الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
13 - أخلاق عائشة مع مارية القبطية رضي الله عنهن
.
نص الشبهة:
هذه الشبهة خاصة بأخلاق عائشة رضي الله عنها مع مارية القبطبية رضي الله عنها، وهي منصبة حول الغيرة كغيرها، واعتمادهم في هذه الشبهة على عدة روايات تذكر ما قالته عائشة وما فعلته تجاه مارية القبطية منذ اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، وهذه الروايات منها ما صح وأسيء فهمه، ومنها ما لم يصح وأورد مورد الصحيح، ونحن نورد هذه الروايات وما صح منها وجهناه واستخرجنا منه الفوائد النافعة، وما لم يصح بيناه بعون الله تعالى.
الرواية الأولى: عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية وذاك أنها كانت جميلة من النساء وأعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أنزلها في أول ما قدم بها في بيت حارثة بن النعمان فكانت جارتنا فكان عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت فحولها إلى العالية وكان يختلف إليها هناك فكان ذلك أشد علينا ثم رزق منها الولد وحرمناه منه. (1)
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن في إسنادها ما يدل على أنها موضوعة؛ وتفصيل ذلك كما في الحاشية.
الوجه الثاني: أن قولها: يكون عندها عامة النهار والليل يخالف ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من القسم بين الزوجات، والعدل بينهن حتى قالت عائشة نفسها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه .... الحديث.
قال ابن عساكر: وكانت له صلى الله عليه وسلم سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية أم إبراهيم،
(1) موضوع. أخرجه الزبير بن بكار في المنتخب من كتاب أزواج النبي (20) من طريق: محمد بن حسن، عن محمد بن موسى، عن فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة، عن أيوب بن بشير قال: قالت عائشة: وذكره، وهذا إسناد فيه أكثر من علة؛ الأولى: فيه محمد بن الحسن بن زبالة قال ابن معين وأبو داود: كذاب خبيث وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. تهذيب التهذيب 9/ 101، والتقريب (5815).
الثانية: فيه محمد بن موسى الفطري بكسر الفاء وسكون الطاء المدني صدوق رمي بالتشيع من السابعة. التقريب (6335)، والتهذيب 9/ 423، قلت: وتشيعه سبب لرد روايته في هذا الباب الثالثة: وفيه فليح بن سليمان قال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ. التقريب (5443). وعليه فهذه رواية موضوعة مكذوبة، والحديث له طريق آخر أخرجه ابن سعد 8/ 212 ولكن من طريق الواقدي وهو متروك الرواية.
وريحانة بنت شمعون الخنافية إحدى بني النضير. قال ابن أبي مليكة: فسألت عائشة عن قسمة النبي صلى الله عليه وسلم لأمي ولده فقالت: كان يقسم لهما مرة ويدعهما مرة؛ فإذا قسم أضعف قسمنا فلإحداهن يوم ولنا يومان، وعلى ذلك قسم للمرأة المملوكة النصف مما قسم للحرة. (1)
الوجه الثالث: وإذا كان أعجب بها فلماذا لم يتخذها زوجة، وما الذي منعه من ذلك!
وقد صنع مثله بجويرية وصفية رضي الله عنهم مع العلم بأنه كان قد اتخذ مارية قبل التحريم حيث ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لمَّا خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواخا غيرهن ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري، فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية وأباح له التزوج؛ ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن (2).
قلت: فثبت بهذا التقرير بطلان طعنهم في أم المؤمنين رضي الله عنها بسبب هذه الرواية.
الرواية الثانية: التي استدلوا بها على سوء أخلاق عائشة مع مارية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة بنت عمر، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي من بين بيوت نسائك؟ قال:"فإنها علي حرام أن أمسها يا حفصة، واكتمي هذا علي" فخرجت حتى أتت عائشة، فقالت: يا بنت أبي بكر، ألا أبشرك؟ فقالت: بماذا؟ قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ وبي تفعل هذا من بين نسائك؟ فكان أول السرور أن حرمها على نفسه، ثم قال لي:"يا حفصة، ألا أبشرك؟ " فقلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، فأعلمني أن أباك يلي الأمر من بعده، وأن أبي يليه بعد أبيك، وقد
(1) تاريخ دمشق 3/ 167.
(2)
تفسير ابن كثير (3/ 662).
استكتمني ذلك فاكتميه، فأنزل الله عز وجل في ذلك:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} أي: من مارية: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} أي: حفصة، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: لما كان منك، {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)} ، {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} يعني حفصة، {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} يعني عائشة، {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ} أي بالقرآن {عَرَّفَ بَعْضَهُ} عرف حفصة ما أظهرت من أمر مارية، {وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} عما أخبرت به من أمر أبي بكر، وعمر، فلم يثربه عليها، {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} ، ثم أقبل عليها يعاتبها، فقال:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} يعني أبا بكر وعمر، {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)} ، فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأخت نوح، ومن الأبكار مريم بنت عمران، وأخت موسى عليهم السلام. (1)
والجواب عن هذه الشبهة: أن الرواية ساقطة باطلة بهذا السياق كما هو مبين في الحاشية، وإذا علم أن الرواية باطلة فما انفردت به عن الروايات الصحيحة لا حجة فيه ولا اعتبار به
الرواية الثالثة عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: خرجت حفصة من بيتها، وكان يوم عائشة، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجاريته وهي مخمر وجهها فقالت حفصة لرسول الله: أما إني قد رأيت ما صنعت. فقال لها رسول الله: "فاكتمي عني وهي حرام". فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها
(1) باطل بهذا السياق. أخرجه الطبراني في الأوسط (2316)، والعقيلي في الضعفاء في ترجمة موسى بن جعفر 4/ 155، ومن طريقه ابن عساكر في التاريخ (44/ 234) كلاهما من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير مولى الأنصار، عن عمه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. وقال العقيلي في ترجمة موسى بن جعفر: مجهول بالنقل لا يتابع على حديثه ولا يصح إسناده، ثم أسند هذا الحديث وقال بعده: ولا يعرف إلا به وقال الذهبي في الميزان (4/ 201 (8853) موسى بن جعفر الأنصاري، عن عمه. لا يعرف، وخبره ساقط. ثم ساق الحديث من رواية العقيلي وقال بعده: قلت: هذا باطل.
وبشرتها بتحريم القبطية، فقالت له عائشة: أما يومي فتعرس فيه بالقبطية، وأما سائر نسائك فتسلم لهن أيامهن! فأنزل الله:{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} ، لحفصة، {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} يعني عائشة وحفصة، {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} يعني حفصة وعائشة، {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} الآية. فتركهن رسول الله، صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين ليلة ثم نزل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فأمر فكفر يمينه وحبس نساءه عليه (1).
الرواية الرابعة: عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} قال: دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت" فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنبأك هذا؟ قال: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} (2)
(1) أخرجه ابن سعد 8/ 168 من طريق الواقدي قال: حدثنا عمر بن عقبة عن شعبة قال: سمعت ابن عباس وذكره وهي رواية ساقطة لتفرد الواقدي بهذا السياق، وشيخه عمر بن عقبة لم أجد له ترجمة، وشعبة مولى ابن عباس: قال يحيى بن سعيد القطان: فقلت لمالك بن أنس ما تقول في شعبة مولى ابن عباس، فقال: لم يكن يشبه القراء، وله أحاديث كثيرة ولا يحتج به كما في الطبقات الكبرى (5/ 294) وقال الجوزجاني، والنسائي، وأبو حاتم: ليس بقوي، وقال أبو زرعة، والساجي: ضعيف، وقال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر. تهذيب التهذيب (4/ 303)
(2)
منكر. أخرجه الطبراني في الكبير (12640)، من طريق إبراهيم بن نائلة الأصبهاني قال: حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس به. وقال ابن كثير: إسناده فيه نظر، وهذا بيانه:
إسماعيل بن عمرو البجلي: قال ابن عدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وضعفه أبو حاتم والدارقطني ولما ذكره ابن حبان في الثقات قال: يغرب كثيرًا وقال أبو الشيخ في الطبقات: غرائب حديثه تكثر، وقال الأزدي: منكر الحديث، وقال العقيلي نحوه، وزاد ويحمل على من لا يحتمل. لسان الميزان (1323).=
والجواب على هذه الشبهة أن الرواية منكرة كما في الحاشية. وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في شبهة مستقلة.
الرواية الخامسة: عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية القبطية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها قالت: بلى فحرمها، وقال:"لها لا تذكري ذلك لأحد" فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه وأصاب جاريته. (1)
والجواب عن هذه: أن هذه القصة مدرجة عند ابن إسحاق في حديث ابن عباس عن عمر كما قال الحافظ في الفتح (2)، وعليه فهي لا تصح ولا متمسك لهم فيها.
الرواية السادسة: عن ابن عباس قال: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول الله عز وجل وإن تظاهرا عليه فكنت أهابه، حتى حججنا معه حجة فقلت: لئن لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله فلما قضينا حجنا أدركناه وهو ببطن مرو قد تخلف لبعض حاجته فقال: مرحبًا يا بن عم رسول الله، ما حاجتك، قلت: شيء كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين فكنت أهابك فقال: سلني عم شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئًا حتى تعلمنا، فقلت: أخبرني عن قول الله عز وجل {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} من هما؟ فقال: لا تسأل أحدًا أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا تكلم
= وكذلك في الإسناد انقطاع لأن الضحاك بن مزاحم كان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس وقال الهيثمي: لم يسمع من ابن عباس، وعليه فهذا حديث منكر.
(1)
أخرجها ابن جرير في التفسير (12/ 147) من طريق سعيد بن يحيى حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس به. وهي مدرجة، وفي الإسناد عنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس.
(2)
الفتح 8/ 657.
أحدنا امرأته، إنما هن خادم البيت، فإذا كان له حاجة سفع برجليها فقضى منها حاجته، فلما قدمنا المدينة تعلمن من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا ويراجعننا، وإني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا، فقمت إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبا لك يا ابن الخطاب، تريد ألا تكلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمنه نساؤه، فخرجت فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنية انظري، لا تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ولا تسأليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده دنانير ولا دراهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، هانها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف أو من مكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها يسلم حبسته حتى تلعقه منها أو تسقيه منها، وإن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية ما يصنع بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبها فأخبرتهن، وقالت: إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، ثم إنه دخل على عائشة، فقالت: يا رسول الله، أطعمت شيئا منذ اليوم؟ فإني أجد منك ريح مغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد شيء عليه أن يوجد منه ريح شيء، فقال:"هو عسل، والله لا أطعمه أبدًا"، حتى إذا كان يوم حفصة، قالت: يا رسول الله، إن لي حاجة إلى أبي، إن نفقة لي عنده، فائذن لي أن آتيه، فأذن لها، ثم إنه أرسل إلى مارية جاريته، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة، فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي، فقال:"ما يبكيك؟ " فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمَتَكَ بيتي ثم وقدت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله ما يحل لك هذا يا رسول الله، فقال:"والله ما صدقت، أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي؟ أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري ألا تخبري بهذا امرأة منهن، فهي عندك أمانة"، فلما
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم أمته، وقد أراحنا الله منها، فقالت عائشة: أما والله لقد كان يريبني أنه يقيل من أجلها، فأنزل الله عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} فهي عائشة وحفصة، وزعموا أنهما كانتا لا تكتم إحداهما الأخرى شيئًا، وكان لي أخ من الأنصار إذا حضرت وغاب في بعض ضيعته حدثته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا غبت في بعض ضيعتي حدثني، فأتاني يومًا وقد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني، فقال: ما دريت ما كان؟ فقلت: وما ذاك، لعل جبلة بن الأيهم الغساني يذكر؟ فقال: لا، ولكنه أشد من ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فلم يجلس كما كان يجلس، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، وقد اعتزل في مشربته، وقد تركت الناس يموجون، ولا يدرون ما شأنه؟ فأتيت والناس في المسجد يموجون ولا يدرون، فقلت: يا أيها الناس، كما أنتم، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مشربته قد جعلت له عجلة فرقى عليها، فقلت لغلام له أسود وكان يحجبه: استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي فدخلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربته فيها حصير وأهب معلقة، وقد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفًا، فلما رأيته بكيت، فقال:"ما يبكيك؟ " قلت: يا رسول الله، فارس والروم يضطجع أحدهم في الديباج والحرير، فقال:"إنهم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا، والآخرة لنا"، ثم قلت: يا رسول الله، ما شأنك؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك اعتزلتهن؟ فقال:"لا ولكن بيني وبين أزواجي شيء، فأقسمت ألا أدخل عليهن شهرًا"، ثم خرجت على الناس فقلت: يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أزواجه شيء فأحب أن يعتزل. ثم دخلت على حفصة، فقلت: يا بنية، أتكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيظين وتغارين عليه؟ فقالت: لا أكلمه بعد بشيء يكرهه، ثم دخلت على أم سلمة وكانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة، فقالت: عجبًا لك يا عمر بن الخطاب، كل شيء تكلمت فيه حتى تريد أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله
-صلى الله عليه وسلم وأزواجكم يغرن عليكم فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)} اهـ. (1)
والجواب على هذه الشبهة: أن هذه الزيادة المفصلة لقصة مارية ضعيفة كما هو مبين في الحاشية.
الرواية السابعة: عن محمد بن جبير بن مطعم قال: خرجت حفصة من بيتها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فجاءته في بيت حفصة، فدخلت عليه حفصة وهي معه في بيتها فقالت: يا رسول الله، في بيتي وفي يومي وعلى فراشي! فقال رسول الله:"اسكتي فلك الله لا أقربها أبدا، ولا تذكريه". فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ، فكان ذلك التحريم حلالًا، ثم قال:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ، فكفر رسول الله عن يمينه حين آلى، ثم قال:{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} ، يعني حفصة، {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} ، حين أخبرت عائشة، {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} ، يعني حفصة لما أخبره الله، قالت حفصة:{مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} ؟ قال: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ، الآية. فقال رسول الله: ما أنا بداخل عليكن شهرًا. (2)
(1) الطبراني في الأوسط (8764). من طريق: مطلب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن رومان، عن ابن عباس به. ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن رومان إلا سعيد بن أبي هلال، ولا عن سعيد إلا خالد بن يزيد تفرد به الليث. اهـ
قلت: وهذه الزيادة التي ذكرت قصة مارية بهذا التفصيل عن عمر رضي الله عنه تفرد بها يزيد بن رومان عن ابن عباس رضي الله عنه، وخالفه عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عند البخاري، وعبيد بن حنين عند البخاري مختصرًا ومقتصرًا على إجابة السؤال وعلي بن حسين عند النسائي في الكبرى. ويزيد ابن رومان ثقة خرج له الجماعة ولكن في الإسناد إليه عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث تفرد بهذه الزيادة وهو وإن كان صدوقا في نفسه لكنه سئ الحفظ وفيه غفلة، وكتابه أدخل فيه ما ليس منه بفعل خالد بن يحيى فظنه من حديث شيوخه، وعليه فهو ضعيف لا يحتمل التفرد وقد تفرد بهذه الزيادة فهي ضعيفة لا تصح اهـ.
(2)
أخرجه ابن سعد في طبقاته 8/ 186، والبلاذري في أنساب الأشراف (1/ 187) من طريق الواقدي قال: حدثنا موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: وذكره.
والجواب عن هذه الشبهة: أن الرواية من طريق محمد بن عمر مع كونه مرسل، ومن خلال ما مر نعلم أن هذه الروايات السالفة لا تخلو من مقال ونظر، وأما الصحيح في القصة فها هو: عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرَّمها، فأنزل الله عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ؟ إلى آخر الآية. (1)
قلت: فهذا هو ما صح وما في الروايات السابقة من زيادات على هذا فهو منكر ولا أصل له صحيح، وأما توجيه هذه الرواية الصحيحة بالنسبة لما صدر من عائشة وحفصة فمن وجوه:
الأول: أن هذا من قبيل الغيرة الفطرية وكدْلك بالنسبة لحفصة رضي الله عنها وقد سبق الكلام عن هذه الغيرة الفطرية.
الثاني: أن الذي زاد من الغيرة أنه وقع في بيت حفصة وفي بيت عائشة على فرض صحة هذه الزيادة.
الثالث: أن مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم دليل على مكانة حفصة، وعائشة عنده وعلى حسن عشرته لهما صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: هل هناك تناقض واضح في سبب الآية الأولى من سورة التكريم، بحيث لا يمكن الجمع بين هذه الأسباب؟ حيث ظن البعض أن كثرة الروايات لقصة المغافر يدل على أنها ملفقة لستر أمر آخر.
والرد على ذلك من وجوه:
(1) أخرجه النسائي (7/ 71)، وفي الكبرى (8857، 11543) من طريق إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس به وقال: ابن حجر: (فتح الباري 376/ 9) إسناده صحيح، وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: "لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله لا أقربها". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال فانزل الله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ، قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج، وقال ابن حجر في التلخيص بعد سوق هذه الطرق: وبمجموع هذه الطرق يتبين أن للقصة أصلًا، أحسب لا كما زعم القاضي عياض أن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح، وغفل رحمه الله عن طريق النسائي التي سلفت فكفى بها صحة، والله الموفق. تلخيص الحبير (3/ 109)