الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن القيم: وقد يكون رضاع الكبير رخصة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير.
والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، واللَّه الموفق. (1)
قلت: ومن هنا كان على من قال بهذا القول أن يضع الضوابط التي وضعها أصحاب هذا الرأي ويجليها؛ حتى يفهم هذا القول ومدى حجته.
وضبط هذه المسألة لا يكون إلا بمجموعة من أهل العلم المتخصصين تعرض عليهم المسألة، فإن كانت حالة المسألة مثل حالة سالم مع ضوابطها واتفقوا على ذلك فلا مانع بالقول بالرضاع كحل إسلامي شرعي؛ وخاصة مع انعدام حلول شرعية أخرى مقدمة وتكون المسألة فردية، فإن كررت عرضت على أهل العلم ولا تقاس على سابقتها، وإنما تكون كل حالة بعينها ينظر فيها وحدها، وتكون الأصل هي حالة سالم.
تأتي مسألة أخرى مهمة وهي:
إن أفُتي برضاع الكبير في مثل هذه الحالات النادرة على قول ابن تيمية ومن معه.
فما هي صفة الرضاع:
أيلتقم الثدي أم يُجلب له من لبنها في إناء ثم يشرب هذا اللبن على خمس مرات حتى تحرم عليه.
لنتعرف على الجواب الصحيح على هذه المسألة المهمة التي يلقى من خلالها الشبهات.
صفة الرضاع المُحرم
.
(1) زاد المعاد لابن القيم (5/ 593)، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (34/ 60)، ونيل الأوطار للشوكاني (7/ 113).
ولا يلزم من القول بالرخصة لمن كانت له حاجة في إرضاع الكبير أن يرضع من الثدي مباشرة، فإن هذا لم يحدث مع سهلة.
قال ابن عبد البر: هكذا إرضاع الكبير كما ذكر يحلب له اللبن ويسقاه وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء. (1)
قال النووي: قال القاضي: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسين، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر. (2)
ثم إن النص لم يصرح بأن الرضاع كان بملامسة الثدي، وسياق الحديث متعلق بالحرج من الدخول على بيت أبي حذيفة فكيف يرضى بالرضاع المباشر؟
قال ابن قتيبة: وقد كان سالم يدخل عليها وترى هي الكراهة في وجه أبي حذيفة، ولولا أن الدخول كان جائزًا ما دخل عليها، ولكان أبو حذيفة ينهاه، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم بمحلها عنده وما أحب من ائتلافها ونفي الوحشة عنها - أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة ويطيب نفسه بدخوله، فقال لها:"أرضعيه". (3)
ولم يرد ضعي ثديك في فيه كما يُفعل بالأطفال، ولكن أراد احلبي له من لبنك شيئًا ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا؛ لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثديها إلى أن يقع الرضاع، فكيف يبيح له مما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة، ومما يدل على هذا التأويل أيضًا أنها قالت: يا رسول اللَّه أرضعه وهو كبير، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست أعلم أنه كبير، وضحكه في هذا الموضع دليل على أنه تلطف بهذا الرضاع لما أراد من
(1) التمهيد لابن عبد البر 8/ 257.
(2)
النووي على شرح صحيح مسلم 5/ 289.
(3)
راجع نص الحديث مرة أخرى ليتبين لك الحق إن شاء اللَّه تعالى.
الائتلاف ونفي الوحشة من غير أن يكون دخول سالم كان حرامًا أو يكون هذا الرضاع أحل شيئًا كان محظورًا أو صار سالم لها به ابنًا. (1)
وقد رُوي أن سهلة كانت تحلب لبنها في مسعط أو إناء فيشربه سالم كل يوم خمسة أيام. (2)
قال ابن عبد البر: وقد أجمع العلماء على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن وإن لم يمصه من ثديها. (3)
قلت: إلا أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
قال ابن تيمية: ولكن تنازع العلماء في السعوط وهو ما إذا دخل في أنفه بعد تنازعهم في الوَجُور (4) وهو ما يطرح فيه من غير رضاع، وأكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر الروايتين عن أحمد. (5) ورجح قول الأكثريه وهو التحريم، واحتج بقول ابن مسعود لإرضاعَ إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم، وقال: ولأن هذا يصل إليه اللبن كما يصل بالإرضاع ويحصل من إنبات اللحم وانشاذ العظم ما يحصل بالرضاع فيجب أن يساويه في التحريم. (6)
قال ابن حجر: واستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر فيوافق الخبر والمعنى. (7)
(1) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (308، 309).
(2)
هذه الرواية أوردها ابن سعد في الطبقات (8/ 212) من رواية محمد بن عمر الواقدي، ومحمد هذا: متروك الحديث، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب لابن الحجر (7/ 342: 346).
(3)
الاستذكار لابن عبد البر (18/ 274).
(4)
الوَجُور: هو صب اللبن في حلق الصبي من غير الثدي من إناء أو نحوه، والسعوط ما صب من الأنف، قاله ابن قدامة من المغني (9/ 195).
(5)
مجموع الفتاوى لابن تيمية (34/ 55)، وتتمة المجموع للنووي (18/ 219).
(6)
المغني لابن قدامة (9/ 195)، والشرح الكبير للخرقي (9/ 202).
(7)
فتح الباري (9/ 148).
قال الشافعي: والوجور كالرضاع وكذلك السعوط لأن الرأس جوف. (1)
قال الكاساني: ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار، لأن المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشاز العظم وسد المجاعة لأن يتحقق الجزئية وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار لأن السعوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي ويسد الجوع والوجور يصل إلى الجوف فيغذي. (2)
وممن ذهب إلى عدم ثبوت الرضاع بالشرب من الإناء أو الوجور ابن حزم، وقول للحنفية.
"وحجتهم في ذلك المعنى العام للرضاع". (3)
وقد انتقد هذا القول بعدة اعتراضات:
1 -
هذا خلاف ما عليه الجمهور من العلماء وهو الأصل من حيث ثبوت الأدلة التي ذكرناها.
2 -
أن الرضاع في اللغة: "رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة إلى أن قال: امتص ثديها"(4) وقال في مادة مصصته أنه بمعنى شربته شربا رفيقا. (5)
ومن ثم فإن تعريف ابن حزم للرضاعة مبني على التعريف اللغوي لها بحيث وقف فيه عند مدلول النصوص ولم يتعد حدودها. (6)
قلت: وقد بينا أنه على خلاف المعنى اللغوي أيضًا.
3 -
أن المعنى الاصطلاحي للرضاع هو "اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في جوف طفل بشروط، ومن ثم فإن الرضاع يحصل بالشرب ولا يشترط أن يمص الثدي"
(1) الأم للشافعي (5/ 38).
(2)
بدائع الصنائع للكاساني (4/ 9).
(3)
انظر المحلى لابن حزم (10/ 7).
(4)
القاموس المحيط (2/ 969).
(5)
القاموس المحيط (1/ 856).
(6)
الرضاع في الفقه الإسلامي. عبد اللَّه العسيلي.