الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم أصول الفقه:
يختلف علم أصول الفقه عن الفقه بما نرى من تفارُقٍ بينهما في التعريف والموضوع والاستمداد والغاية أو الثمرة. فهو مجموعة القواعد والطرق التي يُتوصَّلُ بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
ويطلق أصول الفقه على العلم المدوّن، المخصوص المتميّز بموضوع خاص ومحمولات خاصة (1).
وقد نوّه الإسنوي بعلم أصول الفقه قائلاً: إن أصول الفقه علم عظُم نفعُه وقدْره، وعلا شرفهُ وفخرهُ، إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومثار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشاً ومعاداً، ثم إنّه العمدة في الاجتهاد. وأهمُّ ما يتوقّف عليه من المراد، كما نصّ عليه العلماء، ووصفَه به الأئمة الفضلاء (2).
فأصول الفقه في الاصطلاح هو على التفصيل: العلم بالقواعد التي يُتوَصَّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق. والقواعد هي القضايا الكلية، والأدلة المبحوثُ عنها فيه راجعةٌ إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس. والاستدلال بالأدلة على الأحكام، وبيان طرقه وشروطه مما يتوصّل به إلى استنباط الأحكام من مصادرها. والقائم على ذلك إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلّة. وقال الإمام: إن علم أصول الفقه يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها (3).
(1) الإسنوي: نهاية السول: 1/ 5 تع 2.
(2)
التمهيد: 39.
(3)
التحرير والتنوير: 1/ 26.
وقد أضاف إلى تعريف الفقه وأصوله: أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكَّن العارف بها من انتزاع الفروع منها أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ. ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتُقاس فروع كثيرة على مورد اللفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة (1).
وقصر علماء الأصول مباحثهم على ألفاظ الشريعة، وعلى المعاني التي أنبأت الألفاظ عنها، وهي علل الأحكام القياسية. وإلى جانب هذه المصطلحات، التي تعيد إلى المخالط لها ما كان بذهنه من الموضوعات الأصولية، يذكّر المؤلف بموردين هما الغاية من النظر في علم أصول الفقه: إما لاكتشاف بعض أسرار مسالك العلة، وإما للوقوف في أصول الفقه على مسائل لها تعلُّق بالمقاصد كعلل الأحكام القياسية (2).
وموضوع أصول الفقه: الأدلة ومتعلّقاتها. ومنها الاستصحاب والاستحسان، والأحكام وما يتعلق بها كالحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به. ولا بأس هنا أن نشير إلى ما وقع بين العلماء من اختلاف في المنهج والأسلوب المعتمَدَين في أصول الفقه. وقد لخّصها أصحاب هذا العلم في طرق ثلاث:
الأولى: الطريقة التنظيرية، وهي طريقة المتكلّمين. وبها أخذت الشافعية والمالكية.
(1) المقاصد: 8 - 9.
(2)
المقاصد: 10 - 13.
الثانية: الطريقة العملية، وهي التي تعتمد الفروع في التطبيق. وأكثر ما بدا هذا عند الحنفية.
والثالثة: هي الطريقة الجامعة بين المنهجين السابقين (1).
وقد عُنِيَ بهذا العلم متكلَّمون كالغزالي يرون فيما قدموه محاولةً عقلية بحتة تقوم على الاستدلال العقلي والبراهين النظرية في منهجهم. وكان اتجاه الشافعي، ومن نهج نهجه في الأصول، اتجاهَ العقل العلمي الذي لا يُعنَى بالجزئيات والفروع. فكان تفكيره تفكيرَ من ليس يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع، بل يُعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول يجمعها. وذلك هو النظر الفلسفي (2). ولهذا قالوا في التعريف بهذا المنهج: إنه يقوم على تحقيق المسائل الأصولية تحقيقاً منطقياً، ويَعتمد في الحسم بين الآراء المختلفة على الاستدلال العقلي. ويتميّز هذا المذهب في الغالب بمجانبة التحيّز والتعصّب والتعقيد في الجدل. وقد حاول أصحابه التوصل إلى ضبط جملة من القواعد الأصولية يثبتونها، وإن خالفت الأصولَ التي دوّنها أئمتهم، كالقول بحجية الإجماع السكوتي. واشترك في الأخذ بهذا المذهب علماء الشافعية والمالكية والمتكلمون. ولم تقتصر أنظارهم على بحث قواعد استنباط الأحكام الفقهية بل تجاوزوها. فتكلموا عن عصمة الأنبياء قبل النبوّة، وعن التحسين والتقبيح العقليين، وعن بعض المباحث المنطقية والفلسفية (3).
وأما الأصوليون من الحنفية فقد تميّزوا بتقرير القواعد الأصولية
(1) د/ محمد سلام مدكور. مناهج الاجتهاد: 66 - 90.
(2)
المرجع السابق: 66.
(3)
د/ بدران أبو العينين. أصول الفقه الإسلامي: 10.