الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صناعة التعليم كما قال الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يشهد إلا بما يتيقنه كما يتيقن الشمس لقوله: "على مثلها فاشهد أو دع".
ومن فوائده: أنه لا تجوز الشهادة بغلبة الظن وإن قوي، وقد سبق لنا أنه إذا رأى شيئا تقوى به غلبة الظن فإنه يشهد بما رأى، والحاكم له أن يتصرف، ومثلنا لذلك برجل خرج من دكان وفي يده صره لكنه لا يعلم الذي فيها وادعى صاحب الدكان أنه حق لهذا الرجل الذي بيده الصرة قضاه، فهل يشهد بذلك مع أن ظاهر الحال والقرينة أنها هي الدراهم التي عليه؟ لكن نقول: لا يشهد، ولكن يشهد بما رأى.
ومن فوائد الحديث: تعظيم أمر الشهادة وأنه يجب فيها التثبت، ولاسيما إذا كانت في أمر خطير، فإنه كلما عظم الخطر في المشهود به تعين التثبت أكثر مع أن الأمر اليسير له حقه في التحري، أي: تحريم الشهادة على ما لا يعلم، وما أسكر كثيره فقليله حرام، يعني: أن الإنسان ربما يشهد بالشيء اليسير ويقول: هذا أمر يسير أو سهل أنا أشهد وهذا ضمن المشهود عليه يقول هذا أمر نقول هذا يجره إلى الشهادة بما هو أكبر.
القضاء باليمين والشاهد:
1347 -
وعنه رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيني وشاهد» . أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال:«إسناده جيد» .
1348 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان.
"قضى" بمعنى: حكم، والقضاء هنا قضاء شرعي، وقوله:"بيمين" أي: من المدعي، و"شاهد" على ما ادعى، "شاهد"، أي: شاهد واحد، وهذا يقتضي أنه ذكر الآن شاهد اسم فاعل مذكر فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بيمين ورجل واحد.
وهذا الحديث اختلف العلماء في تخريجه، أما صحته فصحيح؛ لأنه أخرجه مسلم، وقد جوده النسائي فهو صحيح، لكن حكمه قال بعض أهل العلم: إنه غير مقبول؛ لأنه خبر آحاد،
والقرآن ظاهره يعارضه لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282]. ولم يقل: رجل ويمين، وعلى هذا فيكون غير مقبول لمعارضته القرآن، ولكن الصحيح أن الحديث صحيح السند والمتن وأنه يجب العمل به، وأن هذا القضاء موافق للقياس تماما؛ وذلك لأنه إذا شهد مع المدعي شاهد واحد قوى جانبه بلا شك لكن الشاهد الواحد لا يقوى على ثبوت الحكم، فأكد ذلك بيمين المدعي، واليمين إنما تكون في جانب أقوى المتداعيين ليست على المدعى عليه دائما، بل قد تكون في جانب المدعي إذا قوى جانبه، وهذا المدعي الذي أقام شاهدا قوي جانبه، فلما قوي جانبه بدعواه أكدت هذه القوة باليمين، كذلك المدعى عليه، فلو ادعى شخص على آخر بشيء وأنكره فإننا نحكم ببراءة المدعى عليه بيمينه؛ وذلك لأن جانبه أقوى؛ حيث إن الأصل عدن ثبوت ما ادعاه المدعي، فيكون هذا الحديث موافقا تماما للقياس.
وأما إذا أقام المدعي شاهدين فإننا نحكم له بذلك وإن لم يحلف؛ لأنه لا يحتاج إلى اليمين لما تم النصاب.
وخلاصة القول: أن هذا الحكم مطابق للأصول تماما، ووجه المطابقة أن المدعي لما أقام الشاهد قوى جانبه، والقياس أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين سواء كان هو المدعي أو المدعى عليه، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المنكر إذا لم يقم المدعي بينة لقوة جانبه بالأصل، فإن الأصل عدم صحة ما ادعى عليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في القسامة في جانب المدعين؛ لأن جانبهم قوي بالعداوة التي كانت بينهم وبين المدعى عليهم.
والقسامة أن يدعي قوم على قبيلة أخرى أنهم قتلوا صاحبهم وبين القبيلتين عداوة، فهنا إذا حلف خمسون من المدعين على عين المدعى عليه حكم بأيمانه بدون أن يقيموا أدنى بينة.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن الآية؟
نقول: إن الآية ليست في الحكم، الآية في الاستشهاد، فالمطلوب من الإنسان إذا استشهد أن يستشهد برجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، حتى لا يحتاج فيما بعد إلى اليمين، لأنه لو استشهد واحدا احتاج إلى أن يحلف معه ليثبت ما ادعاه، لكن إذا استشهد اثنين لم يحتج إلى اليمين، فالآية في الابتداء؛ أي: في الاستشهاد وليست في الأداء، أي: في أداء الشهادة، ولما انفكت الجهة انفك التعارض، فلم يكن بين الآية والحديث أي تعارض، لأن كل واحد منهما له جهة.
فالإنسان عند إثبات الحقوق نقول له: اختر أعلى المراتب، وهي: أن نستشهد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ألم تروا إلى الرهن إذا كان الإنسان في السفر ولم يجد كاتبا
وأراد أن يأخذ رهنا يوثق دينه، قال الله تعالى:{فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]. لأنه لا يتم توثيق الدين إلا إذا قبض الرهن، فلذلك أرشد الله تعالى إلى أعلى الحالين وهي الرهن المقبوض، ومع أن الرهن يثبت ويلزم وإن لم يقبض على القول الراجح.
إذن يستفاد من هذا الحديث: جواز الحكم بالشاهد الواحد بالإضافة إلى يمين المدعي، ولكن هل نبدأ بالشاهد أو نبدأ باليمين؟ نقول: ما دمنا قلنا: إن اليمين شرعت لقوة جانب المدعي فإننا نبدأ بالشاهد أولا فنقول: أشهد فإذا شهد قلنا للمدعي: احلف على ما شهد به فإذا حلف حكمنا له بذلك، وهذا الحكم في الأموال وغير الأموال، يعني: في كل شيء حتى لو ادعى عليه ما يوجب القصاص.
يقول العلماء: هذا في الأموال فقط أما ما يوجب القصاص فلابد فيه من التحري وأن يكون ذلك بشهادة رجلين.
وبمناسبة هذا الحديث ينبغي أن نبين أن البينات في الشهود تنقسم إلى أقسام:
الأول: ما يشترط فيه أربعة رجال عدول، وذلك في الزنا واللواط والإقرار بهما، فلابد من أربعة شهود عدول كما قال الله تعالى:{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]. وعلى هذا فلو شهد أربع نساء على زنا رجل أو امرأة لم تقبل شهادتهم، ولا ثمان نساء ولا ثمانين امرأة، لا تقبل لابد من أربعة رجال عدول:{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات} [النور: 6].
الثاني: ما يشترط فيه ثلاثة رجال وهو من سأل لعثرته بعد اشتهاره بالغنى، رجل مشهور بالغنى ثم جاء يسأل من الزكاة فإننا لا نقبل منه حتى يأتي بثلاثة شهود رجال عقلاء ممن يعرفون حاله كما في حديث قبيصة:"حتى يقوم ثلاثة رجال من ذوي الحجى من قومه".
الثالث: رجلان، وذلك في الحقوق غير المالية وما يقصد به المال كحد السرقة مثلا، حد القذف، القصاص، وما أشبه ذلك، هذا لابد فيه من رجلين، وهل تقوم المرأتان مقام رجل؟ لا، أو أربع مقام رجلين؟ لا، هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شهادة ما عدا الزنا والإقرار به واللواط والإقرار به.
الرابع: رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، هذا أوسع الشهادات، وهذا في المال وما يقصد به المال، في المال كما لو ادعى شخص على أن له في ذمته ألف ريال وأتى برجلين [هل] يحكم له بذلك؟ نعم، أتى برجل وامرأتين؟ يحكم له، برجل ويمينه؟ يحكم له، هذا في المال، وأما ما يقصد به المال كالرهن، مثلا: ادعى شخص أن فلانا رهنه بيته في دين عليه وأقام شاهدين يثبت الرهن، شاهدا وامرأتين يثبت الرهن، شاهدا ويمين المدعي يثبت
الرهن، وكذلك لو ادعى أنه اشترط الخيار في البيع أو ما أشبه ذلك هذا هو المال وما يقصد به المال.
الخامس: أن يكتفي فيه بواحد من رجل أو امرأة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا كالولادة، واستهلال الحمل إذا سقط، وكذلك ما ذكره الفقهاء ما يحصل في العرف من إتلاف أموال أو شبهها، قالوا: إن هذا يكفي فيه امرأة واحدة والرجل أولى بالقبول من المرأة، وكذلك الرضاع لو شهدت امرأة أنها أرضعت هذا الطفل، أو أن فلانة أرضعت هذا الطفل يقبل فيه امرأة واحدة، والاستهلال: أن تشهد القابلة التي تولت توليد المرأة بأن الحمل استهل صارخا، فتقبل شهادتها لأجل أن يستحق من الميراث.
السادس: اليمين المجردة مع القرائن، وذلك فيما إذا قوي جانب المدعي، كما في القسامة، وكما لو ادعى شخص على آخر أن الغترة التي معه له، يعني: رأينا رجلين أحدهما هارب والثاني طالب، الهارب عليه غترة وبيده غترة والطالب ليس عليه شيء، الطالب يقول: هات غترتي، والثاني يقول: ليست لك هي بيدي، فهنا نقبل دعوى المدعي لكن باليمين لقوة جانبه.
* * * *
باب الدعاوي والبينات
قال المؤلف رحمه الله: باب الدعاوى، ويجوز الدعاوي؛ لأن فعلى تجمع على فعالي وفعالى كالفتاوى والفتاوي والصحارى والصحاري.
يقول: الدعاوى وهي جمع دعوى، والدعوى أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقا على غيره، عكسها: الإقرار، والإقرار: أن يضيف الإنسان حقا لغيره على نفسه، وبقيت الشهادة وهي أن يضيف الإنسان حقا لغيره على غيره، وهذه القسمة ثلاثة: إما أن تضيف حقا لنفسك على غيرك، وهذه دعوى، أو حقا لغيرك على نفسك فهذا إقرار، أو حقا لغيرك على عيرك، هذه شهادة.
أما البينات فهي: جمع بينة، والبينة هي: ما يظهر به الحق ويبين به الحق، وهي أقسام: إما بينات خارجية، وإما بينات حالية كالقرائن، وإما بينات على البراءة الأصلية كإنكار المنكر.
المهم: أن البينات جمع بينة، وهي ما يبين به الحق سواء كانت شهودا أو إقرارا أو إنكار أو غير ذلك، المهم أنه كل ما بان به الحق فهو بينة، ومن ذلك العمل بالقرائن، كما عمل شاهد يوسف بالقرينة فقال:{إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 26 - 27].