الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان ذلك بعد الإسلام، كان الرؤساء وأهل الثروة يميلون إلى تعدد الزوجات في بلاد يزيد فيها عدد النساء عن عدد الرجال توسعًا في التمتع، وكانت البلاد العربية مما تجري فيها هذه العادة لا إلى حد محدود، فكان الرجل يتزوج من النساء ما تسمح له أو تحمله عليه قوة الرجولة وسعة الثروة للإنفاق عليهن وعلى ما يأتي له من الولد.
2 -
وعندما جاء الإسلام وأشرق فجره على العرب، كان بعض العرب تحته عشرُ نسوة وقد أسلم غيلان رضي الله عنه، وعنده عشرُ نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإمساك أربعٍ منهن ومفارقة الباقيات، فسبب الإكثار من الزوجات إنما هو الميل إلى التمتع بتلك اللذة المعروفة وبكثرة النساء، وكان العرب قبل البعثة في شقاق وقتال دائمين والقتال إنما كان بين الرجال، فكان عدد الرجال ينقص بالقتل؛ فيبقى عدد كثير من النساء بلا أزواج، فمن كانت عنده قدرة مالية وبدنية وأراد التمتع بأكثر من واحدة فعل من غير حرج ولا عدد معين.
3 -
وكان العرب ينكحون بالاسترقاق، ولكن لا يستكثرون من ذلك، بل كان الرجل يأخذ السبايا؛ فيختار منهن واحدة، ثم يوزع على رجاله ما بقى منهن واحدة واحدة.
4 -
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وحال الرجال مع النساء كما ذكرنا لا فرق بين متزوجة وسرية في المعاملة، ولا حد لما يبتغي الرجل من الزوجات، فأراد اللَّه أن يجعل في شرعه رحمة للنساء وتقريرًا لحقوقهن، وحكمًا عدلًا يرتفع به شأنهن وليس الأمر كما يقول الكتبة الأوربيين أن ما كان عند العرب عادة جعله الإسلام دينًا، وإنما أخذ الافرنج ما ذهبوا إليه من سوء استعمال المسلمين لدينهم وليس له مأخذ صحيح منه. (1)
الغرب وتعدد الزوجات
.
أ - إن المجتمعات الغربية تجهل حكم الإسلام فيما يتعلق بالمرأة عامة وبتعدد الزوجات خاصة، وهذه هي مارجريت ماركوس الأمريكية؛ والتي كانت يهودية ثم
(1) تعدد الزوجات في الأديان (18، 19)، وانظر المؤامرة على المرأة المسلمة للدكتور السيد فرج (178)، ومكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية (193، 194).
أسلمت، وأصبح اسمها المهدية مريم جميلة، قد نشرت كتابها الإسلام بين النظرية والتطبيق، فقالت عن الإسلام وتعدد الزوجات:
"لم يُفْتَرَ على الإسلام في شيء؛ كما افترى عليه في نظام تعدد الزوجات، وهو عند الغرب يعتبر برهانًا لا يقبل الرفض على انحطاط المرأة في الإسلام، وتقول: وإن المصلحين من المسلمين في أحسن الأحوال ينتقصون من أهميته، فيعتبرونه خاصًا بالمجتمعات المتأخرة، ولا يقبل إلا في أحوال استثنائية جدًا وغير عادية، ثم تقول: وعلينا أن نفهم أن هذا التفسير الذي يدافع به المجددون المسلمون ليس له أساس في القرآن الكريم ولا في الحديث الشريف، وإنما هو النتيجة المطلقة للعبودية الفكرية لقيم الحضارة الغربية، فالفزعُ الذي ينظر به الغرب إلى تعدد الزوجات معزوٌّ على الفردية الغالبة التي تسيطر على المجتمع الحاضر، لدرجة أن الزنا يعتبر أقل بغضًا من تعدد الزوجات. إن النظرة الغربية لتعدد الزوجات نظرة لا تتصل بفوائد هذا التعدد وأضراره، بل ترجع إلى إنكار هؤلاء للرسول والرسالة التي جاء بها، لهذا اتخذ المتعصبون من نظام الأسرة في الإسلام وسيلة للطعن على هذا الدين الذي لا يعيب فيه، سوى أنه حرم الزنا، وما يتصل به أو يؤدي إليه؛ من الأقوال والأعمال وما يسمى حضارة الغرب التي تعد الزنا من التقدم أو الحرية الشخصية؛ وليس جريمة في ذاته، وقد جعل هؤلاء من تعدد الزوجات للرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة للطعن في الرسول والرسالة، ولو كانت المسألة هي الطعن على نظام تعدد الزوجات بصفة عامة؛ لما آمن هؤلاء بصدق كتابهم المقدس حيث تضمن الجزء الأول منه أن نبي اللَّه سليمان قد تزوج بألف امرأة، ولكن عندما يشفق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على العجائز اللاتي فقدن عائلهن فيتزوجهن لأسباب إنسانية يصبح الزواج من الأرملة العجوز جريمة في حق الإنسانية. (1)
ب - وأين هذا التعدد الأخلاقي النبيل الشريف من التعدد الواقع من حياة الغربيين؟ حتى تحداهم أحد كتابهم أن يكون أحدهم وهو على فراش الموت يدلي باعترافاته للكاهن،
(1) مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية (205، 206)، وانظر كتاب الإسلام بين النظرية والتطبيق (80).
تحداهم أن يكون فيهم واحد لا يعترف للكاهن بأنه اتصل بامرأة ولو مرة واحدة في حياته إن هذا التعدد واقع عند الغربيين من غير قانون، بل واقع تحت سمع القانون وبصره، إنه لا يقع باسم الزوجات ولكنه يقع باسم الصديقات والخليلات، إنه ليس مقتصرًا على أربعٍ فحسب، بل هو إلى ما لا نهاية له من العدد، إنه لا يقع علنًا تفرح به الأسرة، ولكن سرًا لا يفرح ولا يعلم به أحد، إنه لا يلزم صاحبه بأية مسئولية مالية نحو النساء اللاتي يتصل بههن، بل حسبه أن يلوث شرفهن ثم يتركهن للخزي والعار وتحمل آلام الولادة غير المشروعة.
إنه لا يلزم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتصال من أولاد، بل يعتبروا غير شرعيين يحملون حياتهم خزي السفاح ما عاشوا، ولا يملكون أن يرفعوا بذلك رأسًا، إنه تعدد قانوني من غير أن يسمى تعدد الزوجات، خالٍ من كل تصرف أخلاقي، أو يقظة وجدانية، أو شعور إنساني، إنه تعدد تبعث عليه الشهوة والأنانية ويفر من تحمل كل مسئولية، فأي النظامين ألصق بالأخلاق وأكبح للشهوة وأكرم للمرأة وأدل على الرقي وأبر بالإنسانية؟ . (1)
(1) المرأة بين الفقه والقانون للدكتور السباعي (94).