الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأقوال علماء المسلمين كثيرة في هذا الباب، وكلها متضافرة على كفر من رمى الصديقة بما برأها الله منه، أو نسبها إلى الفاحشة - عياذا بالله - متبعين لكتاب ربهم الذي قرر أن الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم التي دلت دلالة قطعية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الصديقة الطيبة عائشة حبًا شديدا، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيبًا. (1)
الوجه الثالث: الإجابة على أسئلة المعترض:
1 -
لماذا طلبت عائشة الذهاب إلى بيت أبويها لتمرض هناك، والاستدلال بذلك على أنها لم تتأثر بالحادث لأن لها شخصية قوية؟ ولماذا أعرض عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعول على حسن الظن كبقية المؤمنين؟ وما هو سر تدخل الله العجيب في هذه المراهقة؟
والجواب في نقاط:
1 -
لم يقل صلى الله عليه وسلم: بحسن الظن لشدة غيرته صلى الله عليه وسلم، والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن.
ب - إن قول أولئك الأصحاب رضي الله عنه: سبحانك هذا بهتان عظيم. لم يكن ناشئًا إلا عن حسن الظن ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يحسم القال والقيل ولا يرد به شيء من الأباطيل.
ولا ينبغي من يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن. (2)
ج - لم يكن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إعراضًا كليًا، وإنما كان من هديه مُلَاطَفَة الزَّوْجَة وَحُسْنُ مُعَاشَرَتهَا وَالتَّقْصِير مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ إِشَاعَة مَا يَقْتَفِي النَّقْص وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّق، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ تَتَفَطَّنَ لِتَغْيِيرِ الحْال فَتَعْتَذِر أَوْ تَعْتَرِف.
د - وفي هذا الهدي إِشَارَةٌ إِلَى مَرَاتِبِ الهجْرَانِ بِالْكَلَامِ وَالمُلَاطَفَةِ، فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُحَقَّقًا فَيُتْرَكُ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَيُخَفَّفُ، وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَحْسُن التَّقْلِيلُ
(1) المصدر السابق نقلًا عن: أوجز الخطاب في بيان موقف الشيعة من الأصحاب.
(2)
روح المعاني (18/ 425).
مِنْهُ لَا لِلْعَمَلِ بِمَا قِيلَ، بَلْ لِئَلَّا يُظَنّ بِصَاحِبِهِ عَدَمُ المُبَالَاةِ بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ. (1)
هـ - لقد فاجأت هذه الحادثة سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طور من إنسانيته العادية فأخذ يتصرف ويفكر كأي أحد من الناس في حدود العصمة المعروفة للأنبياء، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول ولا قصد ملفق كاذب، فأخذ يقلب الأمر على وجوهه ويستعين في ذلك بمشورة أولى الرأي من أصحابه. (2)
وقال حسين الموسوي: إن المتتبع لقصة الإفك يتضح أمامه صورة كاملة للحرية التامة التي كان المسلمون يتمتعون بها في الفكر والتعبير والكلام،
…
وهنا فريد أن نستنتج شيئًا أهم من هذه الحادثة، وهو: أن المجتمع الذي يصل فيه التعبير عن الرأي وحرية الكلام سواء أكان ذلك صحيحًا أو سقيمًا إلى هذه المرحلة بحيث لا يرعى في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنقذهم من الضلال والهلاك وهداهم إلى خير الدنيا والآخرة وخير البركات حتى أن نزلت آيات التأديب بحق الناس في ذلك المجتمع، هل يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل مجتمعًا مثل اهذا على أمر وهو مكره عليه إلا إذا كان ذلك الأمر من الله وبنص من كتابه، فحينئذ كانت الحريات الفكرية والاجتماعية كلها تتبخر أمام الأوامر الإلهية ويصبح الفرد والمجتمع أمام أوامر الله ونواهيه عبادًا مطيعين منقادين لا يسعهم إلا الامتثال لأمره والعزوف عن نواهيه. (3)
وأما انتقالها إلى بيت أبويها فلم يكن لتمرض هناك، بل طلبت الذهاب بعد أن نقهت من مرضها وسمعت بالخبر من أم مسطح لتستيقن الخبر من قبل أبويها؛ لأنه لا يليق بها أن تسأل زوجها عن ذلك، كما قالت هي عن نفسها في سياق القصة: وأنا حينئذ أربد أن أستثبت الخبر من قِبَلهما.
ز - وقولهم لم تتأثر بذلك لقوة شخصيتها: كذب لما يلي:
(1) فتح الباري (8/ 329).
(2)
فقه السيرة للبوطي (211).
(3)
الشيعة والتصحيح (1/ 25 - 28).