الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على طائفة وأمكن دفع البغي بلا قتال لم يجز القتال، فلو اندفع البغي بوعظ أو فتيا أو أمر بمعروف لم يجز القتال، ولو اندفع البغي بقتل واحد مقدور عليه أو إقامة حد أو تعزيز مثل قطع سارق وقتل محارب وحد قاذف لم يحز القتال، وكثيرًا ما نثور الفتنة إذا ظلم بعض طائفة لطائفة أخرى فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز القتال، وليس في الآية أن كل من امتنع من مبايعه إمام عادل يجب قتاله بمجرد ذلك، وإن سمى باغيًا لترك طاعة الإمام فليس كل من ترك طاعة الإمام يقاتل.
والصديق قاتل ما نعي الزكاة لكونهم امتنعوا عن أدائها بالكلية فقوتلوا بالكتاب والسنة وإلا فلو أقروا بأدائها وقالوا لا نؤديها إليك لم يجز قتالهم عند أكثر العلماء وأولئك لم يكونوا كذلك، ولهذا كان:
3 -
القول الثالث: في هذا الحديث حديث عمار إن قاتل عمار طائفة باغية ليس لهم أن يقاتلوا عليًا ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته، وإن لم يكن على مأمورًا بقتالهم ولا كان فرضًا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام، وإن كان كل من المقتتلتين متأولين مسلمين مؤمنين وكلهم يستغفر لهم ويترحم عليهم عملًا بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . (1)
ثالثًا: خبر التحكيم وبراءة الصحابة الكرام مما نسب إليهم من الأباطيل في هذا الخبر:
ذكر الرواية في ذلك.
قال الطبري: قال أبو مخنف حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول: إنك صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنت أسن مني فتكلم وأتكلم، فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع عليّ. قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية
(1) منهاج السنة (4/ 407) وما بعدها.
فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرًا على عبد اللَّه بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: رأي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا، فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت، فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق، فتكلم أبو موسى، فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفقا على أمر نرجو أن يصلح اللَّه عز وجل به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر يا أبا موسى، تقدم فتكلم، فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك واللَّه إني لأظنه قد خدعك! إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده. فإن عمرًا رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك. وكان أبو موسى مغفل، فقال له: إنا قد اتفقنا، فتقدم أبو موسى فحمد اللَّه عز وجل وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأي ورأي عمرو عليه وهو أن نخلع عليًا ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا، ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص، فقام مقامه فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب دمه، وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك -لا وفقك اللَّه- غدرت وفجرت. إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، وحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم وكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدهر ما أتى، والتمس أهل الشام أبا موسى، فركب راحلته ولحق بمكة.
قال ابن عباس: قبح اللَّه رأي أبي موسى! حذرته وأمرته بالرأي في عقل، فكان أبو موسى
يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعمرًا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبًا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليًا، وابن عباس والأشتر، وحسنًا، وحسينًا. (1)
والجواب: الرواية منكرة، وإسنادها واه. وفيها ما يلي:
1 -
الانقطاع: لأن الطبري لم يذكر من حدثه عن أبي مخنف، وبينه وبين أبي مخنف اثنان أو ثلاثة.
2 -
لوط بن يحيى، أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال بن عدى: شيعي محترق صاحب أخبارهم. (2)
3 -
أبو جناب الكلبي، ضعيف، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس ولم يصرح (3)، وقال ابن سعد: أبو جناب الكلبي واسمه: يحيى بن أبي حية، وكان ضعيفًا في الحديث. (4)
4 -
والحكاية مرسلة، أبو جناب لم يشهد الحدث، والمرسل ضعيف لا تقوم به الحجة.
هذا، وللرواية طريق آخر عند ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر ابن عبد اللَّه بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة عن عمرو بن الحكم بنحوه. (5)
وهذا إسناد يزيد الأول ضعفًا ويؤكد على رد روايته؛ لأن متابعة الكذابين لبعض تؤكد كذبهم كما أن متابعة المقبولين والثقات لبعض تؤكد صحة الرواية، وإليك ما فيه:
(1) تاريخ الطبري (3/ 112).
(2)
لسان الميزان (4/ 492).
(3)
تقريب التهذيب (7537).
(4)
الطبقات الكبرى (6/ 360).
(5)
السابق (4/ 256).