الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه دلالة مباشرة، أو دلالة غير مباشرة بحيث يدله على من يدله على الخير مثل: أن يسألك إنسان عن مسألة دينية وأنت لا تعرفها فتقول: أسأل فلانًا من العلماء، هذا يكون قد دل على من يدل على الخير، ثم إن الدلالة على الخير تنقسم إلى قسمين: دلالة بالقول، ودلالة بالفعل، والناس يقتدون بالقول ويقتدون بالفعل، وربما كان اقتداؤهم بالفعل أكثر، فمثلاً: إذا اقتدى بك إنسان في التهجد في الليل أو في إعانة الضعيف أو في الصدقة على فقير اقتدى بك وأنت لم تقل له ذلك، فهذا يعتبر دلالة لكن دلالة فعلية، وكذلك أيضًا من دل على ترك المحذور وترك الشر بنية صالحة وتركه غيره بهذه النية فله مثل أجر فاعله.
فمن فوائد الحديث: الحث على الدلالة على الخير إما بالقول وإما بالفعل، ومن الدلالة على الخير دلالة الخطباء في مساجدهم يوجهون الناس، ودلالة الوعاظ في أماكن الوعظ يدلون الناس، ودلالة المعلمين في فصول الدراسة يعلمون الناس، ويدلونهم على الخير وأبواب هذا كثيرة جدًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأسباب لها أحكام المقاصد، فالدلالة على الخير سبب للخير، فإذا فعل الإنسان الخير كان للدال مثل أجره، فدل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن فوائد الحديث: أن الأجر الحاصل للدال لا ينقص أجر المدلول لقوله: "فله مثل أجر فاعله"، ولم يقل: فالأجر بينهما؛ أي: بين الدال والمدلول، بل قال:"مثل أجر فاعله"، وعلى هذا فإن أجر المدلول لا ينقص بإعطاء الدال مثل أجره، وفضل الله واسع.
المكافأة على المعروف:
1408 -
وعن ابن عمر رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له» . أخرجه البيهقي.
قوله: "من استعاذكم"، الاستعاذة معناها: الاعتصام بالشيء، والمعنى: من اعتصم بالله منكم فاعصموه، مثال ذلك: قال: أعوذ بالله منك فأعيذوه؛ لأنه استعاذ بمعاذ عظيم فيجب أن تعيذوه، وليس هذا من باب الاستشفاع بالله على خلقه؛ لأن الاستشفاع بالله على خلقه حرام.
لو قال قائل: أتوجه بالله إليك أو أستشفع بالله إليك لكان هذا حرامًا؛ لأن منزلة الشافع أدنى من منزلة المشفوع إليه، فإذا جعلت الله شافعًا إلى مخلوق، جعلت الله في مرتبة دون المطلوب، فلا يجوز أن تقول: أشفع بالله إليك، ولا أتوجه بالله إليك؛ لأنك حينئذٍ جعلت مقام
الرب عز وجل دون مقام هذا البشر، لكن الاستعاذة بالله التجاء واعتصام بمن هو أقوى ممن يريدك بسوء فلذلك جاز، ولم يجز الاستشفاع بالله على خلقه.
وقوله: "من استعاذكم بالله فأعيذوه" هذا مطلق، ظاهره حتى لو استعاذ منا بالله من شيء واجب عليه مثل أن آتي إلى شخص أطلبه فأقول: يا فلان، أعطني حقي وهو قادر، قال: أعوذ بالله من: هل يجب أن نعيذه؟ لا؛ لأني أعلم أن الله لا يجيبه؛ لأن استعاذته بالله عن حق واجب عليه، يعني: إقرار الله عز وجل الظلم وهذا مستحيل، فعلى هذا إذا استعاذ بالله تعالى من شيء واجب عليه فإننا لا نجيبه؛ لأننا نعلم أن الله لا يعيذه عز وجل، إذ إن الله يقول:{إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21]. ويقول: {والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 57].
إذا استعاذ بالله من شخص في أمر مباح هل أعيذه أو لا؛ يعني: طلبت منه أن يعيرني شيئًا؟ فقال: أعوذ بالله منك، أعيذه لأنه استعاذ من شيء له أن يستعيذ بالله منه، فإن بعض الناس يلجئك ويضيق عليك في طلب إعارة شيء أو إعطاء مال أو غير ذلك فيريد أن يستعيذ بالله منك فأعذه، وقد وقع شيء فيه إشكال وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه ابنة ابن الجون فقالت: أعوذ بالله منك! فقال لها: «لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك» ، وتركها مع أنها استعاذت من أمر كان واجبًا عليها وهو تمكين زوجها منها، لكن لكرم النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه أسقط حقه عليها وأعاذها، وإلا فلو أن أحدًا قالت له زوجته حين دعاها إلى فراشه: أعوذ بالله منك ماذا يعمل؟ كلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك؟ بماذا يجيبها؟ يقول: إن الله لا يعيذ الظالمين، ولا يلزمه أن يعيذها؛ لأنها استعاذت من حق واجب عليها، نعم لو كان مفرطًا هو في حقها ولا يعطيها حقها فلها أن نستعيذ بالله منه، وعليه أن يعيذها.
"ومن سألكم بالله فأعطوه"، أختلف المفسرون - الشرح - في معناها هل المعنى: من سألكم بشرع الله؛ أي: من سأل سؤالاً يستحقه في الشرع فأعطوه، أو من قال: أسألك بالله أن تعطيني كذا؟ فيها قولان، والقاعدة أن النص القرآني أو النبوي إذا احتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإن الواجب حمله عليهما، فنقول: من سأل بالله؛ أي: من سأل بدين الله؛ أي: سأل سؤالاً مشروعًا فأعطوه، مثال ذلك رجل فقير أتى إلي وقال: أسألك أن تعطيني من الزكاة فأعطيه هذا أحق من فقير لم يسألني، لأن هذا سأل فصار مستحقًا للإعطاء بحاله وسؤاله، أما إذا علمنا أنه سال ما لا يستحق فلا أعطيه بناء على تفسير من سال بالله؛ أي: بشرع الله، فإذا جاء يسألني من الزكاة وأنا أعرف أنه غني لكنه سأل تكثرًا فلا أعطيه، هذا وجه، الوجه الثاني:"من سألكم بالله" أي: من قال: أسألك بالله أن تعطيني، فهل تعطيه؟ هذا أيضًا يحتاج إلى تفصيل، إذا سأل ما لا يحل له فلا تعطه، مثال ذلك: جاءك إنسان وقال: أسألك بالله أن تشتري لي دخان فهل تعطيه؟ هذا
إنسان يشرب الدخان وليس معه نقود وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقال: الحمد لله عندي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من سألكم بالله فأعطوه» ، فذهب إلى رجل وقال: أسألك الله أن تعطيني مائة ريال أشتري بها دخانا، فهل يجوز؟ لا، لا يجوز، لأن الله يقول:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. ولا أعطيه، لكن أعطيه ما هو خير من ذلك وهو النصيحة، وأقول: اتق الله، انظر ماذا حدث لك من الدخان؟ صرت تتكفف الناس، فأعطيه ما هو خير من المال. إذا سألني شيئاً مباحاً لكن تتعلق حاجتي به، مثل أن رأى معي ساعة أعجبته تماماً وهي تتعلق بها حاجتي فقال: أسألك بالله أن تعطيني الساعة هل يلزمك؟ لا يلزمك؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب وقلنا: يلزم لا نكب الناس علينا، وكلما رأوا معنا شيئاً يعجبهم سألونا بالله أن نعطيهم إياه، وهذا لا تأتي به الشريعة، إذن هذه الإطلاقات تكون مقيدة بما علم من قواعد الشريعة وهي إتباع المصالح واجتناب المفاسد. «ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه» يعني: إذا أحسن إليك إنسان بصدقة أو هدية أو هبة أو كلمة طيبة أو غير ذلك فكافئوه؛ أي: أعطوه ما يكافئه، مثلا: أثنى عليك في مجلس كافئه، أثنى عليه بما هو فيه في مجلس آخر، أهدى إليك هدية قبل الهدية وكافئه، كذلك أيضا سعى لك في خير كافئه، فإن لم تجد ما تكافئه، فادع الله له، مثل رجل أهدى إليك هدية ضخمة ولا تستطيع أن تكافئه فادع الله له، وهذا الدعاء يقابل المعروف الذي أتى إليك، وكذلك أيضا إذا كان هذا الذي أتى إليك معروفاً تجري العادة بمكافأته مثل السلطان والأمير والابن وغير ذلك، هذا لم تجر العادة بمكافأته فماذا أصنع؟ أكافئه بالدعاء، فقول الرسول:«لم تجدوا» نقول: وكذلك إذا لم تجر العادة بمكافأته ورأى هو أنك إن كافأته لكان هذا يعني رد معروفه، فهنا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو له. في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب تعظيم الله عز وجل لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه» . ومنها: جواز الاستعاذة بالله تعالى من كيد الأعداء؛ لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه» ، وأما من استعاذ بالله لدفع واجب عليه فهذا لا يعاذ. ومنها: أن من سأل بالله على الوجهين [اللذين ذكرناهما] فإنه يعطى، ومن سأل على غير هذا الوجه فإنه لا يعطى. ومنها: مكافأة من أتى إليك معروفاً، وهل المكافأة واجبة؟ تقول: ظاهر الحديث الوجوب. ومنها: أن من عجز عن شيء فإنه قد يكون له بدل، وقد يكون ليس له بدل ومسألتنا هذه لها بدل، وهو الدعاء. ومنها: حسن الشريعة الإسلامية، حيث جعلت لمن صنع المعروف مكافأة لينشط فاعل المعروف على بذل المعروف.