الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النهي عن الإسراف في كل شيء:
1394 -
وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل، واشرب، والبس، وتصدق في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ» . أخرجه أبو داود، وأحمد، وعقله البخاري.
"السرف" تجاوز الحد و"المخيلة" يعني: الخيلاء، وهي الإعجاب والبطر والأشر وما أشبه ذلك، قوله:«كل واشرب والبس وتصدق» محط الفائدة إلى الآن لم يأت، يقول:«في غير سرف ولا مخلية» ، هذه محط الفائدة، لكن يمكن أن يكون فيه إسراف، وهل هو في زيادة المعروض أو زيادة المأكول أو فيهما جميعًا؟
فيهما جميعًا، قد يكون السرف في زيادة المعروض بحيث يدعو شخصين أو ثلاثة ويعرض ما يكفي لعشرين، هذا إسراف، وما أحسن ما وقع لي مع بعض الناس، كان عندنا أناس من علماء الباكستان فقدمنا الغداء على عادتنا، هم ثلاثة ونحن اثنان خمسة قدمنا ثلاثة (أطباق) رز فلما دنونا من السفرة أخذوا اثنين ووضعوهما في الخارج، لماذا؟
قالوا: إذا انتهينا من هذا أحضرناه، فتعجبنا، أناس من غير العرب يقتصدون هذا الاقتصاد، وهذا حقيقة، لماذا نحضر أطباقًا ثلاثة لخمسة نفر؟ ! لكن لا أدري لو أنا دعونا خمسة أنفار وأعطيناهم ثلاثة (أطباق) ماذا يكون؟
على كل حال الأكل من غير إسراف، الإسراف هنا مجاوزة الحد في المعروض أو في المأكول، في المأكول، أن الإنسان يأكل حتى يملأ بطنه ملأ شديدًا فإن بعض الناس يأكل حتى يملاً بطنه يكاد تنفجر، ثم إذا انتهى ماذا يعمل يقول: ابحث عن مهضم فيتعب في إدخاله ويتعب في إخراجه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:«حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» وشيخ الإسلام رحمه لله يقول: إن الأكل إذا خاف الإنسان أن يتأذى به صار حرامًا، وكذلك إذا خاف التخمة يعني: تغير المعدة برائحة كريهة من أجل إدخال الطعام بعضه على بعض فإنه يكون حرامًا، مع أنه من الطيبات لكن هذا يكون حرامًا لأنه إسراف وأذى، أيضًا، إلبس من غير إسراف في اللباس إما في سرعة اللبس يعني: أن الإنسان في الصباح له ثوب جديد وفي المساء له ثوب جديد هذا إسراف أو الزيادة في الثمن أو الزيادة في العدد هذا إسراف.
ولكن لاحظوا أيضًا، لأن الإسراف في المأكول والمشروب والملبوس يختلف
باختلاف الناس والأوقات، ولهذا قد يكون الأكل إسرافًا في حق قوم وغير إسراف في حق آخرين، كذلك في الثياب قد يكون هذا الثوب، إذا لبسه شخص يكون إسرافًا وإذا لبسه آخر لم يكن إسرافًا، أيضًا يدخل في اللبس الإسراف في العدد مثلاً إنسان - وهذا أكثر ما يكون في النساء - يمكن أن يكفيها سوار أو سواران يحصل به التجمل، فتأتي بعشرة أسوار! ! هذا إسراف، وفيه أيضًا قلوب الآخريات الآتي لا يجدن من الذهب، وقوله:«تصدق في غير مخيلة» لأن الإنسان قد يتصرف خيلاء وإعجابا ورياء، لكن في غير سرف هل الصدقة إسراف؟
نعم كيف ذلك؟ أن يقصر في الواجب ويتصدق بالمندوب، نقول: هذا حق ولا نقول هذا إسراف نقول: هذا قدم النفل على الواجب، ولا بأس أيضًا أحيانًا أن يتصدق الإنسان بكل ما يملك إذا وثق بنفسه أنه لن يسأل الناس، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه لكن عندي - والله أعلم - أن يقال: إما أن المعنى أنه يزيد على حاجة المعطي هذا يكفيه، أو يقال أن قوله:"من غير سرف" عائدة على الأكل والشرب واللبس، أما الصدقة فيعود عليها قوله:"ولا مخيلة"، فتكون من غير سرف ولا مخيلة يعود على الأكل والشرب واللبس وأما الصدقة فتختص بالمخيلة أن يتصدق خيلاء وإلا فلاشك أن الإنسان ينبغي له أن يبذل من الصدقة، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة. في هذا الحديث قاعدة مهمة جدًا في الاقتصاد، يعني: أن الإنسان يأكل ويشرب ويلبس ويتصدق لكن على وجه لا إسراف فيه ولا مخيله، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون مقتصدًا في إنفاقه وهو كذلك، ولهذا يقال في المثل ما عال من اقتصد يعني ما افتقر من اقتصد، ويقال: الاقتصاد نصف المعيشة، وكثير من الناس لا يهتم بالإنفاق، متى وقع في يده قرش أنفقه، وهذا غلط؛ لأن الإنسان ينبغي أن يكون معتدلاً، {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا} ، وفيه أيضًا الإشارة إلى الضروريات الدينية والدنيوية، الأكل والشرب واللبس من الضرورات الدنيوية والصدقة مما يحتاج إليه الإنسان في الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» . والإنسان محتاج يوم القيامة إلى ظل.
ومن فوائد الحديث: وجوب اجتناب الإسراف والخيلاء لقوله: «من غير سرف ولا مخيلة» .