الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم قال: وأما نحن فلا يجوز أن نتعدى حدود اللَّه فيما وردت به فنقول: إن من وقع على امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد، أو عقد عليها باسم نكاح وإن لم يدخل بها، فإنه يقتل ولا بد محصنًا كان أو غير محصن ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها، وأما من وقع على غير امرأة أبيه من سائر ذوات محارمه، كأمه التي ولدته من زنى أو بعقد باسم نكاح فاسد مع أبيه، فهي أمه وليست امرأة أبيه، أو أخته، أو بنته، أو عمته، أو خالته، أو واحدة من ذوات محارمه بصهر أو رضاع فسواء كان ذلك بعقد أو بغير عقد، فهو زانٍ وعليه الحد فقط، وإن أحصن فعليه الجلد والرجم كسائر الأجنبيات لأنه زنا، وأما الجاهل في كل ذلك فلا شيء عليه. اهـ (1)
ثالثًا: الحكمة من تحريم نكاح المحرمات
لقد حرم الباري -جل وعلا- نكاح المحرمات سواء كانت القرابة عن طريق النسب أو الرضاع أو المصاهرة، وجعل هذه الحرمة مؤبدة لا تحل بحال من الأحوال، وذلك لحكم عظيمة جليلة نبينها بإيجاز فيما يلي:
أما تحريم النساء من النسب فإن اللَّه -جل ثناؤه- جعل بين الناس من الصلة ما يتراحمون بها ويتعاونون على جلب المنافع ودفع المضار، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة، ولما اقتضت طبيعة الوجود تكوين الأسرة، وكانت هذه الأسرة محتاجة إلى الاختلاط بين أفرادها بسبب هذه الصلة القوية (صلة النسب)، فلو أبيح الزواج من المحارم لتطلعت النفوس إليهن، وكان فيهن مطمع، والنفوس بطبعها مجبولة على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وعلى أخته، وتغار المرأة من بنتها على زوجها، وذلك يدعو إلى النزاع والخصام وتفكك الأسرة وحدوث القتل الذي يدمر الأسرة والمجتمع، ثم هذا الوليد يتكون جنينًا من دم الأم ثم يكون طفلًا يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصة من ثديها عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحبط أحدًا في الدنيا مثل أمه، أفليس من
(1) المحلى بالآثار (12/ 200 - 205).
الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحبَّ العظيم بين الوالدين والأولاد حبُ الاستمتاع بالشهوة؛ فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة، ولأجل هذا كان تحريم الأمهات هو الأشد القدم في الآية، ويليه تحريم البنات، ثم الأخوات، ثم العمات والخالات إلخ.
وقد أودع اللَّه في الإنسان فطرة نقية تحجزه عن التفكير في محارمه فضلًا عن حب الاستمتاع بهن، ولولا ما عهد في الإنسان من الشذوذ والجناية على الفطرة، والعبث بها لكان للمرء أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات لأن هذا من قبيل المستحيلات في نظر الإنسان العاقل سليم الفطرة والتفكير.
ثم إن هنا حكمة جسدية حيوية عظيمة، وهي أن زواج الأقارب بعضهم ببعض يضعف النسل، فإذا تسلسلت واستمرت يستمر الضعف والنحافة حتى ينقرض النسل.
وأما المحرمات بالمصاهرة فإن اللَّه عز وجل أكرم البشرية بهذه الرابطة الإنسانية، وامتن على الناس بقرابة الصهر التي تجمع بين النفوس المتباعدة المتنافرة بروابط الألفة والمحبة {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} (الفرقان: 54).
فإذا تزوج الإنسان من عشيرة صار كأحد أفرادها؛ فينبغي أن تكون أم زوجته كأمه في الاحترام، وبنتها التي في حجره كبنته التي من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنته وهكذا، ومن القبح أن تكون البنت ضرة لأمها، والابن طامعًا في زوجة أبيه؛ فإن ذلك ينافي حكمة المصاهرة، ويكون سبب فساد العشيرة.
وأما المحرمات بالرضاع فإن الحكمة فيهن ظاهرة وهي: أن من رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءًا منها؛ لأنه تكون من لبنها، فصارت في هذا كأمه التي ولدته وصار أولادها إخوة له؛ لأن لتكوين أبدانهم أصلًا واحدًا هو ذلك اللبن، واللَّه أعلم. (1)
(1) روائع البيان للصابوني (1/ 461).