل والقراض باتفاق، وفي المغارسة والمزارعة على الراجح.
5 -
إجازة تنفيل العملة بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل في ذلك.
6 -
التعجل بإعطاء عوض عمل العامل دون تأخير ولا نظرة ولا تأجيل.
7 -
إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل، فلا يلزمه إتمامه بنفسه.
8 -
الابتعاد عن كل شرط أو عقد فيه شبهة استعباد العامل.
ومما تحدث عنه الإمام الأكبر نوع من الشراكة في المزارعة تسمى بتونس شركة الخماس. ذكر صورتها وأحكامها وعقب على ذلك بكونها شركة منافية لمقاصد الشريعة لا محالة، وإن كانوا يزعمون أن الضرورة دعت إليها.
ب - وفي أحكام الأسرة ومقاصدها يوزع صاحب المقاصد الأصول التشريعية في العائلة على ثلاثة أواصر فيجعل منها أحكاماً خاصة بآصرة النكاح، وأخرى خاصة بأحكام آصرة القرابة، وثالثة دعاها بأحكام آصرة الصهر أو المصاهرة، ثم ذكر ما تنقض به كل هذه الأواصر لما يعرض لها أو يصيبها من انحلال.
فآصرة النكاح ليست مقصورة على داعية اقتراب الذكر من
الأنثى في الجنس الإنساني. وإنما هي جذم نظام العائلة ينبني عليه اختصاص الرجل بالمرأة، والوثوق من انتساب نسلها إليه، وتتضاعف بها أسباب حصانة المرأة، ويضفي عليها عقد الزواج تشريفاً وتنويهاً في نظر الشرع ونظر الناس، يشهد له قول الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (1). وفي هذا ما يفاد اقتران الرجل بالمرأة المحرمة مثل نكاح الاستبضاع، ونكاح الرهط دون العشرة، ونكاح البغايا، وما يقوم منه على السفاح أو المخادنة أو الضماد، أو الزواج من المحَرّمات.
ويتميز النكاح الشرعي بالحرص على تحقق رضا المرأة وأهلها، وتحقيق حُسن قصد الرجل من إخلاص المحبة ودوام المعاشرة. ويجب فيه المهر، وأن لا يكون العقد مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل. واشترطوا الولي، وقصر أبو حنيفة هذا على الصغير ومن في حكمه، ودعوا إلى الشهرة في النكاح لأن الإسرار به يقربه من الزنا، وحرم نكاح الشغار لخلوه من المهر، ووجب إنفاق الرجل على زوجه، وإن كانت غنية، وجعل الزوجية سبباً للتوارث، واعتُبِرَ الإخلال بحُسن المعاشرة، وبالقوامة مفضيين إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق عند ثبوت الضرر.
وأما آصرة النسب والقرابة فتبدأ بنسبة البنوة والأبوّة من نسب مقطوع به. وأبرز مسائلها المحرمية والنفقة وإبداء الزينة.
والمحرمية ثلاثة أنواع: فقد قررت الشريعة المحرمية بالنسب فحرمت الأصول والفروع وصنوانَهم في النكاح، صوناً لهم مما
(1) سورة الروم، الآية:21.
يقتضيه الوطء من إذلال وإهانة لا يساير ما تقتضيه القرابة من وقار واحتشام، وحرمت الأخوة والأخوات قصد إيجاد معنى الوقار بينهما، وحرمت بالصهر أم الزوجة والربيبة إلحاقاً لها بالنسب، وحرمت الجمع بين الأختين لما قد يفضي إليه هذا الجمع في النكاح من الشقاق القاطع للرحم، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لنفس السبب، وألحقت بهذه المحرمات محرمات الرضاع اللاتي نزلها الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة المحرمات بالنسب.
ويشمل التحريم أحوالاً أخرى كالملاعنة لتعذر حُسن المعاشرة بعدها، واختلاف الدين بين المسلم وتابعات الأديان غير السماوية، والمطلقة ثلاثاً لما قضى به الله، وتعدد الأزواج للمرأة الواحدة، والاقتصار على الأربعة من النساء للرجل. وذلك تقديراً لما في هذه المحرمات من أسباب اقتضى التشريع الإسلامي اعتبارها ومراعاتها.
ولتقوية آصرة القرابة وردت أحكام النفقة على الآباء والأبناء وعلى الأجداد والأحفاد في بعض المذاهب، وشرع الميراث باتفاق بسببها على الجملة. وحفت بهذه الآصرة آداب وواجبات كالأمر ببر الوالدين، والاعتداد بصلة الأقارب وذوي الأرحام، والترخيص للمرء أدْ يطعم في بيته أقاربُه دون دعوة ولا إذن.
ونهت الشريعة النساء عن إبداء زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو بناتهن أو أبناء بعولتهن، وكذلك لأخواتهن وبني إخوانهن وبني أخواتهت، وأثبتت لآصرة النسب حقوق الميراث.
وتنشأ آصرة الصهر من آصرتي النكاح والنسب. وتثبت هذه الآصرة للربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة كما تكون
بنكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب. وجعلت للمصاهرة درجتان: قريبة وبعيدة. أما الأولى فهي الزوجة وابنتها فهما محرمتان على الزوج، وأبو الزوج وابنته منهما محرمان على الزوج، وكذلك حرمت زوجة الابن على الأب وزوجة الأب على الابن، والثانية، وهي المصاهرة البعيدة على مراتب، منها ما يحرم كالجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ومنها ما لا يحرم لضعف آصرته.
وفي ختام العرض للأواصر الثلاثة ذكر صور انخرامها ببيان طرق تعطيلها أو إبطالها.
فانحلال آصرة النكاح يكون بالطلاق من الزوج، أو بطلاق الحاكم أو بالفسخ، وذلك عند تعسر استقامة المعاشرة وما يترتب على ذلك من ارتباكات تحل بالزوجين أو بالأسرة كلها.
وإنما جعل الطلاق بيد الرجل لأنه في غالب الأحيان الأحرص على استبقاء الزوج، والأنفذ نظراً في مصلحة العائلة.
وأعطيت المرأة حق الخُلع بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل لها ضرر وتكون به المفارقة.
وفي بعض الأحوال تشترط المرأة أن يكون الطلاق بيدها، أو طلاق أمر الداخلة عليها بيدها، أو يكون أمرها بيدها إن أضر بها الزوج. واختلف في الشروط اللاحقة بعقدة النكاح. وقال مالك: الشرط إذا انعقد عليه النكاح يكون شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم.
أما انحلال آصرة النسب فإنها مبنية على انكشاف بطلان ما كان يظن أنه نسب، لأن النسب الثابت لا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.
ويكون إثبات النسب الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمة فيه.
أما في آصرة الصهر فانحلالها تابع لانحلال آصرة أصل منشئه. ويكون الانحلال فيها تاماً في مثل أخت المرأة وعمتها وخالتها إذا انفكت عصبة المرأة بموت أو طلاق، ومنها لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.
افتتح الشيخ ابن عاشور حديثه عن الحقوق بفصول تتعلق بهذا الغرض فذكر مقصد الشريعة من تعيين أنواع الحقوق لمستحقيها. وصرّح بأن الشريعة لم تترك هذا الأمر للصدفة أو للقوة والقهر، ولكنها نصت في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض المستحقات على انتهاج طريق فطري عادل يضمن الاقتناع ويحقق العدل. وجماع أصول تعيين الحقوق التكوين أو الترجيح. فأما التكوين فهو يرجع إلى كون أصل الخلقة قد أوجد الحق وكوّن صاحبه، وقرن بينهما، وأما الترجيح فبإظهار الأولية في إثبات الحق لأحد الطرفين، ويكون هذا بحجة العقل أو بالحجة المقبولة بين الناس، أو بجملة من المرجحات الاصطلاحية. وبالاستقراء توصل الإمام إلى جعل الحقوق متنوعة إلى تسع مراتب. وقد تقدم تفصيل ذلك في محله.
إن في تعيين المستحقين ما يعين القضاء، عند الفصل بين الخصوم، على إيصال الحق إلى صاحبه. ومن مقاصد الشريعة اشتمال نظام هيأة القضاء في الجملة على ما فيه إعانة على إظهار الحق وقمع الباطل. والقاضي هو أهم أركان القضاء. وهو الذي يتولى إبلاغ الحقوق إلى طالبيها. ولا يكون ذلك إلا مع أصالة الرأي
والعلم والسلامة من نفوذ الغير عليه في قضائه، والعدالة.
وإذا كانت الحقوق في هذا العالم معرضة للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة أو معرضة لسوء الفهم وللجهل والتناسي، فإن في إقامة ولاة لأمور الأمة، وإقامة سلطة تعينهم على التنفيذ ما يكون به نشر العدل وحفظ الحقوق. ورجح العلماء، نفياً للحرج واطمئناناً للمتقاضين، أن يتولى القاضي التصريح بمستنده في الحكم.
واختلفوا فيمن يولَّى هذا المنصب الجليل. قال ابن القاسم: لا يستقضى من ليس بفقيه. وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحب حديث لا فقه معه ولا صاحب فقه لا حديث معه. وقال ابن عبد البر: لا يولّى القضاء إلا من كان موثوقاً في دينه وعلمه وفهمه. فالقضاء أمانة، ومن شرطه القدرة على فهم مدركات المسائل وعللها.
وإلى جانب هذا قواعد وآداب أخرى كثيرة تلزم القاضي والشهود وغيرَهم. فمن ذلك أنه ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غير الأخذ بالأصلح من مجموع أقوال العلماء. وأن في تطوير الإجراءات في مجال القضاء بحسب ما تدعو إليه الحاجة ما حمل الفقهاء على إضافة جملة من الضوابط والشروط في أحكام المرافعات ما كان السلف يرعونها.
وعلى القضاة أن يسعوا إلى فصل القضايا في آجال محدودة نسبياً. فالإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعيينه يثير مفاسد كثيرة، كما أن الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده ليس محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً يمنع أن تعود المنازعة.
والمنوط بهم تنفيذ أحكام الشريعة، في خصوص إيصال
الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتفريعاً، هم القضاة وأهل الشورى وأعوانهم وما تتألف منه طرق أقضيتهم من بيّنات ورسوم. وقول عمر بن الخطاب في هذا هو الفصل: فاقض إذا فهمت وأنفذ إذا قضيت.
أما العقوبات فإن التحقق من إقامتها على الجناة على قواعد معلومة يؤيس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شهواتهم بارتكاب الجنايات. والزواجر والعقوبات والحدود لم تشرع إلا من أجل إصلاح حال الناس. وأكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة والتوصل بالعقاب إلى تأديب الجاني وإرضاء المجني عليه وزجر المعتدي.
ونحن بعد أن استعرضنا أكثر ما ورد بكتاب مقاصد الشريعة من الموضوعات تاركين ما اختصرناه من ذلك إلى همة الدَارس والمُطالع للكتاب مثل قضية الذرائع والتحيل والوازع بأنواعه وصور تحكيمه نؤكد على جملة مما ورد من مسائل في التمهيد وفي الأقسام الثلاثة من الكتاب، مبدين بذلك كمال التنسيق بين أغراضه، وحُسن الترتيب لموضوعاته، ومشيرين إلى ظواهر مميزة لطريق الإمام الأكبر في معالجته لمسائله.
وهي أولاً كثرة الأمثلة والفروع التي خصصناها بجدول جامع تقديراً لأهميتها ولربطه فيها بين الأحكام والأدلة والمقاصد. وثانياً ما أظهره من عناية بالقواعد والمقاصد.
وقضية المقاصد عرضت لنا في موضعين الأول عند ذكر المؤلف سبقها في الوجود لحكم أصول الفقه، وبيانه مدى استعانة الفقهاء بها، والخلوص منها إلى الأحكام. وذلك قوله: تُمَكّن
القواعد العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، كما تمكن تلك القواعد المتضلع فيها من تأييد فروع انتزعها الفقهاء بواسطة تلك القواعد مقبولة في نفوس المزاولين لها من مقلدي المذاهب.
وتولى بعد هذا بيان موضوعاتها بقوله: وقصارى ذلك أنها تؤول إلى محامل ألفاظ الشارع في انفرادها واجتماعها وافتراقها حتى يقربَ فهم المتضلع فيها من أفهام أصحاب اللسان العربى القح كمسائل مقتضيات الألفاظ وفروقها من عموم وإطلاق، ونص، وظهور وحقيقة واطراد، وكمسائل تعارض الأدلة الشرعية من تخصيص وتعيين وتأويل وجمع وترجيح. وقد قصروا مباحثها على ألفاظ الشريعة، على المعاني التي أنبأت عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية. وقد نفى المؤلف في غضون هذه المقالة بيان الحكمة أو القصد. وذلك قوله: فهي في تصاريف مباحثها بمعزل عن بيان حكمة الشريعة وعن مقاصدها العامة والخاصة في أحكامها.
وقد ضمّ العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى المقاصد إلى القواعد، كما أنه لم يتعرض إلى القواعد الفقهية خاصة. فهي عنده لم تبلغ العشرين. وقد جعل منها: قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة تعذر العدالة في الولايات، وقاعدة الحقوق الخالصة والمركبة، وقاعدة حقائق التصرفات، وقاعدة ما يوجب الضمان والقصاص، وقاعدة اختلاف التصرفات لاختلاف المصالح. وهو فيما يبدو قد جعل كتابه قائماً على بيان القواعد المتعلقة بالمصالح والمفاسد وما يتصل بها، متوسعاً في ذلك، معلناً عنه في مقدمة كتابه القواعد. وهو بذلك مخالف لما سار عليه الدبوسي في
تأسيس النظر، والقرافي في الفروق، والزركشي في المنثور، والمقري في قواعده بقوله: الغرض من وضع هذا الكتاب بيانُ مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، ليسعى العبادُ في كسبها، وبيان مقاصد المخالفات، ليسعى العبادُ في درئها، وبيانُ مصالح المباحات، ليكونَ العبادُ على خِيَرَةِ منها، وبيانُ ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد عن بعض، مما يدخل تحت أكساب العباد، دون ما لا قُدرةَ لهم عليه، ولا سبيل لهم إليه (1).
ولحاجة صاحب مقاصد الشريعة إلى ذكر القواعد بحسب ما تقتضيه طبيعة عمله لم يقتصر في كتاب المقاصد على إدراج القواعد الفقهية أو الأصولية لديه بل تجاوز ذلك كما فعل العز بن عبد السلام، إلى الغرض العام منها معتمداً على ما ذهب ليه التهانوي في تعريفه له بقوله: القواعد ترادف الأصل والقانون والمسألة والضابط والمقصد. ويتضح ذلك مما جمعناه منها وإن تباينت صيغه.
* * * * *
(1) القواعد الكبرى: 14