الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلعوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا حربًا فأطفأها الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين، فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا".
فلما قرأ الكتاب قال: ما ترون في هؤلاء؟ فقال يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام، فتكفيكهم طواغيتها، ودفع وائل كتاب شريح إليه، فقرأه وهو:
(بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من شريح بن هانئ، أما بعد؛ فقد بلغني أن زيادًا كتب إليك بشهادتي على حجر، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن النكر، حرام المال والدم، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه).
وكتب معاوية إلى زياد بحيرته في أمر حجر وأصحابه، وزياد يرد عليه بطلب عقابهم فقرأ كتابه على وائل، وقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم. فحبس القوم بعد هذا، وكتب إلى زياد:(أما بعد؛ فقد فهمت ما اقتصصت من أمر حجر وأصحابه والشهادة عليهم، فأحيانًا أرى أن أقتلهم أفضل، وأحيانًا أرى أن العفو أفضل من قتلهم).
فكتب زيادٌ إليه مع يزيد بن حجية التيمي: قد عجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم مع شهادة أهل مصرهم عليهم، وهم أعلم بهم؛ فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المصر فلا تردن حجرًا وأصحابه إليه.
فمر يزيد بحجر، وأصحابه فأخبرهم بما كتبه زياد، فقال له حجر: أبلغ أمير المؤمنين أنا على بيعته لا نقيلها، ولا نستقيلها، وإنما شهد علينا الأعداء والأظناء.
فقدم يزيد بن حجية على معاوية بالكتاب، وأخبره بقول حجر.
فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر
. وكتب جرير بن عبد الله في أمر الرجلين اللذين من بجيلة، فوهبهما له وليزيد بن أسد، وطلب وائل بن حجر في الأرقم الكندي، فتركه
وطلب أبو الأعور في عتبة بن الأخنس فوهبه له، وطلب حمزة من مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له، وطلب حبيب بن مسلمة في عبد الله بن جؤية التميمي فخلى سبيله.
فقام مالك بن هبيرة، فسأله في حجر فلم يشفعه؛ فغضب، وجلس في بيته. وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي، وآخر معهما يقال له: أبو صريف البدري، فأتوهم عند المساء، فقال الخثعمي حين رأى الأعور: يُقتَل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعيد بن نمران: اللهم اجعلني ممن ينجو، وأنت عني راضٍ. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن يكرم بهو أنهم وأنت عني راض، فطالما عرضت نفسي للقتل، فأبى الله إلا ما أراد.
فجاء رسول معاوية إليهم فإنه لمعهم إذ جاء رسول بتخلية ستة منهم وبقي ثمانية. فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم هذا تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وأمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك فابرءوا من هذا الرجل يخل سبيلكم. قالوا: لسنا فاعلين؛ فأمر بقيودهم فحلت، وأتي بأكفانهم فقاموا الليل كله يصلون. فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان، قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق. فقالوا: أمير المؤمنين كان أعرف بكم. ثم قاموا إليهم وقالوا: تبرءون من هذا الرجل؟ قالوا: بل نتولاه، فأخذ كل رجل منهم رجلًا يقتله، فوقع قبيصة في يدي أبي صريف البدري، فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك أمينٌ، أي آمِنٌ فليقتلني غيرُك، فقال: برَّتك رحم. فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي صاحبه، ثم قال لهم حجر: دعوني أصلي ركعتين، فإني والله ما توضأت قط إلا صليت، فقالوا له: صل، فصلى ثم انصرف، فقال: والله ما صليتُ صلاةً قط أقصر منها، ولولا أن يروا أن ما بي جزعٌ من الموت لأحببتُ أن أستكثر منها، ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة قد شهدوا علينا، وإن أهل
الشام يقتلوننا (1)، أما والله لئن قتلتمونا فإني أول فارسٍ من المسلمين سلك في واديها، وأول رجلٍ من المسلمين نبحته كلابها، فمشى إليه هدبةُ بنُ الفياض الأعورُ بالسيف، فأرعدت خصائله، فقال: كلا، زعمت أنك لا تجزع من الموت، فإنا ندعك، فابرأ من صاحبك. فقال: ما لي لا أجزع، وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا، وإني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب، فقتله.
وأقبلوا يقتلونهم واحدًا واحدًا حتى قتلوا ستة نفرٍ، فقال عبد الرحمن بن حسان وكريم بن عفيف: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فأخبروه، فبعث: ائتوني بهما، فالتفتا إلى حجر، فقال له العنزي: لا تبعد يا حجر، ولا يبعد مثواك؛ فنعم أخو الإسلام كنت، وقال الخثعمي نحو ذلك. ثم مضى بهما، فالتفت العنزي، فقال متمثلًا:
كفى بشفاة القبر بعدًا لهالك
…
وبالموت قطاعًا لحبل القرائن
فلما دخل عليه الخثعمي قال له: الله مالله يا معاوية! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ومسئول عما أردت بقتلنا، وفيما سفكت دماءنا. فقال: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك، أتبرأ من دين عليٍّ الذي كان يدين الله به! وقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه، فقال: هو لك، غير أني حابسه شهرًا، فحبسه، ثم أطلقه على ألا يدخل الكوفة ما دام له سلطان. فنزل الموصل، فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة، فمات قبل معاوية بشهر.
وأقبل على عبد الرحمن بن حسان، فقال له: يا أخا ربيعة، ما تقول في علي؟ قال: أشهد أنه من الذاكرين الله كثيرًا والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والعافين عن الناس. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأرتج أبواب الحق، قال: قتلتَ نفسك، قال: بل إياك قتلتُ، لا ربيعةَ بالوادي؛ يعني أنه ليس ثَمَّ أحد من قومه
(1) وهذا على فرض صحته فيه اعتذارٌ عن معاوية رضي الله عنه فيما فعل؛ لأنه ما قتله إلا بعد شهادة أهل بلده عليه.