الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بنت جحش، فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تَكَلَّمُ، قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: "إنها بنت أبي بكر"(1)، وفي مسند أحمد من رواية أم سلمة أن أم سلمة قالت: فقالت أعوذ بالله أن أسوءك في عائشة. (2)
قلت: فهذا صريح في أنها ذكرت ذلك لرسول الله فيما بينه وبينها، ثم أعرض عنها، ثم قال لها بعد ذلك هذا القول، فنقلته على أنه منقبة وفضيلة لعائشة رضي الله عنها، وهو كذلك. والحمد لله.
الوجه الثاني: ويبدو كذلك من السياق أن عائشة ترى فيها فضيلة لأم سلمة على أساس أنها هي التي اختيرت من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأداء هذه الرسالة.
- وقد سبق القول بأن هذا الذي جرى بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنما باعثه الغيرة التي باعثها حب النبي صلى الله عليه وسلم، والتنافس الشريف على قلبه ووده، على أن الغيرة طبعية لا لوم فيها إكرامًا للمرأة في الإسلام.
- لا يوجد في سياق القصة ما يدل على سوء العلاقة بينهما، أو أن أم سلمة لم تكن ترتاح لعائشة رضي الله عنهن جميعًا.
- ثم إن عائشة هي التي روت القصة فلو كان فيها شيء يسيء إليها وهي على سوء لما نقلته، فلما نقلته قلنا: إما أن يكون فيه شيء ضدها أولا، فإن لم يكن وهذا واضح فهذا أدلُّ على نبلها وحرصها على تبليغ دين الله للناس؛ لما في هذه القصة من فوائد تدل على فضيلة لعائشة وأم سلمة، ويظهر من السياق كذلك أن أم سلمة لم تكن هي المنفردة بهذا الطلب، وفي مسند أحمد أن أم سلمة هي التي روت القصة، ونفس الكلام يقال فيها كما قيل في عائشة بل أوضح.
ولهم شبهة أخرى على هذا الحديث وهي كيف ينزل القرين على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ثوب عائشة
؟
والرد على ذلك من وجوه:
(1) البخاري (3564، 2442).
(2)
مسند أحمد 6/ 293.
أولًا سياق الحديث: قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال:"يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". (1)
ثانيًا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها".
1 -
نعلم أولًا أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسنة تفسر بعضها بعضًا، والسنة أيضًا تفسر القرآن كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وحرف (في) هو الذي يسبب للنصارى سوء فهم بسبب ضعفهم اللغوي، فقد قال فرعون عن السحرة:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (طه: 71)، ومن الطبيعي ألا يقول عاقل: إن السحرة صلبهم فرعون في داخل النخل، ولكن (في) هنا تعنى: على النخل.
2 -
أطلق القرآن على النساء والرجال لفظ لباس: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187)، ولا يعني هذا أن المرأة بنطلون للرجل أو أن الرجل فستان للمرأة كما يفهم النصارى وطبيعي أن المفهوم من الآية: أنه كما تستر الملابس الجسد فإن المرأة تستر زوجها من الزنا والمعاصي، وكذلك الرجل يستر زوجته ويعفها.
3 -
لكي نفهم معنى: "في ثوب عائشة" لابد من البحث عن القصة بكل ملابساتها وظروفها في أحاديث أخرى في النقاش الذي كان بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونسائه وهنا يتضح لنا المقصود والمعنى، فبعض الأحاديث وردت بلفظ لباس وبعضها بلفظ لحاف، ومن هنا يتضح أن المقصود بالثوب هو اللحاف وهو الغطاء أو السترة؛ لأن كل نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن سترة، ولكن لم يأتِ الوحي إلا في بيت عائشة وهذا لفضلها ومن مناقبها رضي الله عنها.
4 -
وعلى هذا نفهم من الحديث أن أم المؤمنين السيدة عائشة هي الوحيدة من زوجات
(1) رواه مسلم (3564).
النبي صلى الله عليه وسلم التي كان ينزل الوحي عليه وهو نائم بجانبها في الفراش، أو بمعنى آخر في فراشها دون وضع جماع، وفي اللغة العربية من الممكن التعبير بالجزء عن الكل إذا اعتبرنا أن الثياب ملازم للمرء وملامس لجسده، وكذلك الفرش واللحاف لا يستغنى عنه المرء ودائمًا ما يتردد عليه المرء للنوم ويكون مهادًا ورداءً لجسده.
ثالثًا: من خلال هذا التقرر نفهم أن معنى الثياب أو اللحاف ما يتغطى به الرجل مع امرأته حال النوم، وإنما نسب إلى عائشة وإن كان ملكًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن له أكثر من زوجة، فمن اللائق أن ينسب اللحاف الذي يتغطى به مع كل واحدة إليها، وفي وضع النوم تحت اللحاف نزل الوحي وهذه فضيلة لعائشة رضي الله عنها.
5 -
ويبقى لنا سؤال: كيف خلع المسيح ثيابه ونشف قدم التلاميذ وبقى عريانًا؟
هل هذا يليق برب خالق ومعبود؟ ! وإليكم النص من إنجيل يوحنا 13/ 5: (ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها).
الرواية الخامسة من الروايات التي يرون فيها دليلًا على سوء الأخلاق في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة قالت: كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند جنح الليل، قالت: فذكرت شيئًا صنعه بيده، قالت: وجعل لا يفطن لأم سلمة، - قالت: وجعلت أومئ إليه حتى فطن، قالت أم سلمة: أهكذا الآن؟ أما كانت واحدة منا عندك إلا في خِلَابَةٍ (1) كما أرى؟ وسبت عائشة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينهاها فتأبى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"سيبها"، فسبتها حتى غلبتها، فانطلقت أم سلمة إلى عليّ وفاطمة فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم وقالت لكم، فقال عليّ لفاطمة: اذهبي إليه فقولي: أن عائشة قالت لنا وقالت لنا، فأتته فذكرت ذلك له، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"إنها حِبَّةُ أبيك ورب الكعبة"، فرجعت إلى عليّ فذكرت له الذي قال لها، فقال: أما كفاك إلا أن قالت لنا عائشة وقالت لنا، حتى أَتَتْكَ
(1) الخلابة: الخديعة.
فَاطِمَةُ فقلت لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة. (1)
والجواب من وجوه:
1 -
الحديث بهذا السياق منكر كما قال ابن كثير رحمه الله: وعلي بن زيد ضعيف، وأم محمد مجهولة، وقد اضطرب فيه فجعل القصة مرة مع زينب ومرة مع أم سلمة.
2 -
وعلى فرض أنه صحيح فالجواب عليه من وجوه:
أحدها: أن الحامل لزينب على هذا هو الغيرةُ؛ وقد سبقت الإجابة عنها.
فالغيرة الزوجية غريزة أو عاطفة في الرجال والنساء، وهي فيهن أشدُّ ولاسيما إذا تعددن عند الرجل. ولئن كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن يغرن من عائشة لعلمهن أنها الأحب إليه فلهي كانت أشدهن غيرة، حتى كانت تغار من خديجة وهي لم ترها، وفي كتب السيرة والسنة أحاديث كثيرة تتحدث عن غيرة عائشة، وغيرة بقية نسائه .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج كل ذلك بالصبر والأناة والحلم والتسامح.
ثانيهما: أن المراد بالسب ما يناسب أهل الفضل إذا اختلفوا؛ كما يقول أحدهم: هذا ظلم أو اتق الله وقد أخذت ما لا يحل لك، أما السب الذي يحدث بين السوقة والعامة فيستحيل أن يكون في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعلى مرأى منه ومسمع، وقولها:(حتى أَنْحَيْت (2) عليها) أي: بالغت في جوابها وأفحمتها. (3)
3 -
إن عائشة لم تتكلم حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن تنتصر، ولما انتصرت
(1) إسناده ضعيف. مسند أحمد 6/ 130 وأبو داود (4898) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه، فذكرَتْه، وفي رواية أزهر ومعاذ بن معاذ قالوا: زينب بنت جحش بدل أم سلمة. قال الألباني في الضعيفة (3342): وإسناده ضعيف، لضعف ابن جدعان، ثم هو شيعي متهم بالرفض من يزيد بن زريع، فعلى كل حال لا تقبل روايته في مثل هذا، وامرأة أبيه أم محمد مجهولة لم يوثقها أحد، وقال ابن كثير 7/ 212: هكذا ورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالبًا، وهذا فيه نكارة، وقال المنذري: علي ابن زيد ابن جدعان لا يحتج بحديثه وأم ابن جدعان هذه مجهولة. اهـ عون المعبود 13/ 165.
(2)
وانتحيت لفلان أي: عرضت له .. وانْتَحاه أَي: اعْتَمَدَه بالكلام وقَصَده .. قال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية، والمشهور بالثاء المثلثة والخاء المعجمة والنون، لسان العرب لابن منظور؛ (نحا) 15/ 311.
(3)
حاشية السندي على سنن النسائي 5/ 366.
كان ذلك شبيها بالمناظرات بين أهل العلم وقد كان بكل أدب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الصحيحة:"إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها وحسن منطقها، قال ابن الملك وفي الحديث دلالة على جواز الانتقام بالحق لكن العفو أفضل لقوله تعالى:{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} . (1)
وفي قوله: "إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها ومتانة عقلها حيث صبرت إلى أن ثبت أن التعدي من جانب الخصم ثم أجابت بجواب إلزام. (2)
4 -
وجاء في الرواية الصحيحة التي وقدت مع زينب رضي الله عنها ما يدل على الإنصاف والعدل وسمو الأخلاق من عائشة رضي الله عنه؛ حيث قالتْ قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أرَ قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله عز وجل، ما عدا سَوْرَة (3) من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة.
5 -
إن الرد الذي وقع من عائشة على زينب في الرواية الصحيحة كان بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ردًا مؤدبًا، ومع ذلك فهو من باب الانتصار الذي قال الله فيه:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} .
6 -
قوله: "لا يكره أن انتصر" ليس فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة، ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها. (4)
وخلاصة القول: إن هذا السياق منكر لا يصح، وما وافق منه الحديث الصحيح فهو في الرد على زينب وتوجيهه ما سبق. والله أعلم.
* * *
(1) تفسير حقي 13/ 119.
(2)
حاشية السندي على سنن النسائي 5/ 366.
(3)
سَوْرَة بِسِينٍ مَفْتُوحَة وَسُكُون وَاو فَرَاءٍ فَهَاء أَيْ ثَوَرَان وَعَجَلَة (مِنْ حِدَّة).
(4)
شرح مسلم للنووي (15/ 207).