الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسول صلى الله عليه وسلم يقال عنها كانت سيئة الأخلاق معه، لا جرم، فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم!
المحور الثاني: الروايات التي أوهمت القوم ما ذهبوا اليه من الطعن في السيدة عائشة من هذه الناحية
.
الحديث الأول: عن عائشة أنها قالت: وكان متاعي فيه خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل وكان على جمل ثقال بطئ يتبطأ بالركب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب"، قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله! غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله! قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم عبد الله، إن متاعك كان فيه خف وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله، قالت: فتبسم قال: "أو في شك أنت يا أم عبد الله"؟ قالت: قلت: ألست تزعم إنك رسول الله؟ أفهلا عدلت؟ وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب - أي حدة - فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مهلًا يا أبا بكر"، فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه". (1)
والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.
قال البوصيري في إتحاف المهرة (3/ 43): رواه أبو يعلى بسند ضعيف، لتدليس ابن إسحاق.
الوجه الثاني: ولو صح فإن الذي ترويه هي عائشة رضي الله عنها فهي تعترف أن هذا خطأ وتابت منه وتاب الله عليها ولو كانت كما يقولون لا روته فالأولى عند صحة هذا الحديث أن يوضع في
(1) ضعيف. أخرجه أبو يعلى في المسند (4651)، وابن حيان في الأمثال (56) وفيه محمد بن اسحاق مدلس وقد عنعن، وفيه سلمة بن الفضل قاضي الري صدوق كثير الخطأ. التقريب (2505)، وقال البخاريُّ: عنده مناكير وفيه نظر. الضعفاء الصغير (1/ 55)، قال الألباني في (الضعيفة: 2985): قلت: وهذا سند ضعيف؛ وفيه علتان: الأولى: عنعنة ابن إسحاق، فقد كان يدلس. والأخرى: ضعف سلمة بن الفضل - وهو الأبرش - قال الحافظ في التقريب (1/ 221): صدوق كثير الخطأ. والمتن فيه نكارة ظاهرة كما في قول عائشة: "؟ ألست تزعم أنك رسول الله
…
"، والحديث ضعفه البوصيري في الإتحاف (3190).
مناقبها؛ لأنها هي التي روته فكان حفاظها على الشريعة وعلى نقلها أولى عندها من أي شيء آخر، حتى ولو كان نفسها.
الوجه الثالث: ولكن اعتذر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه.
الوجه الرابع: ثم إن أبا بكر عاقبها على ذلك والذي دافع عنها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فما دخل هؤلاء. ألا ينادون بحقوق المرأة.
الحديث الثاني: عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليًا وهي تقول: والله لقد علمت أن عليًّا أحب إليك من أبي، فأهوى إليها أبو بكر ليلطمها وقال: يا ابنة فلانة أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عائشة كيف رأيتني أنقذتك من الرجل"؟ ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة، فقال: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد فعلنا". (1)
وهذا حديث صحيح، وتوجيهه كما يلي:
1 -
إن اعتقادنا في أم المؤمنين أنها بشر يخطئ ويصيب فهي امرأة تغار كغيرها من النساء إلا أن لها فضلًا عليهن بتفضيل الله لها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام، ولكنها مع هذا الفضل ليست معصومة.
2 -
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الطبيعة من النساء، ولذلك حال بينها وبين أبي بكر، ثم إنه في الرواية أن أبا بكر دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكها، فقال: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما.
(1) صحيح. أخرجه النسائي في الكبرى (5/ 9)، والطحاوي في مشكل الآثار (4628)، والبزار في المسند (3275) وأحمد (4/ 275)، من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث به وأبو داود (4999) من طريق حجاج بن محمد المصيصي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق به، وأحمد (4/ 272، 271) من طريق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن العيزار، صحح إسناده الحافظ في الفتح (7/ 27)، وصححه الألباني في الصحيحة (2901).
3 -
ثم لو فرض أن هذا ذنب فقد تابت منه ورضي عنها الله ورسوله، ومن رحمة الله بنا أن من أذنب ثم تاب وعمل صالحًا تاب الله عليه وبدل سيئاته حسنات وإن رغمت بذلك أنوف.
4 -
ثم كيف تحاسبونها الآن على سوء الخلق وأنتم الذين تقولون أنه تزوجها طفلة؟ أليس من الممكن أن يكون هذا القول في هذه الطفولة المزعومة؟ فما هو موقفكم بالضبط؟ هل هو الطعن فيها بسوء الخلق، أم هو الدفاع عنها بأنها طفلة؟
ثم كيف تكون طفلة وتمتلك إمكانيات تسيطر بها على عقل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإنها لو كانت طفلة لبطل ما تزعمونه في حقها، ولو كانت تمتلك هذه الإمكانيات المزعومة لبطل ما يقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتزوج الأطفال، والحق أن الكل باطل.
الحديث الثالث: عن عائشة: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا يقولا لها: "إني أعرف غضبك إذا غضبت ورضاك إذا رضيت". قالت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا غضبت قلت يا محمد وإذا رضيت قلت: يا رسول الله"(1).
والجواب من طرق:
(1) أخرجه أحمد في المسند (6/ 30) من طريق عباد بن عباد بن حبيب عن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بهذا اللفظ، وهو لفظ شاذ، وبيان ذلك أن الحديث مداره على هشام بن عروة واختلف عليه في لفظه فرواه عنه عباد بن عباد بهذا اللفظ.
وخالفه جماعة كثيرون منهم:
1 -
أبو أسامة عند البخاري (5228)، ومسلم (2438).
2 -
عبدة عند البخاري (6078).
3 -
وسلمان بن بلال عند ابن حبان (4408).
4 -
وعلي بن مسهر عند أبي يعلى (4769).
5 -
حارثة بن هرم العقيمي، عند الطبراني في الكبير (18649).
6 -
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عند الطبراني في الكبير (18647).
7 -
عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عندا الطبراني في الكبير (18648). والسياق عندهم بلفظ: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف عضبك ورضاك، قالت: قلت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: إنك إذا كنت راضية قلت: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم قالت: قلت: أجل لا أهجر إلا اسمك.
وبمخالفة هؤلاء الرواه لعباد وفيهم من هو أوثق منه يحكم على هذه الرواية بالشذوذ الذي لا يصح الاحتجاج بالرواية مع وجوده.
1 -
أن هذا لفظ شاذ فلا يصح الاحتجاج به في مقابل المحفوظ وبيانه في الحاشية.
2 -
أن هذا يخالف ما أقسمت عليه في الرواية المحفوظة التي قالت فيها: والله ما أهجر إلا اسمك.
قال ابن حجر: وقول عائشة أجل يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك
1 -
قال الطيبي: هذا الحصر لطيف جدًّا؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل:
إني لأمنحك الصدود وإنني
…
قسما إليك مع الصدود لأميل
2 -
وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودة ومحبة اهـ.
3 -
وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به كما نص عليه القرآن فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة. (1)
الحديث الرابع: وقالوا كذلك بعد ذكر الرواية السابقة وكان النبي صلى الله عليه وسلم بدوره يغضب منها، ثم ساقوا رواية هذا نصها عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأسير فلهوت عنه فذهب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعل الأسير"؟ قالت: لهوت عنه مع النسوة، فخرج فقال مالك:"قطع الله يدك أو يديك"، فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاؤوا به فدخل علي وأنا أقلب يدي، فقال:"مالك أجننت"؟ قلت: دعوت علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان، فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدًا وقال:"اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاةً وطهورًا". (2)
وهذا حديث صحيح وجواب فهمهم له ما يلي:
(1) فتح الباري (9/ 326).
(2)
مسند أحمد (6/ 52) والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 89) من طريق ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة به، وهذا إسناد صحيح.
1 -
إن النبي صلى الله عليه وسلم بشر أوحى الله إليه يغضب كما يغضب البشر كما هو منصوص عليه في الحديث، وقد جرى مثل هذه القصة لحفصة رضي الله عنها كما أخرج أحمد عن أنس بن مالك:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلًا فقال: احتفظي به. قال فغفلت حفصة ومضى الرجل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا حفصة، ما فعل الرجل قالت: غفلت عنه يا رسول الله، فخرج، فقال رسول الله: "قطع الله يدك" فرفعت يديها هكذا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما شأنك يا حفصة" فقالت: يا رسول الله، قلت قبل لي كذا وكذا فقال لها: "صُفّي يديك، فإني سألت الله عز وجل أيما إنسان من أمتي دعوت الله عز وجل عليه أن يجعلها له مغفرة" (1).
2 -
ثم إن هذا الحديث الأولى به أن يكون في مناقب عائشة رضي الله عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يجعل دعاءه على أي أحد من أمته مغفرة ورحمة وهكذا هذه الدعوة إن شاء الله لعائشة وإلا فدعاؤه صلى الله عليه وسلم مستجاب فلو لم يكن الأمر كما مر لقطعت يدها وهذا لم يحدث حتى ماتت رضي الله عنها فدل على أنها لها مغفرة ورحمة.
الحديث الخامس: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} (الأحزاب: 51)، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. (2)
والجواب: أن هذا ليس من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه من باب إظهار مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه والمعنى كما يلي:
1 -
أَيْ: مَا أَرَى الله إِلَّا مُوجدًا لمِا تُرِيد بِلَا تَأْخِير، مُنْزِلًا لمَا تُحِبّ وَتَخْتَار. (3)
2 -
وقيل: مَعْنَاهُ يُخَفِّف عَنْك وَيُوَسِّع عَلَيْك فِي الْأُمُور وَلِهَذَا خَيَّرَك. (4)
(1) مسند أحمد (3/ 141)، وإسناده صحيح، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(2)
البخاري (4788)، ومسلم (1464).
(3)
فتح الباري (8/ 526).
(4)
شرح مسلم للنووي (5/ 306).
3 -
أو: أن هذا القول كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ التَّنْفِيرِ وَالتَّقْبِيحِ لمِا رَأَتْ مِنْ مُسَارَعَةِ اللهِ تَعَالَى فِي مَرْضَاةِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَيْ كُنْتُ أُنفِّرُ النِّسَاءَ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ اللهَ عز وجل أَنَّهُ يُسَارعُ فِي مَرْضَاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَرَكْتُ ذَلِكَ لمِا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِمَرْضَاتِهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم. (1)
4 -
أما عن العبارة فهَذَا قَوْلُ أَبْرَزَهُ الدَّلَالُ وَالْغَيْرَةُ، وَهُوَ مِنْ نَوْعٌ قَوْلهَا مَا أَحْمَدُكُمَا وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا الله، وَإِلَّا فَإِضَافَةُ الْهَوَى إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرها، لِأَنَّهُ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلَا يَفْعَلُ بِالْهَوَى، وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتِكَ لَكَانَ أَلْيَقَ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إِطْلَاقُ مِثْلِ ذَلِكَ. (2)
5 -
وذلك أن الغيرة إن كانت لما في الطباع البشرية التي أيسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك. (3)
ومن أجل هذا المعنى لم يرد ذلك عليها ولا زجرها، وعذرها لما جعل الله في فطرتها من شدة الغيرة. (4)
6 -
وَقَدْ يُقَال: المُذْمُوم هُوَ الْهَوَى الْخَالِي عَنْ الْهُدَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ
…
} (القصص: 55)، وَالله تَعَالَى أَعْلَم، فَلْيُتَأَمَّلْ. (5)
ومن هذا المعنى قول عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمال الهوى فيهِ بمعنى المحبة المحمودة وعلى هذا ينبغي أن يفرق بين حالين من الهوى:
1 -
الهوى والشهوة المستقرة في النفس البشرية وهي مجبولة عليها.
(1) حاشية السندي على سنن النسائي (3199).
(2)
فتح الباري (9/ 165).
(3)
السابق (9/ 326).
(4)
شرح البخاري لابن بطال (13/ 329).
(5)
حاشية السندي على سنن النسائي (3199).
2 -
اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك.
فأما النوع الأول فليس بمذموم شرعًا ولا عقلًا
…
فأما عقلًا فلأجل أن ليس للأنسان يدٌ في ذلك البتة، فكيف يذم في شيء قد ركزت في الطباع؟ . بل، أذهب أبعد من ذلك - ولست أبالغ - إلى أن من لم يكن ذا شهوة فهو ناقص عن أقرانه، فمن لا يشتهي النساء رجل ناقص الذكورة؛ فلا يمدح بذلك عرفًا ولا يرغبه الناس، بل هو عيب يحق للقاضي أن يفرق بين الزوجين بسببه وهو ما يسمى (العنين).
فإذا كان نقص هذه الشهوة عيب، فما يقابلها كمال بشري يمدح صاحبها.
وأما وجه عدم ذمها شرعًا - أعني بذلك الشهوة المستقرة في النفس - فيدل عليه حديث عائشة قالت: كنت أغار على اللاتي يهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ ، فلما أنزل الله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} (الأحزاب: 51)، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك! ! (1). فإذا وافق الهوى الشرع فلا يذم.
وأما القسم الثاني: وهو اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك؛ فهذا هو المذموم فالنصوص جاءت بذم الاتباع للهوى لا وجود الهوى. فمن ذلك قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (ص: 26)، وهكذا جاءت بقية النصوص كلها تتفق على ذم اتباع الهوى لا مجرد وجوده، وبهذا يظهر أن كلمة عائشة رضي الله عنها هذه جارية على التفصيل السابق وعليه فإن عائشة ما قالت إلا الصواب، فالله شرع لنبيه الذي وافق مايهواه ويشتهيه، وجعله يهوى ما شرع الله له فأي سوء عبارة في ذلك؟ . (2)
(1) البخاري (4788)، ومسلم (1464).
(2)
أرشيف ملتقى أهل الحديث المنتدى الشرعي العام، مقال في خطأ شائع في رد شبهة للمستشرقين (1/ 6042) برنامج المكتبة الشاملة.
الحديث السادس: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: السام عليك، ففطنت عائشة إلى قولهم، فقالت: عليكم السام واللعنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مهلًا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقالت: يا نبي الله، أولم تسمع ما يقولون؟ قال:"أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم". (1)
وفي لفظ عند مسلم أنه قال: "يا عائشة، لا تكوني فاحشة"(2).
والجواب من وجوه: الوجه الأول: إن عائشة قالت ذلك غضبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما قالته إلا بعد أن تكرر هذا الفعل من اليهود ثلاث مرات كما تبين ذلك الرواية الصحيحة عن عائشة قالت: دخل يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السام عليك يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وعليك"، فقالت عائشة: فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فسكت، ثم دخل آخر، فقال: السام عليك، فقال:"عليك"، فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبيّ صلى الله عليه وسلم لذلك، ثم دخل الثالث فقال. السام عليك، فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير! أتحيون رسول الله بما لم يحيه الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولًا فرددنا عليهم". ورواه أبو نعيم أيضًا. (3)
الوجه الثاني: وعائشة قالت هذا من باب الانتصار، وهذا لا إثم فيه ولا عيب، قال تعالى:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (الشورى: 41).
الوجه الثالث: ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدها إلى الأفضل وهو الصبر وحسن المنطق عملًا بقول الله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43).
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معلمًا للجن والإنس، ومن الإنس أهل بيته ومنهم زوجاته رضي الله عنهن، وقد علمها الأفضل في هذا الأمر، ولا شك أنها استجابت
(1) البخاري (6395، 6256، 6030، 6024)، ومسلم (2165).
(2)
مسلم (2165).
(3)
ابن خزيمة (574، 585). قال الألباني في الصحيحة 2/ 312 (691): قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وأبو بشر الواسطي اسمه إسحاق بن شاهين وهو من شيوخ البخاري.
وتعلمت منه ما دلها عليه ولم يرد ما يدل على خلاف هذا، ففي أي شرع أو عقل أو قانون يذم من عمل سيئة من غير علم ثم أقلع عنها وامتثل للأحسن بعد علمه بكونها سيئة.
الوجه الخامس: إنها لم تكن تعلم أنهم لا يستجاب لهم في النبي صلى الله عليه وسلم فلما أعلمها بذلك هدأت وسكنت، ولعلها لم تكن فهصت كذلك أن رد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم يكفي، فلما علمت سكتت.
الوجه السادس: وأولى من هذا كله أنها هي التي روت لنا هذه القصة لنتعلم بها كيف نقول ونتصرف في مثل هذا الموقف، ولنستدل بها على مكارم الأخلاق، فلو كتمتها هل كنا نعلم هذه السنة ثم هل كان الطاعنون يعلمون ما جرى في هذه اللحظة ليطعنوا به فيها؟ ! ولهذا ينبغي أن نفهم أنها لو كانت كما يقولون لما نقلت لنا هذه الأمور ولكن حرصها على تعليم الدين كان فوق ما نتصور.
الوجه السابع: قال ابن تيمية: ومثل هذا الدعاء أذى للنبي صلى الله عليه وسلم وسب له ولو قاله المسلم لصار به مرتدًا؛ لأنه دعاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بأنه يموت وهذا فعل كافر ومع هذا فلم يقتلهم، بل نهى عن قتل اليهودي الذي قال ذلك لما استأمره أصحابه في قتله.
الحديث السابع: عن عائشة أن رجلًا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال "بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة"، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عائشة متى عهدتني فحاشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره"، وهذا حديث صحيح، ولكن القوم فهموا منه أن عائشة تصور النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثها بصورة الرجل المغتاب أو الذي يخشى من المواجهة، أو أنها كانت تريد منه أن يواجه الرجل بالكلام السيئ.
والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم الغرض منه النصيحة ليحذر السامع من هذا الداخل حيث كان منحرفًا عن الإسلام. (1) والفاسق المجاهر بمعصيته لا تحرم غيبته.
الوجه الثاني: أو أن هذا من المداراة: وهي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له. كالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه. (2)
الوجه الثالث: أن هذا الرجل كان منافقًا كما روى الحارث بن أبي أسامة فقال: حدثنا الخليل بن زكريا ثنا هشام الدستوائي عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال المرادي قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل رجل فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بئس أخو العشيرة أو بئس الرجل" فلما دنا منه أدنى مجلسه فلما قام وذهب قالوا: يا رسول الله، حين أبصرته قلت بئس أخو العشيرة أو بئس الرجل، ثم أدنيت مجلسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخشى أن يفسد على غيره". (3)
الوجه الرابع: قال الحافظ ابن حجر: قَالَ اِبْن بَطَّال: هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَحْمَق المُطَاع، وَرَجَا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ تَأَلُّفه لِيُسْلِم قَوْمه لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسهمْ، وَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ عِيَاض ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ جَازِمينَ بِذَلِكَ، وَنَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ لَكِنْ اِحْتِمَالًا لَا جَزْمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي -المُبْهَمَات- مِنْ طَرِيق عَبْد الله بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَة اِسْتَأْذَنَ عُيَيْنَة بْن حِصْن عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"بِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة" الحدِيث، وَأَخْرَجَهُ اِبْن بَشْكُوَال فِي -المُبْهَمَات- مِنْ طَرِيق
(1) التحرير والتنوير تفسير سورة الحجرات بمعناه.
(2)
كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة.
(3)
بغية الحارث (1/ 251)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (4/ 191) وقال: هذا حديث غريب من حديث عاصم وهشام تفرد به الخليل بن زكرياء.
الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَنَّ عُيَيْنَةَ اِسْتَأْذَنَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا. وقَالَ الْخَطَّابِيُّ: جَمَعَ هَذَا الْحَدِيث عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ فِي قَوْل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي أُمَّته بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفهَا إِلَيْهِمْ مِنْ المُكْرُوه غِيبَة، وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض، بَلْ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّن ذَلِكَ وَيُفْصِح بِهِ وَيُعَرِّف النَّاس أَمْره، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب النَّصِيحَة وَالشَّفَقَة عَلَى الْأُمَّة، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَم وَأُعْطِيه مِنْ حُسْن الْخُلُق أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَة وَلَمْ يُجِبْهُ بِالمُكْرُوهِ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته فِي اِتِّقَاء شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيله، وَفي مُدَارَاته لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرّه وَغَائِلَته.
قُلْت: وَظَاهِر كَلَامه أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ جُمْلَة الْخَصَائِص، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلّ مَنْ اِطَّلَعَ مِنْ حَال شَخْص عَلَى شَيْء وَخَشِيَ أَنَّ غَيْره يَغْتَرّ بِجَمِيلِ ظَاهِره فَيَقَع فِي مَحْذُور مَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَحْذَر مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَته، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَخْتَصّ بِهِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْشِف لَهُ عَنْ حَال مَنْ يَغْتَرّ بِشَخْصٍ مِنْ غَيْر أَنْ يُطْلِعهُ المُغْتَرّ عَلَى حَاله فَيذَمّ الشَّخْص بِحَضْرَتِهِ لِيَتَجَنَّبهُ المُغْتَرّ لِيَكُونَ نَصِيحَة، بِخِلَافِ غَيْر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ جَوَاز ذَمّه لِلشَّخْصِ يَتَوَقَّف عَلَى تحَقُّق الْأَمْر بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل مِمَّنْ يُرِيد نُصْحه.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي الحدِيث جَوَاز غِيبَة المُعْلِن بِالْفِسْقِ أَوْ الْفُحْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْجَوْر فِي الْحُكْم وَالدُّعَاء إِلى الْبِدْعَة مَعَ جَوَاز مدَارَاتهمْ اِتِّقَاء شَرّهمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى المُدَاهَنَة فِي دِين الله تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وَالْفَرْق بَيْنَ المُدَارَاة وَالمُدَاهَنَة أَنَّ المُدَارَاة بَذْل الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّين أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَة، وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّتْ، وَالمُدَاهَنَة تَرْك الدِّين لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْن عِشْرَته وَالرِّفْق في مُكَالمَته وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِض قَوْله فِيهِ فِعْله، فَإِنَّ قَوْله فِيهِ قَوْل حَقٌّ، وَفِعْله مَعَهُ حُسْن عَشْرَة، فَيَزُول مَعَ هَذَا التَّقْرِير الْإِشْكَال بِحَمْدِ الله تَعَالَى.
الوجه الخامس: قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ نُوزَعَ فِي كَوْن مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ غِيبَة، وَإِنَّمَا هُوَ نَصِيحَة لِيَحْذَر السَّامِع، وَإِنَّمَا لَمْ يُوَاجِه الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لِحُسْنِ خُلُقه صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ وَاجَهَ الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَكِنْ حَصَلَ الْقَصْد بِدُونِ مُوَاجَهَة. وَالجوَاب أَنَّ المُرَاد أَنَّ