الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يسمح لها بالجهد والنضال، كما أقنعت الرجل أنها في حاجة دائمة لعطفه وحنانه، طالبة منه تدليلها وإرضاءها دائمًا.
وفي عهد الملكة فكتوريا، كانت المرأة في أسعد حالاتها، وما يقال عكس ذلك كانت المرأة في هذا العهد تحترم الرجل ورجولته ومسئوليته تجاه منزله العائلي، واضطرت المرأة إلى الاعتراف بتفوق الرجل حتى لا تهينه أو تجرح كرامته.
كانت الحياة سعيدة عندما كان الرجل سيد البيت والمسئول الأول عن رفاهية الأسرة، أما اليوم فالمرأة تطالب بحريتها، وحصلت على حريتها وأصبحت مضطرة إلى العمل المضني ولتنافس الرجل في جميع الميادين وبذلك فقدت سعادتها المنزلية، وفقدت أنوثتها التي كانت تسحر الرجل في الماضي".
شهادة واضحة، من امرأة أديبة، مثقفة، عرفها كثيرون من خلال روايتها البوليسية تصف المرأة الحديثة بأنها مغفلة، فقدت أنوثتها وسعادتها المنزلية.
ماذا يعني هذا؟ ألا يعني من جهة مقابلة أن المرأة التي لزمت بيتها واحتفظت بأنوثتها وألقت بعبء العمل خارج المنزل على زوجها، امرأة عاقلة (1).
الوجه التاسع عشر: وكما قال الإسلام قالت التوراة والإنجيل
.
إن الديانة اليهودية والنصرانية ترى أن أهم عمل للمرأة هو رعاية البيت:
جاء في التوراة عن طبيعة عمل آدم وحواء في الدنيا كعقاب عن المعصية: وقال لآدم: لأنك أذعنت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي نهيتك عنها، فالأرض ملعونة بسببك بالمشقة تقتات منها طوال عمرك. . . يعرق جبينك وتكسب عيشك حتى تعود إلى الأرض، ومن تراب أخذت وإلى تراب تعود (التكوين 3: 17 - 19).
إذن كُتب على آدم الشقاء والكد والتعب والعمل حتى الموت، أما عن المرأة ثم قال للمرأة: أكثر تكثيرًا أوجاع مخاضك فتنجبين بالآلام أولادًا، وإلى زوجك يكون اشتياقك
(1) رسالة إلى حواء صـ 152: 150.
وهو يتسلط عليك" (التكوين 3: 16).
إذن مهمة المرأة الأساسية هي الزوجة أم الأولاد وسكن آدم، ويؤكد بولس هذه النظرية فيقول ناصحا كبار السنن من النساء بتدريب الشابات على حسن التبعل لأزواجهن وتربية أولادهن.
كذلك أن تكون العجائز ذوات سيرة موافقة للقداس، وغير نمامات ولا مدمنات للخمر، بل معلمات لما هو صالح لكي يدربن الشابات على أن يكن محبات لأزواجهن ولأولادهن متعقلات عفيفات مهتمات بشئون بيوتهن صالحات خاضعات لأزواجهن. . . " (تيطس 2: 3 - 5).
وعن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة تقول الموسوعة اليهودية: "في علم الأجناس البشرية في التوراة، كان السبب الأول في وجود الجنسين هو الحاجة للتكاثر، فالكائن البشري ولد من امرأة، وكانت العلاقة الزوجية أكثر ودًا وحميمة من تلك العلاقة بين الوالد والمولود، وكانت الوظيفة الرئيسية للمرأة هي حمل الأطفال، وكانت الزوجة الجيدة والأم الجيدة تتمتع بالمديح من زوجها وأولادها، وكان عدم إنجاب الأطفال سببًا في التوبيخ والمعاناة الشخصية".
ومن آراء كبار علماء المسيحية في ذلك يوحنا ذهبي الفم الذي يقول: ". . . إن للزوجة هدفا واحدًا فقط، أن تحرس الممتلكات التي جمعناها وأن تراقب الدخل، وأن تهتم بأهل المنزل، ولهذا السبب أعطاها لك اللَّه وبالإضافة لأمور أخرى معينة لك، إن حياتنا تدور في حيزين: شئون عامة، وأمور خاصة، وكلاهما مرتب من قبل اللَّه، فالمرأة متروك لها الإشراف على شئون المنزل، وأما الرجل فعليه الإشراف على كل شئون الدولة والتجارة، وتحقيق العدالة والحكم والشئون العسكرية وكل المهام الأخرى، فالمرأة لا تستطيع أن ترشق حربة، ولا أن تطلق سهمًا، ولكنها تستطيع أن تمسك بفلكة المغزل، وتنسج على النول، وتقوم بكل الأعباء المنزلية بصورة صحيحة، وهي لا تستطيع أن تعبر عن رأيها في مجتمع تشريعي، ولكن يمكن أن تعبر عن رأيها في البيت، وفي الأغلب فهي أكثر إلماما
بشئون المنزل من زوجها، وهي لا تستطيع أن تدبر شئون الدولة جيدًا، ولكنها تستطيع أن تربي الأطفال تربية صحيحة، والأطفال هم ثروتنا الرئيسية.
وهذه الأمور لا يمكن أن يؤديها بنجاح الزوج، ولو تولاها هو بنفسه حتى وإن بذل جهودًا مكثفة في ذلك".
إذن الديانة والنصرانية ترى أن مهمة المرأة الأولى وعملها الأساسي التي خلقت من أجله هو زوجة مستقرة بمنزل زوجها وما يتبع ذلك من مهام ومسئوليات وأعباء جسام، لا يستطيعها رجل، إلا أن اليهودية والمسيحية ترى أن هذا عقاب من اللَّه لها؛ لأنها أول من عصى أمر اللَّه وأكل الشجرة المحرمة ثم أغوت زوجها، فهي بداية كل خطأ ومنتهى كل خطيئة، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ:"تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلَادًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ". (التكوين 3: 16).
أما الإسلام فلم يوصم المرأة بذنب ارتكاب المعصية الأولى، ولكنه اعتبرها شريكة للرجل فيها:{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} (البقرة: 36)، {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} (الأعراف: 23).
إن التزام المرأة بالسكن في البيت وإدارته ليس نتيجة لعقابها من اللَّه أو امتهانها والحط من قيمتها، ولكنه في مفهوم الإسلام إعزاز وتكريم يتناسب مع طبيعتها والهدف من خلقها (1).
وهذا التعريف في حقيقة الأمر أول من يتلظى به ويتضرر هو النساء، وذلك لما فيه من الإغفال الكبير لأنواع المعاناة التي يقاسينها والوظائف الكبرى التي يقدمنها بالنظر إلى طبائعهن الفسيولوجية والبيولوجية والسيكولوجية، والمهام الاجتماعية الجبلية التي يتولينها، ثم بعد كل هذا لا تحسب لهن هذه الأعمال، ولا يعترف لهن بالفضل في القيام بها، فأين المساواة المدعاة والمزعومة؟ ! !
(1) رسالة إلى حواء المرأة في اليهودية والنصرانية والإسلام صـ 203، 194:193.
ولهذا فإن التعريف الصحيح للعمل ينبغي أن يرتكز على مدى ما يكون للشخص من الإنتاج الذي يعود عليه وعلى مجتمعه ومن حوله بالخير والنماء.
وإذا ما أردنا الإجابة على التساؤل السابق فإن ذلك يكون بالنظر في المحصلة النهائية للإيجابيات والسلبيات الناشئة عن عمل المرأة في المنزل أو في خارجه.
فإذا كانت الإيجابيات المحصلة جراء عمل المرأة خارج منزلها هي الغالبة فإنها تكون حينئذٍ امرأة عاملة منتجة غير عاطلة.
وأما إذا كانت السلبيات هي الغالبة فإنها تكون حينئذٍ امرأة موظفة، ولكنها عاطلة، أو في حكم العاطلة، لأن العمل لابد له من نتيجة إيجابية تنتفع بها المرأة وتنتفع أسرتها ومجتمعها، وإلا كان عدمه هو الأفضل.
وقل مثل ذلك في عمل المرأة في بيتها، فإن كانت منتجة من خلال إدراتها له وتصريفا لشئونه ومتابعتها لأهل البيت ورعايتهم، والعناية بهم، فذلك هو العمل والإنتاج.
وأما إن كانت تمضي شطر أوقاتها بالنوم والشطر الآخر بالخروج للأسواق وغيرها مما لا تستدعيه الحاجة لتضيع بذلك مسئولياتها وتكلها للخادمات والمربيات، فتلك العطالة والبطالة.
ويقول د. مصطفى السباعي: حين كنت في لندن عام 1956 سألني أحد الأساتذة الإنجليز: ما هو موقف الإسلام من الحضارة الغربية؟
فأجبته: نأخذ أحسن ما فيها، ونترك أسوأ ما فيها.
قال: إن هذا غير ممكن، فالحضارة لا تتجزأ، وسأضرب لك مثلًا: إننا في أوربا منذ بدأ عندنا عصر التصنيع بدأ تفكك الأسرة؛ لأن المرأة صارت تشتغل في المعامل، وهذا أمر لابد منه، ومن هنا تفككت الأسرة؟
فأجبته بأن تفكك الأسرة عندكم ليس راجعًا في رأيي إلى التصنيع، بل ناشئ من إخراج المرأة من بيتها، وأنتم الغربيين أخرجتموها لباعثين: الأول نفسي: وهو رغبتكم في أن تروا المرأة بجانبكم في دواوين الدولة، والثاني مادي أناني: وهو أنكم لا تريدون أن
تتحملوا نفقات المرأة من بنت أو زوجة أو أم، فأجبرتموها على العمل؛ لتعيل نفسها بنفسها، فاضطرت لمغادرة البيت، ومن هنا تفككت الأسرة عندكم.
قال: وأنتم ماذا تفعلون في مثل هذه المشكلة؟
قلت: إن نظام النفقات في الإسلام يجبر الأب على الإنفاق على بنته حتى تتزوج، فإذا تزوجت كانت نفقتها ونفقة أولادها على الزوج وحده، فإذا مات زوجها ولم يكن لها مال ولا ولد، فنفقتها على والدها وهكذا، إنها لا تجد نفسها في فترة من فترات حياتها في الغالب محتاجة إلى أن تدخل المعمل لتأكل وتعيش.
وهنا قال صاحبي متعجبًا: نحن الغربيين لا نستطيع أن نتحمل مثل هذه التضحيات! وأذكر أننا حين كنا على ظهر الباخرة من ميناء (دوفر) بإنجلترا إلى ميناء (أوستن) في بلجيكا في تلك الرحلة العلمية، التقينا بفتاة إيطالية تدرس الحقوق في جامعة (أكسفورد) وتحدثنا عن المرأة المسلمة، وكيف تعيش وما هي حقوقها في الإسلام، وكيف وفر الإسلام لها كل مظاهر الاحترام حين أعفاها من مؤنة العمل لتعيش، بل جعلها تتفرغ لأداء رسالتها كزوجة وأم وربة بيت، وبعد أن أفضنا في هذا الحديث وقارنا بين حال المرأة في الإسلام وبين حالها في الحضارة الغربية، قالت الفتاة بكل بساطة ووضوح: إنني أغبط المرأة المسلمة وأتمنى أن لو كنت مولودة في بلادكم؟ وهنا اغتنمت هذه الفرصة فقلت لها، هل ستحاولين أن تطلبي إلى المرأة الغربية العودة إلى البيت وأن يقوم الرجل بواجبه نحوها؟
قالت: هيهات! لقد فات الأوان! إن المرأة الغربية بعد أن اعتادت حرية الخروج من البيت وغشيان المجتمعات، يصعب عليها جدًّا أن تعتاد حياة البيت بعد هذا، ولو أني أعتقد في ذلك سعادة لا توازيها سعادة. (1)
* * *
(1) وقفات حول معاناة الأيدي العاملة الناعمة صـ 160: 158.