المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القضاء باليمين والشاهد: - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٦

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الأطعمة

-

- ‌تحريم كل ذي ناب من السباع:

- ‌تحريم كل ذي مخلب من الطير:

- ‌حكم أكل الحمر الأهلية والخيل:

- ‌حكم أكل الجراد:

- ‌حكم أكل الأرنب:

- ‌حكم النملة والنحلة والهدهد والصرد:

- ‌حكم أكل الضبع:

- ‌حكم أكل القنفذ:

- ‌النهي عن أكل الجلالة:

- ‌حل الحمار الوحشي والخيل:

- ‌حل أكل الضب:

- ‌حكم الضفدع:

- ‌خلاصة كتاب الأطعمة، وخلاصته تدور على أمور:

- ‌1 - باب الصيد والذبائح

- ‌اقتناء الكلب:

- ‌حل صيد الكلب المعلم:

- ‌فائدة: حكم التسمية عند الذبح:

- ‌حكم ما أكل منه كلب الصيد:

- ‌حكم اشتراك كلبين في الصيد:

- ‌صيد المعارض:

- ‌تنبيه:

- ‌الصيد بالسهم وحكمه:

- ‌التسمية على ما لم يسم عليه عند الذبح:

- ‌فائدة: حكم اللحوم المستوردة من بلاد الكفار:

- ‌النهي عن الحذف:

- ‌النهي عن اتخاذ ذي الروح غرضاً:

- ‌حكم ذبح الحجر وذبح المرأة الحائض:

- ‌فائدة في ذبح ملك الغير وحله:

- ‌شروط الذبح:

- ‌النهي عن قتل الدواب صبراً:

- ‌وجوب إحسان القتلة:

- ‌ذكاة الجنين ذكاة أمة:

- ‌حكم نسيان التسمية عند الذبح:

- ‌2 - باب الأضاحي

- ‌شروط الأضحية:

- ‌صفة ذبح النبي صلى الله عليه وسلم للأضحية:

- ‌حكم الأضحية:

- ‌وقت الأضحية

- ‌عيوب الأضحية:

- ‌حكم ذبح المسنة:

- ‌لا يعطي الجزار من الأضحية:

- ‌إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة:

- ‌3 - باب العقيقة

- ‌العقيقة عن الغلام والجارية:

- ‌ارتهان الغلام بعقيقة:

- ‌وقت العقيقة والحلق:

- ‌مسألة السقط وأحكامه:

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌تعريف الأيمان:

- ‌كراهة الإكثار من اليمين:

- ‌فائدة: قرن اليمين بقول: «إن شاء الله»:

- ‌شروط وجوب الكفارة:

- ‌الحلف بغير الله:

- ‌شبهة والرد عليها:

- ‌اعتبارنية المستحلف في اليمين:

- ‌من حلف فرأى الحنث خيرا كفر عن يمينه:

- ‌الحنث في اليمين على خمسة أقسام:

- ‌الاستثناء في اليمين:

- ‌تحقيق القول في تعليق الحلف بالمشيئة:

- ‌نية الاستثناء لا تغني في اليمين إلا بالتلفظ به:

- ‌لفظ يمين الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌حكم الحلف بصفة من صفاته تعالى:

- ‌اليمين الغموس من كبائر الذنوب:

- ‌لغو اليمين:

- ‌أسماء الله الحسنى:

- ‌الدعاء بخير لصانع المعروف:

- ‌حكم النذر:

- ‌كفارة النذر:

- ‌حكم نذر المعصية وما لا يطاق:

- ‌وفاء نذر الميت:

- ‌حكم نذر المكان المعين:

- ‌حكم الانتقال عن النذر إلى ما هو أفضل منه:

- ‌الوفاء بالنذر بعد الإسلام:

-

- ‌كتاب القضاء

- ‌معنى القضاء والفرق بين القاضي والمفتي:

- ‌تولي القضاء فرض كفاية:

- ‌صفة القاضي الصالح:

- ‌وجوب الحذر من تولي القضاء:

- ‌تبعات الإمارة:

- ‌حكم الحاكم أو القاضي أو المفتي المجتهد:

- ‌النهي عن الحكم حال الغضب:

- ‌لا يقضي القاضي حتى يسمع قول الخصمين:

- ‌حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له إذا كان باطلاً:

- ‌حكم القاضي بعلمه وضوابطه:

- ‌الاهتمام بإقامة العدل:

- ‌خطر القضاء وكبر مسئوليته:

- ‌حكم ولاية المرأة أمور المسلمين العامة:

- ‌التحذير من احتجاب الوالي عن حاجة المسلمين:

- ‌الرشوة والهدية للقاضي:

- ‌تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس:

- ‌1 - باب الشهادات

- ‌خير الشهود الذي يشهد قبل أن يسأل:

- ‌خير القرون الثلاثة الأولى:

- ‌حكم شهادة الخائن والعدو والقانع:

- ‌لا تقبل شهادة البدوي على صاحبه قرية:

- ‌العبرة في عدالة الشاهد بما يظهر:

- ‌شهادة الزور:

- ‌الشهادة على ما استيقن وبالاستفاضة:

- ‌القضاء باليمين والشاهد:

- ‌البينة على المدعي واليمين على من أنكر:

- ‌القرعة بين الخصوم في اليمين:

- ‌غضب الله على من أخذ مال غيره بغير حق:

- ‌الحكم بحسب البينة:

- ‌تغليظ اليمين بالزمان أو المكان:

- ‌الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم:

- ‌اليد المرجحة للشهادة الموافقة لها:

- ‌رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه:

- ‌الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب:

- ‌كتاب العتق

- ‌تعريف العتق وبيان بعض أحكامه:

- ‌الترغيب في العتق:

- ‌عتق الأنثى:

- ‌عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى:

- ‌حكم من أعتق نصيبه من عبد:

- ‌السعاية:

- ‌حكم من ملك والديه أو ذا رحم محرم:

- ‌حكم التبرع في المرض:

- ‌تعليق العتق:

- ‌الولاء لمن أعتق:

- ‌بيع الولاء وهبته:

- ‌ باب المدبر، والمكاتب، وأم الولد

- ‌المكاتب عبد ما لم يفيا بما كُوتِبَ عليه:

- ‌ المكاتب كالحر إذا ملك ما كوتب عليه:

- ‌دية المكاتب:

- ‌تركة النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌عتق أم الولد بوفاة سيدها:

- ‌كتاب الجامع

- ‌1 - باب الأدب

- ‌معنى الأدب الإسلامي وأنواعه:

- ‌أنواع الأدب:

- ‌اختلاف الأديب باختلاف الأمم:

- ‌حقوق المسلم على أخيه:

- ‌إلقاء السلام ورده:

- ‌حكم إجابة الدعوة والنصيحة للمسلم:

- ‌آداب العطاس والتشميت:

- ‌عيادة المريض:

- ‌آداب اتباع الجنائز:

- ‌وسيلة عدم ازدراء نعمة الله:

- ‌البر والإثم وضوابطهما:

- ‌لا يتناجى اثنان دون الثالث:

- ‌آداب المجلس وأحكامها:

- ‌لعق الأصابع والصحفة:

- ‌آداب السلام وأحكامه:

- ‌سلام الواحد على الجماعة والعكس:

- ‌حكم السلام على أهل الكتاب:

- ‌تشميت العاطس:

- ‌حكم الشرب قائمًا:

- ‌استحباب التيامن في التنعل:

- ‌النهي عن المشي في نعل واحد:

- ‌حكم إسبال الثياب:

- ‌النهي عن الأكل والشرب بالشمال:

- ‌النهي عن الإسراف في كل شيء:

- ‌2 - باب البر والصلة

- ‌البركة في العمر والرزق بصلة الرحم:

- ‌النهي عن قطع الرحم:

- ‌النهي عن عقوق الوالدين:

- ‌التشديد في إضاعة المال:

- ‌بر الوالدين وضوابطه:

- ‌حقوق الجار:

- ‌أعظم الذنوب عند الله:

- ‌من الكبائر سب الرجل أبا الرجل:

- ‌بماذا يزول التهاجر بين الأخوين

- ‌كل معروف صدقة:

- ‌الإحسان إلى الجار ولو بالقليل:

- ‌الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه:

- ‌الدال على الخير كفاعله:

- ‌المكافأة على المعروف:

- ‌3 - باب الزهد والورع

- ‌الحلال والحرام والمشتبهات:

- ‌مبحث حديث الحلال والحرام من جامع العلوم والحكم:

- ‌التحذير من حب الدنيا:

- ‌كن في الدنيا كالغريب:

- ‌الترغيب في المتشبه بالصالحين:

- ‌حفظ الله بحفظ حدوده:

- ‌كيف يكون العبد محبوباً عند الناس

- ‌كيف يكون العبد محبوباً من الله

- ‌من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه:

- ‌النهي عن الإسراف في الأكل:

- ‌التوبة فضلها وشروطها:

- ‌فضل الصمت وقلة الكلام:

- ‌4 - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق

- ‌النهي عن الحسد:

- ‌تعريف الحسد وأقسامه:

- ‌ذم الغضب:

- ‌النهي عن الظلم والشح:

- ‌تعريف الظلم لغة وشرعاً:

- ‌الرياء:

- ‌تعريف الرياء لغة وشرعاً:

- ‌خصال النفاق:

- ‌النهي عن السباب:

- ‌التحذير من سوء الظن:

- ‌التحذير من الغش للرعية:

- ‌أمر الوالي بالرفق برعيته:

- ‌النهي عن الغضب:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌النهي عن التخوض في أموال الناس بالباطل:

- ‌حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده:

- ‌الغيبة وتغليظ النهي عنها:

- ‌النهي عن أسباب البغض بين المسلمين:

- ‌استعاذة الرسول صلى الله عليه وسلم من سوء الأخلاق والأعمال والأهواء:

- ‌المزاح بين المسلمين وضوابطه:

- ‌الفرق بين المجادلة والمماراة:

- ‌ذم البخل وسوء الخلق:

- ‌النهي عن مضارة المسلم:

- ‌المسلم ليس بذيئاً ولا فاحشاً ولا لعاناً:

- ‌النهي عن سب الأموات:

- ‌النميمية:

- ‌كفُّ الغضب:

- ‌ذم الخداع والبخل:

- ‌تحريم التجسس:

- ‌التحذير من الكبر:

- ‌ذم العجلة:

- ‌الشؤم سوء الخلق:

- ‌التحذير من كثرة اللعن:

- ‌النهي أن يغير المسلم أخاه:

- ‌التحذير من الكذب لإضحاك الناس:

- ‌كفارة الغيبة:

- ‌5 - باب الترغيب في مكارم الأخلاق

- ‌الترغيب في الصدق:

- ‌حقوق الطريق:

- ‌الترغيب في الفقه:

- ‌الترغيب في حسن الخلق:

- ‌الترغيب في الحياء:

- ‌الترغيب في التواضع:

- ‌الترغيب في الصدقة:

- ‌من أسباب دخول الجنة:

- ‌النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل مسلم:

- ‌كيف تكون النصيحة لكتاب الله

- ‌النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم كيف تكون

- ‌النصح للولاة وللعلماء:

- ‌أعظم نصيحة النصح للعلماء:

- ‌النصح للعامة كيف يكون

- ‌الترغيب في تقوى الله:

- ‌حسن الخلق:

- ‌المؤمن مرآة أخيه:

- ‌مخالطة الناس والصبر على أذاهم:

- ‌الدعاء بحسن الخلق:

- ‌6 - باب الذكر والدعاء

- ‌حقيقة الذكر وأنواعه:

- ‌حقيقة الدعاء وشروط الاستجابة:

- ‌آداب الدعاء:

- ‌فضل المداومة على ذكر الله:

- ‌فضل "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ومعناها:

- ‌الفرق بين القدرة والقوة:

- ‌فضل "سبحان الله وبحمده" ومعناها:

- ‌الباقيات الصالحات:

- ‌فضل لا حول ولا قوة إلا بالله:

- ‌الدعاء هو العبادة:

- ‌فضل الدعاء بعد الأذان:

- ‌استحباب رفع اليدين في الدعاء:

- ‌حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:

- ‌فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌سيد الاستغفار ومعناه:

- ‌سؤال العافية في الدين والدنيا والأهل والمال:

- ‌الاستعاذة من سخط الله:

- ‌الاستعاذة من غلبة الدين والعدو وشماتة الأعداء:

- ‌معنى الصمد:

- ‌دعاء الصباح والمساء:

- ‌الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة:

- ‌من صيغ الاستغفار:

- ‌الدعاء بخير الدارين:

- ‌ينبغي للمؤمن أن يسأل العلم النافع:

- ‌من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

الفصل: ‌القضاء باليمين والشاهد:

صناعة التعليم كما قال الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].

ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يشهد إلا بما يتيقنه كما يتيقن الشمس لقوله: "على مثلها فاشهد أو دع".

ومن فوائده: أنه لا تجوز الشهادة بغلبة الظن وإن قوي، وقد سبق لنا أنه إذا رأى شيئا تقوى به غلبة الظن فإنه يشهد بما رأى، والحاكم له أن يتصرف، ومثلنا لذلك برجل خرج من دكان وفي يده صره لكنه لا يعلم الذي فيها وادعى صاحب الدكان أنه حق لهذا الرجل الذي بيده الصرة قضاه، فهل يشهد بذلك مع أن ظاهر الحال والقرينة أنها هي الدراهم التي عليه؟ لكن نقول: لا يشهد، ولكن يشهد بما رأى.

ومن فوائد الحديث: تعظيم أمر الشهادة وأنه يجب فيها التثبت، ولاسيما إذا كانت في أمر خطير، فإنه كلما عظم الخطر في المشهود به تعين التثبت أكثر مع أن الأمر اليسير له حقه في التحري، أي: تحريم الشهادة على ما لا يعلم، وما أسكر كثيره فقليله حرام، يعني: أن الإنسان ربما يشهد بالشيء اليسير ويقول: هذا أمر يسير أو سهل أنا أشهد وهذا ضمن المشهود عليه يقول هذا أمر نقول هذا يجره إلى الشهادة بما هو أكبر.

‌القضاء باليمين والشاهد:

1347 -

وعنه رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيني وشاهد» . أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال:«إسناده جيد» .

1348 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان.

"قضى" بمعنى: حكم، والقضاء هنا قضاء شرعي، وقوله:"بيمين" أي: من المدعي، و"شاهد" على ما ادعى، "شاهد"، أي: شاهد واحد، وهذا يقتضي أنه ذكر الآن شاهد اسم فاعل مذكر فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بيمين ورجل واحد.

وهذا الحديث اختلف العلماء في تخريجه، أما صحته فصحيح؛ لأنه أخرجه مسلم، وقد جوده النسائي فهو صحيح، لكن حكمه قال بعض أهل العلم: إنه غير مقبول؛ لأنه خبر آحاد،

ص: 189

والقرآن ظاهره يعارضه لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282]. ولم يقل: رجل ويمين، وعلى هذا فيكون غير مقبول لمعارضته القرآن، ولكن الصحيح أن الحديث صحيح السند والمتن وأنه يجب العمل به، وأن هذا القضاء موافق للقياس تماما؛ وذلك لأنه إذا شهد مع المدعي شاهد واحد قوى جانبه بلا شك لكن الشاهد الواحد لا يقوى على ثبوت الحكم، فأكد ذلك بيمين المدعي، واليمين إنما تكون في جانب أقوى المتداعيين ليست على المدعى عليه دائما، بل قد تكون في جانب المدعي إذا قوى جانبه، وهذا المدعي الذي أقام شاهدا قوي جانبه، فلما قوي جانبه بدعواه أكدت هذه القوة باليمين، كذلك المدعى عليه، فلو ادعى شخص على آخر بشيء وأنكره فإننا نحكم ببراءة المدعى عليه بيمينه؛ وذلك لأن جانبه أقوى؛ حيث إن الأصل عدن ثبوت ما ادعاه المدعي، فيكون هذا الحديث موافقا تماما للقياس.

وأما إذا أقام المدعي شاهدين فإننا نحكم له بذلك وإن لم يحلف؛ لأنه لا يحتاج إلى اليمين لما تم النصاب.

وخلاصة القول: أن هذا الحكم مطابق للأصول تماما، ووجه المطابقة أن المدعي لما أقام الشاهد قوى جانبه، والقياس أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين سواء كان هو المدعي أو المدعى عليه، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المنكر إذا لم يقم المدعي بينة لقوة جانبه بالأصل، فإن الأصل عدم صحة ما ادعى عليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في القسامة في جانب المدعين؛ لأن جانبهم قوي بالعداوة التي كانت بينهم وبين المدعى عليهم.

والقسامة أن يدعي قوم على قبيلة أخرى أنهم قتلوا صاحبهم وبين القبيلتين عداوة، فهنا إذا حلف خمسون من المدعين على عين المدعى عليه حكم بأيمانه بدون أن يقيموا أدنى بينة.

فإذا قال قائل: كيف نجيب عن الآية؟

نقول: إن الآية ليست في الحكم، الآية في الاستشهاد، فالمطلوب من الإنسان إذا استشهد أن يستشهد برجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، حتى لا يحتاج فيما بعد إلى اليمين، لأنه لو استشهد واحدا احتاج إلى أن يحلف معه ليثبت ما ادعاه، لكن إذا استشهد اثنين لم يحتج إلى اليمين، فالآية في الابتداء؛ أي: في الاستشهاد وليست في الأداء، أي: في أداء الشهادة، ولما انفكت الجهة انفك التعارض، فلم يكن بين الآية والحديث أي تعارض، لأن كل واحد منهما له جهة.

فالإنسان عند إثبات الحقوق نقول له: اختر أعلى المراتب، وهي: أن نستشهد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ألم تروا إلى الرهن إذا كان الإنسان في السفر ولم يجد كاتبا

ص: 190

وأراد أن يأخذ رهنا يوثق دينه، قال الله تعالى:{فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]. لأنه لا يتم توثيق الدين إلا إذا قبض الرهن، فلذلك أرشد الله تعالى إلى أعلى الحالين وهي الرهن المقبوض، ومع أن الرهن يثبت ويلزم وإن لم يقبض على القول الراجح.

إذن يستفاد من هذا الحديث: جواز الحكم بالشاهد الواحد بالإضافة إلى يمين المدعي، ولكن هل نبدأ بالشاهد أو نبدأ باليمين؟ نقول: ما دمنا قلنا: إن اليمين شرعت لقوة جانب المدعي فإننا نبدأ بالشاهد أولا فنقول: أشهد فإذا شهد قلنا للمدعي: احلف على ما شهد به فإذا حلف حكمنا له بذلك، وهذا الحكم في الأموال وغير الأموال، يعني: في كل شيء حتى لو ادعى عليه ما يوجب القصاص.

يقول العلماء: هذا في الأموال فقط أما ما يوجب القصاص فلابد فيه من التحري وأن يكون ذلك بشهادة رجلين.

وبمناسبة هذا الحديث ينبغي أن نبين أن البينات في الشهود تنقسم إلى أقسام:

الأول: ما يشترط فيه أربعة رجال عدول، وذلك في الزنا واللواط والإقرار بهما، فلابد من أربعة شهود عدول كما قال الله تعالى:{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]. وعلى هذا فلو شهد أربع نساء على زنا رجل أو امرأة لم تقبل شهادتهم، ولا ثمان نساء ولا ثمانين امرأة، لا تقبل لابد من أربعة رجال عدول:{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات} [النور: 6].

الثاني: ما يشترط فيه ثلاثة رجال وهو من سأل لعثرته بعد اشتهاره بالغنى، رجل مشهور بالغنى ثم جاء يسأل من الزكاة فإننا لا نقبل منه حتى يأتي بثلاثة شهود رجال عقلاء ممن يعرفون حاله كما في حديث قبيصة:"حتى يقوم ثلاثة رجال من ذوي الحجى من قومه".

الثالث: رجلان، وذلك في الحقوق غير المالية وما يقصد به المال كحد السرقة مثلا، حد القذف، القصاص، وما أشبه ذلك، هذا لابد فيه من رجلين، وهل تقوم المرأتان مقام رجل؟ لا، أو أربع مقام رجلين؟ لا، هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شهادة ما عدا الزنا والإقرار به واللواط والإقرار به.

الرابع: رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، هذا أوسع الشهادات، وهذا في المال وما يقصد به المال، في المال كما لو ادعى شخص على أن له في ذمته ألف ريال وأتى برجلين [هل] يحكم له بذلك؟ نعم، أتى برجل وامرأتين؟ يحكم له، برجل ويمينه؟ يحكم له، هذا في المال، وأما ما يقصد به المال كالرهن، مثلا: ادعى شخص أن فلانا رهنه بيته في دين عليه وأقام شاهدين يثبت الرهن، شاهدا وامرأتين يثبت الرهن، شاهدا ويمين المدعي يثبت

ص: 191

الرهن، وكذلك لو ادعى أنه اشترط الخيار في البيع أو ما أشبه ذلك هذا هو المال وما يقصد به المال.

الخامس: أن يكتفي فيه بواحد من رجل أو امرأة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا كالولادة، واستهلال الحمل إذا سقط، وكذلك ما ذكره الفقهاء ما يحصل في العرف من إتلاف أموال أو شبهها، قالوا: إن هذا يكفي فيه امرأة واحدة والرجل أولى بالقبول من المرأة، وكذلك الرضاع لو شهدت امرأة أنها أرضعت هذا الطفل، أو أن فلانة أرضعت هذا الطفل يقبل فيه امرأة واحدة، والاستهلال: أن تشهد القابلة التي تولت توليد المرأة بأن الحمل استهل صارخا، فتقبل شهادتها لأجل أن يستحق من الميراث.

السادس: اليمين المجردة مع القرائن، وذلك فيما إذا قوي جانب المدعي، كما في القسامة، وكما لو ادعى شخص على آخر أن الغترة التي معه له، يعني: رأينا رجلين أحدهما هارب والثاني طالب، الهارب عليه غترة وبيده غترة والطالب ليس عليه شيء، الطالب يقول: هات غترتي، والثاني يقول: ليست لك هي بيدي، فهنا نقبل دعوى المدعي لكن باليمين لقوة جانبه.

* * * *

باب الدعاوي والبينات

قال المؤلف رحمه الله: باب الدعاوى، ويجوز الدعاوي؛ لأن فعلى تجمع على فعالي وفعالى كالفتاوى والفتاوي والصحارى والصحاري.

يقول: الدعاوى وهي جمع دعوى، والدعوى أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقا على غيره، عكسها: الإقرار، والإقرار: أن يضيف الإنسان حقا لغيره على نفسه، وبقيت الشهادة وهي أن يضيف الإنسان حقا لغيره على غيره، وهذه القسمة ثلاثة: إما أن تضيف حقا لنفسك على غيرك، وهذه دعوى، أو حقا لغيرك على نفسك فهذا إقرار، أو حقا لغيرك على عيرك، هذه شهادة.

أما البينات فهي: جمع بينة، والبينة هي: ما يظهر به الحق ويبين به الحق، وهي أقسام: إما بينات خارجية، وإما بينات حالية كالقرائن، وإما بينات على البراءة الأصلية كإنكار المنكر.

المهم: أن البينات جمع بينة، وهي ما يبين به الحق سواء كانت شهودا أو إقرارا أو إنكار أو غير ذلك، المهم أنه كل ما بان به الحق فهو بينة، ومن ذلك العمل بالقرائن، كما عمل شاهد يوسف بالقرينة فقال:{إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 26 - 27].

ص: 192