الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - باب الزهد والورع
لابد أن نعرف الفرق بينهما؛ لأن عطف أحدهما على الآخر يدل على المغايرة، والفرق بينهما: أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة؛ يعني: يزهد في الدنيا ولا يأتي من الدنيا إلا ما ينفعه في الآخرة فقط، هذا لاشك أنه زهد في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يأتي إلا ما ينفعه في الآخرة، أما الدنيا فلا يريدها إطلاقاً، والورع: ترك ما يضر في الآخرة، أيهما أكمل؟ الزهد، لأن بين الذي لا ينفع والذي يضر واضح وهو ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يترك والورع لا يترك، ثم ذكر المؤلف حديث النعمان فقال:
الحلال والحرام والمشتبهات:
1409 -
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: «إن الحلال بين، وإن الحرام بَين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . متفق عليه. قوله: «وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه» تحقيقاً للسماع، وإصبع هذه من الكلمات التي لا يمكن الخطأ فيها من حيث الحركات؛ لان فيه عشر لغات يشير إليها قول الشاعر:
(وهمز أنملة ثلث وثالثه
…
التسع في إصبع واختم بأصبوع)
فتكون اللغات تسع من ضرب ثلاثة في ثلاثة، و «التسع في إصبع» هو محل الشاهد، «واختم بأصبوع» فتكون اللغات في إصبع عشرة، أما «أنملة» ففيها تسع لغات، شرح هذا وإن كان ليس في الحديث لكن لا بأس أنه ينفع إن شاء الله؛ فنقول: لنأخذ الهمزة في أصبع على أنها مفتوحة والباء مثلثة نقول: أصُبع أصَبع أصِبع، لنأخذ الهمزة مضمومة والباء مثلثة أصُبع أصَبع أصبِع، لنأخذ الهمزة مكسورة والباء مثلثة إصبَع إصبُع إصبِع، كم هذه؟ هذه تسع، العاشر أصُبوع، أما أنملة فيقال فيها كما قلنا في أصبع، يقال: أنملة أنمُلة أَنملة، أنمُلة أنمَلة أُنملة، إنمَلة إنمُلة إنمِلة، الجميع تسع، الآن في بيت واحد حصلنا على تسع عشرة لغة، عشر في «إصبع» وتسع في «أنملة» . «أهوى النعمان رضي الله عنه بأصبعيه إلى أذنيه» تحقيقاً للسمع، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين والحرام بين
وبينهما مشتبهات
…
إلخ» فقسم الرسول صلى الله عليه وسلم الحرام والحلال إلى قسمين: قسم بين ظاهر لا يخفى على أحد، وقسم مشتبه، والاشتباه إما أن يكون في الدليل أو في الاستدلال أو في المدلول، هذه ثلاثة أقسام، وأما البين فبين فمثلا حل الطيبات بين، تحريم الخبائث بين، الميتة تحريمها بين، الخنزير تحريمه بين، الزنا تحريمه بين، وأشياء كثيرة، والحلال أيضا بين، هناك أمور مشتبهات لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الواجب؛ لأن الحديث موضوعه عن الأمور التي يتغذى بها الإنسان ويأكلها، وإلا فالواجب لاشك منه بين ما هو مشتبه. «بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس» ، و «يعلمهن كثير من الناس» يعني: الناس يختلفون فيه، الرسول لم يقل: لا يعلمهن أكثر الناس، بل قال «كثير» ، أي: كثير من الناس يعلمهن، والكثير تطلق على هذا وهذا كما قال الله تعالى:{وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18]. من الذي يعلمهن؟ يعلمهن أهل العلم الراسخون فيه الذين يعلمون نصوص الشارع، ويعرفون كيف يستدلون بها ويعرفون المدلول، مثلا: العلم بالدليل لابد أن يكون الإنسان يعرف الدليل؛ هذا حلال هذا حرام من القرآن أو من السنة أو منهما أو من إجماع السلف، الاستدلال يعرف العام الذي يتناول جميع الأفراد، يعرف الخاص الذي لا يتناول إلا شيئاً معيناً، يعرف المطلق من المقيد وما أشبه ذلك، يعرف المدلول؛ أي: يعرف أن الدليل أنطبق على هذا الشيء بعينه، مثال ذلك: إذا اختلط الخمر بشراب حلال ولكنه لم يؤثر فيه إسكاراً هل هو حلال أو حرام؟ حلال، اشتبه على بعض الناس فظن أنه حرام بحجة:«ما أسكر كثيرة فقليله حرام» ، هنا الخطأ في الاستدلال، الدليل واضح صريح:«ما أسكر كثيرة فقليله حرام» ، هؤلاء اشتبه عليهم الأمر فظنوا أن معنى قول صلى الله عليه وسلم:«ما أسكر كثيرة فقليله حرام» ظنوا أن معناه: ما كان فيه شيء قليل من مسكر فهو حرام وليس كذلك؛ لأن معنى الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه لحصل الإسكار، ولو أقللت منه لم يحصل الإسكار، فهل يجوز القليل منه الذي لا يحصل به الإسكار؟ الجواب: لا، هذا معنى الحديث: وليس معنى الحديث ما كان فيه جزء يسير من الخمر فهو حرام، لأننا نقول: لو أن عندك ماء سقط فيه نجاسة يسيرة لم تؤثر فيه شيء ما حكمه؟ طهور تشرب منه وتتوضأ منه وتطهر منه الثوب والبدن مع أن فيه جزءاً يسيراً من النجاسة، لكن هل النجاسة انحلت فيه [وغيرته]؟ لا، فلم يبق لها حكم، كذلك الخمر لو سقطت نقطة في كأس لكنها لا تؤثر فيه إطلاقا، لو تشرب عشرين كأسا ما حصل الإسكار، إذن الدليل واضح، الاستدلال غير صحيح، ولهذا يحصل الاشتباه عند بعض الناس. كذلك أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» ، فقالوا: يا
رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال:«لا، هو حرام» ، الضمير هنا يعود على البيع الذي هو موضع الحديث، أو يعود على الانتفاع بذلك بالاستصباح ودهن الجلود وطلي السفن؟ هذا أيضاً مما يشتبه في دلالة الحديث عليه؛ فمن العلماء من قال: يعود على البيع؛ لأن الصحابة أوردوا ذلك لعل النبي صلى الله عليه وسلم يجيز بيعها لهذا الغرض، ومن الناس من قال: إنه يعود على الانتفاع وأن شحوم الميتة لا تطلى بها السفن ولا تدهن بها الجلود ولا يستصبح بها الناس، والراجح: أنه يعود إلى البيع؛ لأنه هو محل الحديث، والرسول صلى الله عليه وسلم ما تحدث عن هذه المنافع، المهم: أنواع الاشتباه كثيرة. يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» ، «استبرأ»؛ أي: ابتغى البراءة لدينه ولعرضه، أما الدين فبينه الرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، وأما العرض؛ فلأن الإنسان إذا أتى المشتبهات فإن الناس يأكلون لحمه ويعرض نفسه للغيبة والسب وما أشبه ذلك. «ومن وقع في الشبهات وقع في الرحرام» ، هل المحرم نفس المشتبه، أو أنه وقع في الحرام؟ يعني: صار وقوعه في المشتبه سبباً لوقوعه في الحرام؛ يعني: أنه إذا وقع في الشبهات فإنه يتوقع أن يقع في الحرام، هذا هو المراد، وليس المعنى: أن المشتبهات حرام، ولكن المشتبهات لاشك أن الورع تركها، أما اللزوم فلا يلزم إلا ما كان يقيناً، إذن من وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، هذا معنى قوله:«وقع في الحرام» ، مثل الرسول لذلك بقوله:«كالراعي يرعى حول الحمى» ، «الراعي» أي: راعي الإبل، راعي الغنم، راعي البقر، راعي الظباء؛ أي راعٍ، «يرعى حول الحمى» ، «الحمى» المكان الذي منع من الرعي فيه، وهذا يقع كثيراً من الأمراء أو الخلفاء، إما للمصالح العامة، وإما للمصالح الخاصة، مثلاً: هذه أرض مخصبة فيها العشب الكثير حماها أحد من الناس، بمعنى: أنه منع من الرعي فيها، ماذا تكون هذه الأرض؟ سيكون نباتها كثيراً؛ لأنه لا يرعى، وسيكون نضراً؛ لأنه ليس حوله غبار، إذا رعى الراعي حول هذا الحمى يوشك أن يقع فيه؛ لأن الغنم أو البقر أو الإبل إذا رأت هذا المكان النضر سوف ترتع فيه، إما أن تستغفل الراعي وإما أن تتمرد عليه ويعجز عنها، ولهذا قال:«كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا تقريبياً فقال: «ألا وإن لكل ملك حمى» ، وهذا إخبار عن الواقع وليس عن الشرع، إلا أن العلماء (سيأتي في الفوائد) ذكروا أنه يجوز لإمام المسلمين أن يحمى أرضاً لدواب المسلمين، كخيل الجهاد، وإبل الصدقة.
«ألا وإن لكل ملك حمى» ، وهل ملك الملوك له حمى؟ نعم، ولهذا قال:«ألا وإن حمى الله محارمه» ، كأنه يقول: ولله حمى، وحماه محارمه التي حرمها على العباد، فهي حمى تدعو النفوس إليها كالراعي الذي يرعى حول الحمى، لكن من اتقى ذلك سلم، مثال هذا: الربا، ونحن الآن نتكلم على هذا الحديث بناء على أنه يتعلق بالغذاء واللباس والطعام وغير ذلك، فالربا حرام، لكن إذا رأى هذا التاجر أن المرابين يكسبون كسباً عظيماً فإنه ربما ينجر إلى ذلك كالمواشي تنجر إلى حمى الملوك، كذلك أيضا في القمار فهو حرام، نجد بعض المقامرين يكون أغنى العالم في ليلة واحدة، هذا المحرم إذا رأى الإنسان أنه قد يكون سبباً للكسب الكبير البالغ في ليلة واحدة سوف ينجز إليه هذه محارم الله، الزنا -أعاذنا الله وإياكم منه- إذا رأى الإنسان أنه ستحصل له متعة بدراهم قليلة والمهور كثيرة ربما تجره نفسه إلى ذلك، فحمى الله محارمه، والمحارم يزينها الشيطان لنفس الإنسان فينتهكها. ثم قال:«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ، كلمة «ألا» يكررها الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنها تفيد التنبيه، «ألا وإن في الجسد» أي: جسد الإنسان، فـ «أل» هنا للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: ذكري. وحضوري، وذهني، ففي قول الله تعالى:{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16، 15]. هذا ذكرى كأنه قال: فعصى فرعون هذا الرسول الذي أرسلناه، وقوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. هذا حضوري، {اَليَوْمَ} يعني: هذا اليوم، وقوله:{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93]. أيضا حضوري، قال النحويون: وكل ما حلى بـ «أل» إذا أتى بعد اسم إشارة فهو حضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا جاء بعد المحلى بـ «أل» فهو حضوري، الذهني:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 170]. هذا ذهني، {جَاءَكُمُ الرَّسُولُ} لو سئل أي إنسان من الرسول؟ لقال: محمد صلى الله عليه وسلم، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]. من النور؟ القرآن؛ لأن الله أنزله، قال تعالى:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء: 174]. «ألا وإن في الجسد» أي: جسد الإنسان، «مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
…
إلخ»، لو شاء الرسول صلى الله عليه وسلم لقال. ألا وإن القلب في الجسد، إذا صلح صلح الجسد لحصل المقصود، لكن أتى به بهذه الصيغة من أجل الاهتمام به والعناية به وبيان أهميته، «ألا وهي القلب» ، ومعنى المضغة: أي قطعة من اللحم بقدر ما يمضغه الإنسان، والإنسان ما قدر ما يمضغه من اللحم؟ من أشداقه واسعة فستكون مضغته كبيرة، ومن أشداقه ضيقة فستكون صغيرة، والوسط وسط.
على كل حال: كلما صغرت المضغة فهو أحسن، لأن الإنسان يستطيع أن يعالجها تماماً ويهضمها تماماً، لكن الغالب أن المضغة من البضة فأقل، ولا أعني بذلك: البيضة الكبيرة، ولكن بيضة الدجاج المعروف فأقل، هذه إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، فتبارك الله أحسن الخالقين، مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وهل المراد هنا بالصلاح: الصلاح الديني، أو الصلاح الجسدي؟ الديني، قد يقول قائل: كلاهما، لكن هذا لا يختص بالقلب، إذا صلح الدماغ أيضاً صلح الجسد كله، إذا صلحت القدمان صلح الجسد كله، المراد: الصلاح الديني. ففي هذا الحديث من الورع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» . أما فوائده ففيه أولاً: أنه ينبغي لحامل الخبر أن يؤكده بالمؤكدات التي تقنع السامع، يؤخذ ذلك من قوله:«أهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه» ، ومثل ذلك: حديث أبي شريح الخزاعي حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً غداة فتح مكة فحدثنا حديثاً سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، كل هذا تأكيد للسماع، فينبغي للإنسان أن يؤكد خبره بما يفيد تأكده، لاسيما عند الشك فيه إما لغرابته أو لكون المخبر غير ثقة عند السائل فيؤكده بأنواع المؤكدات. ومن فوائد الحديث: أن المحرمات والمحللات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم حله بين، وقسم تحريمه بين، وقسم مشتبه، أما ما حله بين وتحريمه بين فأمره واضح، الحلال حلال، والحرام حرام، وأما المشتبه فما موقف الإنسان منه؟ موقفه: أن يتقيه، لأنه إن فعله فهو بين الإثم والسلامة، وإن تركه سقط عنه احتمال الإثم وتأكد السلامة، ومعلوم أنه إذا تأكد الإنسان السلامة من الإثم فهو خير له. ومن فوائد الحديث: أن الناس يختلفون في العلم لقوله: «لا يعلمهن كثير من الناس» ، وهل يختلفون في الفهم؟ نعم، يختلفون في الفهم اختلافاً عظيماً، أما العلم فمعناه الاطلاع على الأدلة الشرعية وعلى أقوال العلماء، وأما الفهم فهو غريزة يجعلها الله عز وجل في الإنسان، وقد تكون مكتسبة فتزيد من التمرن وهذا أمر مشاهد، الإنسان كلما تمرن على تدبر النصوص وتفهمها؛ ازداد فهماً، وكم من إنسان أخذ من نص واحد عدة مسائل، وآخر لم يأخذ منه إلا مسألة واحدة، ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد سئل علي بن أبي طالب هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله تعالى أحداً في كتابه، فقال:«إلا فهماً» دل ذلك على أن الإنسان قد يدرك بفهمه ما لا يدركه غيره.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على معرفة المشتبه حتى يكون على يقين من أمره، فإن دام الاشتباه ولم يصل إلى نتيجة فالورع ترك المشتبه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستبرئ لدينه وعرضه، فلا يقع في المشتبهات، ولا يصاحب من يشتبه فيه، ولا يتعرض لما يدنس عرضه؛ لقوله:«فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» ، لا يتكل الإنسان على ثقة الناس به، فإن الأعداء كثيرون، قد يكون الإنسان يحس بنفسه أنه محل ثقة عند الناس في دينه وعلمه وخلقه، لكن كل إنسان له أعداء، ربما يشيع عنه الأعداء ما كان كذباَ فينحط قدره عند الناس، ولهذا يجب على الإنسان أن يستبرئ لدينه وعرضه حتى يسلم من الشر، لا يقول: الناس لا يظنون بي إلا خيراً، وكلن يجب أن يبين، ولقد رأى رجلان من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل ومعه صفية، فأسرعا خجلاً من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال:«على رسلكما إنها صفية بنت حبي» فقالا: سبحان الله! قال لهما: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال شيئاً» ، مع أننا نعلم علم اليقين أن الصحابيين لا يخطر ببالهما شيء مما يظن، لكن الإنسان يدرأ عن نفسه ما يبرئ به دينه وعرضه. ومن فوائد الحديث: سد الذرائع، لقوله:«ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» ، فكل ذريعة توصل إلى محرم فالواجب اجتنابها. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال المحسوسة ليتوصل بها إلى فهم المعاني المعقولة، بأن شبه النبي صلى الله عليه وسلم من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام بالراعي، الراعي كلنا يعرف أنه إذا رعى حول الحمى فإنه يوشك أن يقع فيه. وهل من فوائد الحديث: جواز الحمى في البر، أن يحمي الإنسان لنفسه مكاناً يرعى فيه إبله وغنمه وبقره وما أشبه ذلك؟ لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مثل بأمر واقع، أما هل يجوز أو لا يجوز فهذا شيء آخر يؤخذ من نصوص أخرى، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الأمور الواقعة أحياناً لا لإقرارها ولكن لبيان أنها ستقع، إذن هل يجوز أن يتخذ الإنسان له مكاناً يحميه من المراعي الطيبة؟ نقول: أما إذا كان ذلك لخاصة نفسه فإنه لا يجوز، لأن الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، وأما إذا كان لمصالح المسلمين العامة فلا بأس، لأنه لم يتخذه لنفسه، فإذا قدر أن هذا الأمير حمى أرضا مخصبة جيدة لإبل الصدقة مثلا أو لغنم الصدقة أو لبقر الصدقة فهذا جائز،
ولكن أيضا بشرط ألا يضر المسلمين الآخرين يعني: بأن تكون المراعي واسعة، أما إذا كان يضرهم مثل ألا يوجد في مراعي البلد إلا هذه القطعة؛ فإنه لا يجوز أن يحميها ولو لمصالح المسلمين؛ وذلك لأن المصالح العامة لا يمكن أن تقضي قضاء مبرماً على المصالح الخاصة؛ لأننا لو قلنا: لك أن تحمي إبل الصدقة، بقيت إبل الناس تموت جوعاً، فإذا كان يضرهم فهو ممنوع حتى وإن كان للمصالح العامة. ومن فوائد الحديث: أن حمى الله محارمه؛ يعني: أن المحارم جعلها الله تعالى بمنزلة الحمى لا تقرب، ولهذا قال العلماء: إذا قال الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]. فالمراد بالحدود: المحرمات، وإذا قال:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوها} [البقرة: 229]. فالمراد بها: الواجبات، لأن الله عز وجل جعل حدوداً لحفظ النفوس، وحدودا واجبات لتزكية النفوس، لأن النفوس محتاجة إلى تزكية وحماية. ومن فوائد الحديث: أن القلب هو المدبر للجسد لقوله: «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب» . ومن فوائده: الرد على من قال: إن المراد بالقلب هو العقل الذي محله في الدماغ على زعمه، فنقول: إن الرسول قال: «في الجسد مضغة» وهي القلب، وهذا ليس معقولا، بل هو شيء محسوس، ومن ثم وقع النزاع بين علماء الشريعة وعلماء الطبيعة والفلسفة هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ وطال النزاع من قديم الزمان، قال الإمام أحمد: العقل في القلب وله اتصال في الدماغ، وهذا هو ما دل عليه القرآن، قال الله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} وأين القلوب؟ في الصدور، قال الله تعالى:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. فالقرآن والسنة كلاهما يدل على أن محل العقل وتدبير البدن هو القلب وهذا هو الذي دلت عليه النصوص. فإن قال قائل: أليس الرجل إذا اختل دماغه اختل عقله؟ قلنا: بلى، لكن لا مانع أن يكون أصل العقل في القلب، ثم يصدر الأوامر إلى المخ من أجل أن تدير هذه المملكة العظيمة، لأن جسد الإنسان مملكة عظيمة فيها من جميع الآلات، وأظن بعضكم يعرف أن في بدنه حديداً، كل المواد موجودة في البدن، وكل المعادن موجودة في البدن، ولهذا قال الله تعالى:{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21، 20]. هذا الجسد هو دولة في الواقع، فلابد للملك الذي يدير من جنود، فالمدبر الملك وهو القلب، والجنود الدماغ والأعضاء، فأقرب ما يقال في تصوير المسألة أن أصل التدبير في القلب والمخ مساعد.