الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجموعة الأولى: عقود التمليك:
المِلْك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو (1). وقال ابن الهمام: الملك هو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرّف (2). وقال ابن تيمية: الملك هو القدرة على التصرّف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسيّة (3). وعرّفه صدر الشريعة بقوله: هو اتصال بين الإنسان وبين الشيء يكون مطلقاً للتصّرف فيه وحاجزاً عن تصرّف الغير (4).
وعقود التمليك هي التي تنقل الملك أو تنشئ الحِلّ.
وهي تتنوع أولاً: باعتبار محل الملك الحاصل بها إلى خمسة أنواع:
• الأول الملك التام والمطلق وهو ملك العين والمنفعة. قال ابن عابدين: هو المملوك رقبة ويداً (5)، وهو قول الحنابلة (6)، والشافعية (7)، والمالكية (8). وترد على الأعيان المملوكة بالأسباب التي اقتضتها كالبيع والهبة والصدقة والوصية.
ويقابله الملك الناقص أو الضعيف على حد تعبير الزركشي في قواعده. وضبطه ابن الرفعة بما يقدر الغيرُ على إبطاله قبل استقراره. ولا يكون لصاحبه فيه كمال التصرّف.
• الثاني ملك عين بلا منفعة. وصورته عند الحنابلة الوصية لواحد بالمنافع، ولآخر بالرقبة، أو بشرط أن تكون الرقبة للورثة.
(1) القرافي. الفروق: 2/ 208.
(2)
فتح القدير: 5/ 74.
(3)
الفتاوى: 29/ 178.
(4)
شرح الوقاية في مسائل الهداية: 2/ 196.
(5)
حاشية ابن عابدين: 2/ 263.
(6)
كشاف القناع: 1/ 426 - 427.
(7)
حاشية الجمل: 2/ 288.
(8)
حاشية الدسوقي: 1/ 431.
• الثالث: ملك منفعة بلا عين. وهو ضربان:
أ - ملك مؤبّد: ومن صوره الوصية بالمنافع، والوقفُ عند من يرى أنه الحبس على المنفعة دون العين. ومثّلوا لهذا بالأراضي الخراجية تكون بيد من يديرها أو يستغلها. فهو يملك منافعها على التأبيد.
ب - ملك غير مؤبّد: ومنه الإجارة، ومنافع البيع المستثناة في العقد لمدة معلومة عند من يرى أن الملك الثابت بها هو ملك منفعة لا ملك انتفاع. ذكر ذلك المالكية (1)، والحنفية (2)، وكذا الحنابلة (3).
• الرابع ملك الانتفاع: وله صور كثيرة منها ملك المستعير عند الشافعي (4) وهو ما اعتمده الحنابلة، ومنها المنتفع بملك جاره بما اكتسبه من حقوق الارتفاق.
وقد فرق جمهور الفقهاء من الحنابلة والشافعية والمالكية بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فقالوا: إن مَن مَلَك المنفعة مَلَك الانتفاع والمعاوضة، ومَن مَلَك الانتفاع لم يملك المعاوضة (5).
• الخامس ملك الدين. هو أن يكون لشخص في ذمَّة آخر مبلغٌ من المال وجب بسبب من الأسباب الشرعية. فهو كثمن الشيء المشترى، وبدل القرض المقترَض. ولا يسمّى ديناً إلا إذا كان المبلغ التزاماً في الذمة.
ثانياً: تتنوع الملكية باعتبار أصحابها إلى ملكية خاصة وملكية
(1) الدردير. الشرح الصغير: 3/ 470.
(2)
حاشية ابن عابدين: 2/ 263.
(3)
الإنصاف: 6/ 101.
(4)
مغني المحتاج: 2/ 368.
(5)
الكاساني. بدائع الصنائع: 7/ 3؛ القرافي. الفروق: 1/ 193؛ ابن رجب. القواعد: 195؛ السيوطي. الأشباه والنظائر: 326.
عامة، وباعتبار وضع الملك إلى ملكية متميّزة وملكية شائعة. ومحل الملك المال (1).
ثالثاً: تتنوع عقود التمليك أيضاً من حيث وجود العوض في مقابلة ما وقع عليه التمليك من عين أو منفعة، أو من حيث عدم وجوده، إلى ثلاثة أضرب:
(1)
عقود معاوضة: وهي التي تقع فيها المبادلة بين عوضين. وفي الاصطلاح: عبارة عن ضرب من التمليكات تقوم على أساس إنشاء حقوق واستخدامات متقابلة بين العاقدين. وهي أنواع: مبادلة مال بمال، ومبادلة مال بمنفعة، ومبادلة مال بغير مال ولا منفعة على اصطلاحهم. وتضاف إلى هذه الأنواع مبادلة المنفعة بالمنفعة، ومبادلة المنفعة بما ليس بمال ولا منفعة بالمعنى الاصطلاحي لديهم. وتشمل المعاوضةُ البيعَ بأنواعه من مطلق، ومقايضة، وصرف، وسَلَم، واستصناع، وصلح عن إقرار، وقسمة الأعيان، والتخارج، وحوالة الحق، والإجارة، والجعالة، والمساقاة، والزواج، والخلع ونحوها (2).
(2)
عقود تبرّع: تقوم في بدايتها ونهايتها على أساس المعونة والمساعدة والإحسان من أحد المتعاقدين للآخر، كالهبة، والإعارة، والصدقة، والوصية، والكفالة من غير طلب المدين.
(3)
عقود تبرّعات في الابتداء ومعاوضات في الانتهاء: وهذه كالقرض، وهبة الثواب، والكفالة بأمر المدين.
ولا خلاف في أن لمعظم هذه التصرّفات عقوداً يلزم لانعقادها الإيجاب والقبول، ولا تكفي فيها إرادة واحدة. وذهب بعض الفقهاء
(1) الكاساني. بدائع الصنائع: 7/ 352.
(2)
ابن عابدين. رد المحتار: 4/ 212؛ أحمد إبراهيم. الالتزمات: 48.
إلى مخالفة هذه القاعدة في الهبة والعارية والقرض والكفالة والرهن. وقالوا: إن العقود تتم بإرادة واحدة، وقيل: تتم بإرادتين على تفصيل في ذلك (1).
والأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (2) كما استدل لذلك القرافي في الفرق 196.
أما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل؛ فهي - كما قدمنا - الجعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف. وقد نظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد يخفّ إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّن له أنه لا يستطيع الوفاء بعمله. ومصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخّر اللزوم في هذه لمانع عارض خلافاً لظاهر كلام القرافي (3).
وتقدم القول في المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض. وعدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغيير الحكم أعم من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع (4).
ومن العقود ذات المقاصد المعتبرة المعاملاتُ المنعقدة على الأبدان. وهي إجارة الأبدان والمساقاة والمغارسة والقراض والجعل والمزارعة. وفي المغارسة لا بد من إحضار متمول قليل من طرف
(1) د/ محمد زكي عبد البر. التصرّفات المالية: 78 - 81.
(2)
سورة المائدة، الآية:1.
(3)
القرافي. الفروق: الفرق 209؛ المقاصد: 471 - 472.
(4)
المقاصد: 471.