الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمثاله تخصيص العرض بالأولاد كما لا يخفى، وسمعت أن بعض قبائل أعراب العراق كآل عزة يأمرون جواريهم بالزنا للأولاد كفعل الجاهيلة، ولا يستغرب ذلك من الأعراب لا سيما في مثل هذه الأعصار التي عرا فيها كثير من رياض الأحكام الشرعية في كثير من الواضع أعصار، فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (1).
وقال الشوكاني: وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، هذا مقرر لا قبله ومؤكد له والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات (2)، فظهر بما سبق أن الآية لا تدل على الإباحة وإنما تدل على الحرمة صراحة لا ضمنا وعلى هذا أجمع علماء التفسير، وهذا هو الدليل الأول على تحريم البغاء في الإسلام.
الدليل الثاني: الآيات التي دلت على تحريم الزنا ومنها
1 -
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} (الإسراء: 32):
يقول تعالى ذكره: وقضى أيضًا أن {تَقْرَبُوا} أيها الناس {الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} يقول: إن الزنا كان فاحشة {وَسَاءَ سَبِيلًا} ، يقول: وساء طريق الزنا طريقًا؛ لأنه طريق أهل معصية اللَّه والمخالفين أمره فأسوئ به طريقًا يورد صاحبه نار جهنم (3).
2 -
{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
(1) روح المعاني، وإرشاد العقل السليم 18/ 158.
(2)
فتح القدير 4/ 44.
(3)
تفسير الطبري 20/ 255.
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)} (الأحزاب: 30):
يقول تعالى جل ذكره لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ} ، يقول: من يزن منكن الزنى المعروف الذي أوجب اللَّه عليه الحد يضاعف لها العذاب على فجورها في الآخرة ضعفين على فجور أزواج الناس غيرهم.
3 -
قوله في وصف عباد الرحمن: يقول تعالى ذكره: وما عند اللَّه للذين آمنوا {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)} (الشورى: 37).
4 -
{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)} (النجم: 32)، وقوله {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ} يقول: الذين يبتعدون عن كبائر الإثم التي نهى اللَّه عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها، وذلك الشرك باللَّه، وقد بيناه في قوله {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} (النساء: 31)، وقوله:{الْفَوَاحِشَ} وهي الزنا وما أشبه مما أوجب اللَّه فيه حدًا.
5 -
ما جاء في البيعة: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)} (الممتحنة: 12)، وقوله تعالى {وَلَا يَزْنِينَ} كقوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} ، وفي حديث سمرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت "جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخذ عليها {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا
يَزْنِينَ} الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فواللَّه ما بايعنا إلا على هذا قالت: فنعم إذا فبايعها بالآية (1).
6 -
فهذه الآية واضحة في الدلالة على حرمة السفاح والبغاء والزنى، لكن قال من لا يفهم معناها إن الأجر المذكور في الآية هو أجر الزنى لأن المهر في الإسلام يكون مقدمًا وهذا مؤخر فهل هذا الاستدلال صحيح؟
والجواب:
أنه لا يعرف الصحة ولا تعرفه كذلك، وهذا بيان معنى الآية:
قال أبو جعفر: فأما المحصنات، فإنهن جمع محصنة وهي التي قد منع فرجها بزوج يقال منه "أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانًا" وحصنت هي فهي تحصن حصانة، إذا عفت وهي حاصن من النساء عفيفة كما قال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس
…
عن الأذى وعن قراف الوقس
(1) تفسير ابن كثير 8/ 100.
ويقال أيضًا، إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور:"قد أحصنت فرجها فهي محصنة"، كما قال جل ثناؤه:{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} (التحريم: 12)، بمعنى: حفظته من الريبة ومنعته من الفجور، وإنما قيل لحصون المدائن والقرى "حصون" لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع: درع حصينة.
فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبين أن معنى قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم، وإذا كان ذلك معناه وكان الإحصان قد يكون بالحرية كما قال جل ثناؤه:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (المائدة: من الآية 5)، ويكون بالإسلام كما قال تعالى ذكره {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (النساء: من الآية 25)، ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} (النور: من الآية 4)، ويكون بالزوج، ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} فواجب أن تكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء كما أباحه لنا كتاب اللَّه جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل اللَّه، فالذي أباحه اللَّه تبارك وتعالى لنا نكاحًا من الحرائر: الأربع، سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر، ومن الإماء: ما سبينا من العدو سوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن من سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق اللَّه تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن، فأما السفاح، فإن اللَّه تبارك وتعالى حرمه من جميعهن، فلم يحله من حرة، ولا أمة، ولا مسلمة، ولا كافرة مشركة، وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقًا ولا تحليلًا لمشتريها لصحة الخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنه خير
بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها، وبين فراقه ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها لها طلاقًا، ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقًا، لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى ولوجب بالعتق الفراق وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق، فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق، كان معلومًا أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها، فكان نظيرًا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع، الذي هو زوال ملك مالكها عنها إذ كان أحدهما زوال البيع، والآخر بعتق في أن الفرقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما، ولا يجب بهما ولا بواحد منهما طلاق، وإن اختلفا في معان أخر: من أن لها في العتق خيار في المقام مع زوجها والفراق لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع.
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف يكون معنيًا بالاستثناء من قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح والمنكوحات به غير مملوكات؟
قيل له: إن اللَّه تعالى لم يخص بقوله {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها، بل عم بقوله:{إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} كلا المعنيين أعني ملك الرقبة، وملك الاستمتاع بالنكاح لأن جميع ذلك ملكته أيماننا، أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. (1)
وقال الشوكاني: بعد ذكر كلام العلماء على الآية:
ومعنى الآية، واللَّه أعلم واضح لا سترة به، أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء، أي: المزوجات أعم من أن يكن مسلمات، أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهن إما بسبي فإنها تحل ولو كانت ذات زوج أو بشراء فإنها تحل ولو كانت متزوجة وينفسخ
(1) تفسير الطبري 5/ 8.
النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء اللَّه، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد قرئ (المحصنات) بفتح الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن أو أحصن أزواجهن. (1)
وقال السعدي: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} أي: ذوات الأزواج فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج حتى تطلق وتنقضي عدتها {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج حلت للمسلمين بعد أن تستبرأ، وأما إذا بيعت الأمة المزوجة أو وهبت فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك الثاني نزل منزلة الأول ولقصة بريرة حين خيرها النبي صلى الله عليه وسلم (2).
2 -
وأما قوله {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} ففي محل نصب على العلة، أي: حرم عليكم ما حرم وأحل لكم ما أحل لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهن اللَّه لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم:{مُحْصِنِينَ} أي: متعففين عن الزنا، {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي: غير زانين، والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء أي: صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح، وقيل: إن قوله {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} بدل من {مَا} في قوله {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} أي: وأحل لكم الابتغاء بأموالكم والأول أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء. (3)
وقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبينوه، وهو أن اللَّه جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم
(1) فتح القدير 1/ 677.
(2)
تفسير السعدي 173.
(3)
فتح القدير 1/ 677.
أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا (1).
وقال السعدي: وقوله {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} أي: تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم من اللاتي أباحهن اللَّه لكم حالة كونكم {مُحْصِنِينَ} أي: مستعفين عن الزنا ومعفين نساءكم. {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ، والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام، فإن الفاعل لذلك لا يحصن زوجته لكونه وضع شهوته في الحرام، فتضعف داعيته للحلال، فلا يبقى محصنا لزوجته، وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف لقوله {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} (النور: 3).
{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} أي: إتيانكم إياهن أجورهن فرض فرضه اللَّه عليكم ليس بمنزلة التبرع الذي إن شاء أمضاه وإن شاء رده أو معنى قوله فريضة: أي: مقدرة قد قدرتموها فوجبت عليكم فلا تنقصوا منها شيئًا.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} أي بزيادة من الزوج أو إسقاط من الزوجة عن رضا وطيب نفس (هذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم: إنها نزلت في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يؤمر بتوقيتها وأجرها، ثم إذا انقضى الأمد الذي بينهما تراضيًا بعد الفريضة فلا حرج عليهما، واللَّه أعلم).
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: كامل العلم والسعة، كامل الحكمة: فمن علمه وحكمته شرع لكم هذه الشرائع وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام (2).
وقال النسفي: {بِأَمْوَالِكُمْ} يعني المهور، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهرًا وأن القليل لا يصلح مهرًا إذ
(1) تفسير الطبري 5/ 9.
(2)
تفسير السعدي 174.
الحبة لا تعد مالًا عادة {مُحْصِنِينَ} في حال كونكم محصنين، {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين، والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني، {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} فما نكحتموه منهن {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن لأن المهر ثواب على البضع. (1)
3 -
أي: ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات أي: الحرائر المؤمنات وخاف على نفسه العنت أي: الزنا والمشقة الكثيرة، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات، وهذا بحسب ما يظهر، وإلا فاللَّه أعلم بالمؤمن الصادق من غيره، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن.
{فَانْكِحُوهُنَّ} أي: المملوكات {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أي: سيدهن واحدا أو متعددا.
{وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة، ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن {مُحْصَنَاتٍ} وأي: عفيفات عن الزنا {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي: زانيات علانية، {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أي: أخلاء في السر، فالحاصل أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح أمة إلا بأربعة شروط ذكرها اللَّه: الإيمان
(1) تفسير النسفي 1/ 219.
بهن، والعفة ظاهرًا وباطنًا، وعدم استطاعة طول الحرة، وخوف العنت فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهن، ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فيه من تعريض الأولاد للرق ولما فيه من الدناءة والعيب، وهذا إذا أمكن الصبر فإن لم يكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك، ولهذا قال:{وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1).
قلت: فهذا معنى الآية وليس فيها أدنى إشارة إلى حل السفاح أو الزنى، أما المهر في الإسلام فقد يكون مقدمًا وقد يكون مؤخرًا، وقد يتجزأ مقدمًا ومؤخرًا وفي كل الأحوال لا بد من العقد الصحيح المتكامل الشروط التي شرطها اللَّه تعالى على ما سبق بيانه.
4 -
5 -
6 -
{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (النور: 3) فقرن فيها الزنى بالشرك وقدمه. (2)
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} فعلة بالغة في القبح كالزنى (3).
(1) تفسير السعدي 174، تفسير ابن كثير 3/ 430، وتفسير الطبري 4/ 15، وفتح القدير للشوكاني 1/ 672، وتفسير القرطبي 5/ 141.
(2)
البرهان في علوم القرآن 3/ 272.
(3)
تفسير البيضاوي 1/ 93.