الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
153 - باب في المُشْركِ يُسْهَمُ لَهُ
2732 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ ويَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قالا: حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ مالِكٍ، عَنِ الفُضيْلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيارٍ، عَنْ عُرُوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَ يَحْيَى: إَنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِحَقَ بِالنَّبي صلى الله عليه وسلم لِيُقاتِلَ مَعَهُ فَقالَ: "ارْجِعْ". ثُمَّ اتَّفَقا فَقالَ: "إِنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ"(1).
* * *
باب المشرك يسهم له
[2732]
(حدثنا مسدد) بن مسرهد (ويحيى بن معين) بفتح الميم، ابن عون بن زياد بن بسطام البغدادي الحافظ مولى الجنيد بن عبد الرحمن (قالا: حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن مالك، عن الفضيل) بن أبي عبد الله مولى المهدي، يعد في أهل المدينة (عن عبد الله بن نِيَار) المدني، مات سنة 137 (عن عروة) بن الزبير.
(عن عائشة، قال يحيى) بن معين (إن رجلاً من المشركين) هو خبيب ابن يساف، وقد أسلم وحسن إسلامه، ذكره الواقدي، والبخاري في "تاريخه الكبير"(2) كما نقله أبو زرعة في "المبهمات"، وعن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب، عن أبيه، عن جده خبيب بن يساف قال: أقبلت أنا ورجل من قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوًا فقال: "أسلمتما؟ " فقلنا: لا. فقال: "فإنا لا نستعين بالمشركين"(3).
(1) رواه مسلم (1817).
(2)
"التاريخ الكبير" 2/ 327.
(3)
أخرجه أحمد 3/ 454، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" 9/ 37.
ويجمع بينه وبين هذا الحديث بما ذكره البيهقي عن نص الشافعي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه. وفيه نظر من جهة التنكير في سياق النفي، ومنها أن الأمر فيه إلى رأي الإمام، وفيه نظر بعينه، ومنها أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، وهذا أقربها، وعليه نص الشافعي رضي الله عنه (1).
(لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل معه، قال: ارجع) ورواية مسلم (2) عن عائشة [رضي الله عنها](3): خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر، فلما كان بحدة الوبرة- بفتح الباء- موضع بقرب المدينة أدركه رجل قد كان يذكر منه جُرْأة ونَجْدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأتبعك ولأصيب معك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا. قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
(ثم اتفقا) يعني: يحيى ومسدد (فقالا: إنا لا نستعين بمشرك) يعارضه ما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بعدم الاستعانة بالمشركين للحديث، ولقوله تعالى:{وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (4)، وبقوله تعالى:{لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} (5).
وأخذ طائفة بالاستعانة لحديث ويؤيده: أن اليهود الذي غزا بهم
(1)"الأم" 4/ 261.
(2)
"صحيح مسلم"(1817).
(3)
ساقطة من (ل).
(4)
الكهف: 51.
(5)
المائدة: 51.
رسول الله صلى الله عليه وسلم هم يهود بني قينقاع، وكان ذلك بعد (1) بدر، كذا ذكره الشافعي في "سير الواقدي" من "الأم" (2). قال: إن ذلك كان بعد بدر بسنتين في غزوة حنين (3). قال: وكانوا أشداء وكانت حنين كما قال في سنة ثمان، وعضده بأن صفوان شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا بعد الفتح، وصفوان مشرك، وفي هذِه الغزوة استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان سبعين درعًا.
وإذا كان كذلك فهو متأخر عن الحديث الأول، والمتأخر رافع لحكم الأول.
وبعضهم أعرض عن ذلك لاقتضائه النسخ، ولا حاجة إليه؛ لإمكان الجمع بينهما كما سيأتي، فالاستعانة ليست متجهة إذا جوزناها، فيفعل في بعض الغزوات، ويترك في بعض.
وقدر الإمام في قوله: لن (4) أستعين بمشرك الآن. يعني في هذِه الغزوة. واستدل الماوردي (5) لذلك من جهة القياس بأنهم خول (6) كالعبيد فجازت الاستعانة بهم والاستخدام، ولأنهم إن قتلوا فعلى شرك وإن قتلوا المشرك فلم يكن (7) للمنع وجه، قال: ولم نتخذهم
(1) في (ر): يوم، والمثبت من (ل).
(2)
"الأم" 4/ 261.
(3)
كذا بالنسخ، وفي "الأم" خيبر. وهو المناسب للسياق.
(4)
زيادة من (ل).
(5)
"الحاوي" 14/ 131.
(6)
سقط من (ر).
(7)
زيادة من (ر).
عضدًا فيمنع بالآية، وإنما اتخذناهم خدمًا ولم نتخذهم أولياء، وأما ترك استعانته بهم في بدر فلأنه لم يأمنهم، وهكذا حكم من لم يؤمن.
نعم، قد تعرض البيهقي لمناقشة الشافعي رضي الله عنه في ذلك، وإن كان ناصر مذهبه بالحديث فقال: أما غزوه بيهود بني قينقاع فإني لم أجده إلا في حديث الحسن بن عمارة وهو ضعيف (1). وروى بإسناد أصح منه أنهم خرجوا يعينونه، فقال:"ارجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين" وعبد الحق يقول في "الأحكام"(2): إن أبا داود ذكر في "المراسيل"(3) عن يزيد ابن يزيد بن جابر، عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في غزوة فأسهم لهم.
وقال الشافعي وآخرون: إن كان (4) الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم له، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والجمهور، وقال الزهري والأوزاعي: يسهم له (5).
* * *
(1)"سنن البيهقي الكبرى" 9/ 36.
(2)
"الأحكام الوسطى " 3/ 80.
(3)
"المراسيل"(281).
(4)
زيادة من (ل).
(5)
انظر: "شرح مسلم" 12/ 199.