الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والخلاف بينهما قد يكون بنشوز المرأة، وقد يكون بظلم الرجل، فإن كان بالأول فعلاجه ما مر من المراحل الثلاث، وإن كان بالثاني أو عجز عن إنزالها عن نشوزها وخيف أن يحول الشقاق بينهما دون إقامتهما لأركان الزوجية الثلاثة:
من السكون والمودة والرحمة وجب على الزوجين وذوي القربى أن يبعثوا الحكمين، وعليهم أن يوجهوا إرادتهم إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة وصحت العزيمة؛ فاللَّه كفيل بالتوفيق بفضله وجودة، وبهذا تعلم شدة عناية اللَّه تعالى بأحكام الأسر والبيوت وكيف لم يذكر مقابل التوفيق وهو التفريق لأنه يبغضه؛ ولأنه يود أن يُشعر المسلمين بأنه لا ينبغي أن يقع، ثم ذكر أن ما شرع من الأحكام جاء وفق الحكمة والمصلحة لأنه حكيم خبير بأحوال عباده فقال:{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} .
وفي الآية إرشاد إلى أن ما يقع بين الزوجين من خلاف وإن ظن أنه مستعص يتعذر علاجه قد يكون في الواقع على غير ذلك من أسباب عارضة يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين -لقربهما منهما- أن يمحصا ما علق من أسبابه بقلوبهما فيزيلاها متى حسنت النية وصحت العزيمة، ولتعلم أن الرابطة الزوجية أقوى الروابط التي تربط بين البشر فبها يشعر كل من الزوجين بشركة مادية ومعنوية بها يأخذ كل منهما شريكَةُ على أدق الأمور وأصغرها، فيحاسبه على فلتات اللسان، وبالظنة والوهم وخفايا حلجات القلب، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها! وأعسر التوقي منها وكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والعتاب إلى الكره والبغضاء، فعليك أن تكون حكيمًا في معاملة الزوجة خبيرًا بطباعها وبذا تحسن العشرة بينكما. اهـ (1)
9. واستمرارًا لعلاج النشوز والشقاق قبل الوقوف على باب الطلاق يقول اللَّه تعالى:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: 128) والمعنى: إن توقعت من بعلها نشوزًا، أو إعراضًا، ترفعًا
(1) تفسير المراغي (5/ 31 - 32)، المنار (5/ 77 - 88).
عليها بما لاح لها من مخايل ذلك وأماراته؛ بأن منعها نفسه، ونفقته، والمودة، والرحمة التي تكون بين الرجل والمرأة، أو آذاها بسب، أو ضرب، أو نحو ذلك، أو إعراضًا عنها بأن قلل من محادثتها ومؤانستها لبعض أسباب من طعن في سن أو دمامة أو شيء في الأخلاق أو الخلق، أو ملال، لها أو طموح إلى غيرها، أو غير ذلك.
فالجواب: عليها أن تتثبت فيما تراه من علامات الإعراض فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها مسائل من مشاكل الحياة الدينية أو الدنيوية، وهي أسباب خارجية لا دخل له فيها ولا تعلق لها بكرامتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره وتصبر على ما لا تحب من ذلك. أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبة عنها {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا} أي فلا بأس بهما أن يصلحا بينهما صلحًا كأن تسمح له ببعض حقها عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته مكرمة، أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها كما جاء في قوله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} "وإنما يحل له ذلك إذا كان برضاها لاعتقادها أن في ذلك الخير لها بلا ظلم لها ولا إهانة.
وقد روي أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكانت لها منه ولدٌ فقالت له:
لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي، وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إليّ، فأقرها على ما طلبت. "والصلح خير" من التسرع والفراق لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق وعروض الخلاف بين الزوجين وما يترتب عليه من نشوز وإعراض وسوء معاشرة من الأمور الطبيعية التي لا يمكن زوالها من البشر، وأجمل في الإسلام لمنعه هو المساواة بينهما في كل شيء إلا القيام برياسة الأسرة لأنه أقوى من المرأة بدنًا وعقلًا، وأقدر على الكسب، وعليه النفقة كما جاء في قوله:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228)، فيجب على الرجل أن