الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مما أفاء اللَّه عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"لا نورث، ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني واللَّه لا أغير شيئًا من صدقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت).
فقد كانت فاطمة رضي الله عنها مجتهدة في ذلك، اعتقدت أن الحق معها، ثم لما رأت من عزم الخليفة على رأيه أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك.
قال ابن حجر في توجيه اجتهادها: وأما سبب غضبها -أي فاطمة- مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله:"لا نورث"، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك. (1)
الوجه الثالث:
أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، فيكون الحق في هذه المسألة مع أبي بكر رضي الله عنه.
قال ابن تيمية:
كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلًا لما كان إلا ظنيًا فلا يعارض القطعي، إذ الظني لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصرّ أحد من أزواجه على طلب الميراث ولا أصرّ العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا فأخبر
(1) فتح الباري (6/ 202).
بقول النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير من ذلك شيئًا، ولا قسم له تركة. (1)
وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا، فقام رجل من آل علي رضي الله عنه قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه والذي ظلمني أبو بكر رضي الله عنه حين أخذ فدك من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر رضي الله عنه قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان رضي الله عنه قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب منه. . . (2)
وبتصويب أبي بكر رضي الله عنه في اجتهاده صرح بعض أولاد عليّ من فاطمة رضي الله عنها على ما روى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك). (3)
كما نقل القرطبي اتفاق أئمة أهل البيت بدءًا بعلي رضي الله عنه ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنهم ما كانوا يرون تملكها، وإنما كانوا
(1) منهاج السنة (4/ 220).
(2)
تلبيس إبليس (135).
(3)
السنن الكبرى (6/ 302)، وهو أثر إسناده حسن. وها هم رجاله: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحافظ - هو الإمام الحاكم - أنا أبو عبد اللَّه الصفار - هو محمد بن عبد اللَّه بن أحمد الإمام المحدث القدوة. سير أعلام النبلاء (15/ 437)، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي - قال أبو حاتم: ثقة صدوق الجرح والتعديل (2/ 158)، وسير أعلام النبلاء (13/ 159) ثنا نصر بن علي الجهضمي: ثقة ثبت. التقريب (7120)، وثنا ابن داود -هو عبد اللَّه بن داود بن عامر الهمداني ثقة عابد. التقريب (3297) عن فضيل بن مرزوق- صدوق يهم ورمي بالتشيع. التقريب (5437) قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن عليّ أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بمثل ما حكم به أبو بكر في فدك، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 274).