الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ألف درهم سوف أحضره بعد يوم أو يومين، ثم إن الذي أقر أنكر، وذاك الذي له الحق له يعلم بسماع هذا منه، فهذا نقول: إن هذا عنده شهادة لم يعلم بها صاحب الحق.
ويذكر في ترجمة المعري أنه كان رجلا قوي الحافظة، وأنه تخاصم رجلان فارسيان في المسجد يتنازعان [بلغتهم] في المسجد، وأنهما مع النزاع أقر أحدهما للآخر ثم أنكر، فارتفعا للحاكم، فقال الحاكم: هل عندك شهود -يقوله لصاحب الحق- قال: أين أقر لك؟ قال: في المسجد، قال: هل في المسجد أحد؟ قال: لا يوجد إلا رجل أعمى ولا أدري ما عنده، قال: أحضروه، فجاء فقال: أنا لا أدري ما يقولان، ولكن أنا أحكي لك كلامهما! ! هو عربي وهما عجم، فقال: احك وبدأ يرطن عليه وتبين الحق، فهذه إن صحت تدل على قوة الحافظة، يعني: ليس كلاما عربيا يفهمه الإنسان؛ لأن الكلام العربي تفهم المعنى، ويمكن أن تعبر عنه بلفظ مقابل أو باللفظ نفسه، لكن كلام غير غربي وهذا الرجل غير عربي هذا من العجائب إن صحت القصة، لكني قرأتها قديما في ترجمته.
على كل حال نقول: يمكن أن يشهد الإنسان بحق وهو لا يدري عن شهادته، نقول: الأفضل لمن شهد شهادة لا يعلم بها صاحب الحق أن يؤديها قبل أن يسأل، بل نقول: يجب أن يؤديها أو على الأقل يعلم صاحب الحق.
وأما القسم الثاني فإنه إذا كان عنده شهادة لشخص يعلمها فالأفضل ألا يتسرع حتى يسأل إما من قبل الخصم وإما من قبل الحاكم، وأما أن يتسرع، فهذا يدل على أنه رجل خفيف وأنه لا يتأنى في الأمور، وحمله بعض العلماء على أن المراد بذلك: الشهادة في حق الله، يعني بذلك: أهل الحسبة، فإنهم يشهدون على المنكر وإن لم يستشهدوا، ولكن الصحيح أنه عام، وأن المراد بذلك: من كان عنده شهادة وليس يعلمها صاحب الحق.
حكم شهادة الخائن والعدو والقانع:
1342 -
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» . رواه أحمد وأبو داود.
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة"، خائن في حق العباد أو في حق الله؟ الحديث عام، أما الخائن في حق العباد فهو الذي يخون أماناتهم من ودائع وعوار وأعيان مضمونة وغير ذلك، وأما في حق الله فهو الذي لا يقيم دينه، لأن دين الله عز وجل مؤتمن عليه الإنسان كما قال الله تعالى:{إن عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} [الأحزاب: 72].
وقوله: "ولا ذي غمر"، وضبطه بعضهم:"غمر" لكن الأصوب غمر، والعمر هو الحقد والشحناء، وقوله:"على أخيه" يعني: أن شهادة من في قلبه حقد وشحناء لا تقبل على أخيه، وأما على غيره فتقبل، "ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت"، "القانع"، يعني: التابع لأهل البيت كما قال الله تعالى: {أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال} [النور: 31]، والمراد بهم: الخدم، وقوله:"لأهل البيت" يحتمل أن تكون متعلقة بـ"شهادة" أو ب"القانع"؟ إن قلنا: متعلقة بـ"القانع" صار المعنى: التابع لأهل البيت، وكلاهما صحيح؛ يعني: أن التابع لأهل البيت لا تجوز شهادته لهم.
ففي هذا الحديث: دليل على أن هؤلاء لا تجوز شهادتهم، وذلك أنه ينبغي أن نقول الشهادة لابد فيها من شروط ولابد فيها من الخلو من الموانع كغيرها من الأمور لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، فنبدأ بالشروط.
الشرط الأول: أن يكون مسلما، فالكافر لا تقبل له شهادة، أما على المسلم فظاهر، وأما على كافر مثله فالصحيح أنها تقبل، لاسيما في الأماكن التي لا يوجد فيها أحد من المسلمين، وعلى هذا فأصحاب الشركات الكفار والعمال الكفار يجوز أن يشهد بعضهم على بعض وإن كانوا كفارا، لكن هل تجوز شهادة الكافر على المسلم للضرورة؟ يرى بعض العلماء أنها تجوز للضرورة ويرى بعضهم أنها لا تجوز إلا في شيء معين وهو الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، يعني: لو كان رجل مسافرا وليس معه إلا كفار وأوصى بوصية في السفر ثم عند المخاصمة من الورثة الذين أنكروا الوصية يقبل الحاكم شهادة الرجلين من غير المسلمين.
فالإمام أحمد في المشهور من مذهبه يقول: لا تجوز شهادة الكافر إلا في هذه الحال، ولابد أن يكون من أهل الكتاب.
والصحيح: أن شهادة الكافر عند الضرورة تجوز سواء في السفر أو غيره، وسواء كان الكافر من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب، فمثلا: لو فرضنا أن رجلا مريضا في المستشفى ويمرضه طبيبان من الكفار وأوصى عند موته بوصية ولم يحضره في المستشفى قبل موته إلا هذان الكافران وشهدا فإننا نقبل شهادتهما للضرورة، ولكن إذا ارتبنا فهناك عمل آخر.
الشرط الثاني: البلوغ، ولكن البلوغ شرط للأداء وليس شرطا للتحمل، وعلى هذا فلو تحمله وهو صغير وأدى للشهادة بعد البلوغ فإنها تقبل. وهذا يقع كثيرا تكون القضية لها سنة أو سنتان ويشهد بها بالغ كان حين الوقوع -وقوع القضية- ليس ببالغ، فالعبرة بالأداء.
ولكن هل تقبل شهادة الصبي للضرورة؟ بمعنى: أن تكون قضية لم يشهدها إلا صبيان، وهذا يقع، صبيان يلهون في السوق فأخذ أحدهم حجرا وقذف به الآخر حتى شجه، فجاء أولياؤه يطالبون هذا الذي أخذ الحجر فشج صاحبهم، فقال أولياء الجاني: هل عندكم شهود؟ قالوا: كل الصبيان يشهدون، فهل تقبل شهادتهم؟ لا تقبل؛ لأنهم كلهم لم يبلغوا ولابد من البلوغ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فبعضهم قال: لا تقبل شهادتهم، وبعضهم قال: تقبل شهادتهم إذا لم يفارقوا محل الحادث؛ لأنهم إذا فارقوا محل الحادث ربما ينسون أو يلقنون، لكن طالما في محل الحادث تقبل لعدم التهمة، ومنهم من قال: العبرة بالضرورة، فمثلا: يوجد بالغ كما هو البالغ فإنها تقبل، لاسيما مع وجود القرائن، وهذا فيما أرى أنه راجع إلى رأي الحاكم، يعني: له أن يختار واحدا من هذه الأقوال الثلاثة، لكن إذا أجمع الصبيان على أن الجاني هو فلان فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف في وجوب العمل بهذه الشهادة.
الشرط الثالث: العقل، فإن كان مجنونا لم تقبل الشهادة، فإن تحمل وهو مجنون وأدى وهو عاقل لا تصح؛ لأن هذا لا يمكن، إذن فالعقل شرط للتحمل والأداء، ومما يلحق بالمجنون: الذي أصيب بعقله من جراء حادث أو غيره هذا أيضا لا تقبل شهادته، لأنه لن يضبطها.
الرابع: العدالة، بمعنى: أن يكون الشاهد عدلا، لقول الله تعالى:{وأشهدوا ذوى عدل منكم} [الطلاق: 2]. فأمر الله تعالى أن نشهد ذوي عدل، أي: صاحب عدل.
فمن ذوا العدل؟ قال العلماء: العدل من استقام دينه واستقامت مروءته، أو من استقام في دينه ومروءته، هذا العدل في الدين، قالوا: بأن يحافظ على الواجبات ولا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، فإن فعل كبيرة لم يتب منها أو أصر على صغيرة فإن شهادته لا تقبل؛ لأنه ليس بعدل.
وبناء على ذلك لا نقبل تحملا ولا أداء شهادة كل من يحلق لحيته، لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل شهادة كل من يدخن؛ لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل من اغتاب أحدا ممن لا يحل اغتيابه -ولو مرة واحدة- إذا لم يتب لا نقبل شهادته، ولو طبقنا هذا الشرط على عالمنا اليوم ما وجدنا أحدا يكون مستحقا للشهادة، حتى بعض الناس الذين هم على دين واستقامة لا يخلون من غيبة الناس، فلو طبقنا هذا الشرط ما وجدنا شاهدنا.
كذلك أيضا المروءة لابد أن يستقيم في مروءته، فلو فعل فعلا يخرجه عن المروءة ويشار إليه به ويستنكره الناس منه وإن كان حلالا فإنه ليس بعدل، وهذا مشكل، يعني: لو خرج واحد منكم -ممن تجري العامة بأنه لا يخلع غترته- خالعا غترته ماذا يكون؟ مخالفا للمروءة، وهذا في قوم يعتادون ستر رءوسهم بالغترة، أما من اعتاد كشف الرأس فهذا شيء آخر.