الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصب ما بعده، فأين نائب الفاعل؟ ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو، والقضاء مفعول ثانٍ، يعني: من ولاه السلطان أو نائبه القضاء فقد ذبح بغير سكين والمذبوح بغير سكين لا شك أنه سوف يكون عليه مشقة في الذبح لكنه لا يعني أنه يكون ميتة نجسًا؛ لأن المذبوح إذا ذبح على وجه صحيح فإنه يكون طاهرًا مذكى حلالاً، لكن يحصل عليه مشقة حيث ذبح بغير سكين مثل أن يذبح بخشبة أو حجر أو عظم أو غير ذلك. وجه المشابهة: أن المذبوح بغير سكين يتألم، والقاضي أيضًا يتألم أولاً: في طلبه معرفة الحق من الكتاب والسنة؛ لأن عليه أن يبحث وينظر في دلالة الكتاب والسُّنة على هذه القضية المعينة، ثانيًا: في تطبيق هذا على القضية المعينة، ثالثًا: في معرفة حال الخصوم؛ لأن من الخصوم من يظهر على خصومته الكذب ويعرفها الحاكم بفراسته.
فلهذه المقدمات الثلاث صار الحاكم أو القاضي كالمذبوح بغير سكين من أجل المشقة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الذبيحة ستكون حلالاً أو حرامًا، بل ظاهر الحديث أنها تكون حلالاً، فإذا اجتهد في هذه المقدمات الثلاث وحكم فإن حكمه صحيح نافذ وليس عليه في ذلك إثم.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: الحذر من القضاء أو التحذير من القضاء، ولكن هذا ما لم يتعين عليه، فإن تعين عليه بحيث لا يوجد أحد أفضل منه فإنه يجب عليه أن يتعين وأن يكون قاضيًا لئلا تضيع حقوق الناس، إذ إن الحقوق سوف تضيع إذا لم يكن هناك حاكم، ولهذا قال الله تعالى لداود:{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم} . ولأن الناس إذا لم يجدوا حاكمًا يحكم بالشرع ذهبوا إلى حاكم يحكم بغير الشرع؛ إذ إن الناس لابد لهم من حل مشاكلهم بأي طريق، فلا يحل لإنسان هو أهل للقضاء ولا يوجد من يقوم مقامه أن يعتذر، أو يقول: القضاء مشقة، والناس اختلفوا والحقوق صعبة وغير ذلك، نقول استعن بالله، وأنت إذا استعنت بالله عز وجل ثم بذلت الجهد فإن أخطأت فلك أجر واحد وإن أصبت فلك أجران، إذن لا نحذر من القضاء مطلقًا، ولا نرغب فيه مطلقًا، بل لابد من التفصيل.
تبعات الإمارة:
1329 -
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة". رواه البخاريُّ.
"إنكم" الخطاب للأمة جميعًا، "ستحرصون" أي: سيكون منكم حرص على الإمارة، أي:
على أن يكون أحدكم أميرًا، وهذا في الغالب من طبيعة الإنسان يحب أن يكون له سلطة على الناس سواء بحق أو بغير حق، الحرص على الإمارة ستكون ندامة يوم القيامة، لكن هذا اللفظ المطلق مقيد بما إذا لم يقم بحقها، فإن قام بحقها لم تكن ندامة بل كانت نعمة؛ لأن الذي يكون أميرًا ينفذ أحكام الله عز وجل في عباده لا شك أنه مأجور على هذا، والمأجور لا يمكن أن يندم أبدًا، لكن هذا فيما إذا لم يقم بالإمارة، أو يقال: هذا فيمن كان حريصًا على الإمارة بدون سبب شرعي؛ لأن الحريص على الإمارة بدون سبب شرعي إنما حرص ليكون له السلطة والسيطرة، والإنسان الذي يتولى أمور الناس من أجل أن يكون له السلطة والسيطرة في الغالب أنه يتبع الهوى ولا يرجع حتى لو بين له الحق، وحينئذ تكون ندامة. وقولنا:"بغير سبب شرعي" علم منه أنه لو كان لسبب شرعي فإنه لا بأس به، مثل: أن يكون القائم على هذه البلدة أميرا لا خير فيه بل فيه شر، فيأتي إنسان ويحرص على أن يكون هو الأمير من أجل أن يزيل هذا الشر ويحلّ محله الخير، فهنا نقول: الرجل لم يحرص على الإمارة لمجرد السُّلطة ولكن لإصلاح الخلق.
فهذه النصوص المطلقة يجب أن تقيد بالقاعدة العظيمة العريضة، وهي: أن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار.
وقوله صلى الله عليه وسلم "يوم القيامة" أي: يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، وسمي بذلك لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الناس يقومون كلهم لرب العالمين: {يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر} [القمر: 7]. ولا يكون خروجهم هذا في مهلة بل في لحظة، قال الله تعالى:{فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13 - 14]، وقال:{إن كانت إلَاّ صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53]. صيحة واحدة يصاح بهم: اخرجوا فيخرجون، {ما خلقكم ولا بعثكم إلَاّ كنفس واحدة} [لقمان: 28]. لأن الله إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون مهما كان ومهما كان من الصعوبة.
الأمر الثاني في سبب تسمية هذا اليوم يوم القيامة: أنه يقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [عاقر: 51]. والأشهاد منهم الرسل، ومنهم العلماء، ومنهم هذه الأمة، فإنها يومئذ تشهد على من سبقها، ومنها الجوارح تشهد على نفس الرجل أو المرأة بما عملوا، ومنها الأرض:{يومئذ تحدث أخبارهم (4) بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 4 - 5].
الأمر الثالث مما سمي يوم القيامة من أجله: أنه يقام فيه العدل كما قال تعالى: {ونضع
الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47]، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء وذلك يوم القيامة، وهذا غاية العدل.
وقوله: "فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة"، نعمت المرضعة لأن الأمير الذي لا يريد إلا مجرد السلطة يتنعم بما وصل إليه من الهوى الذي كان يحبه ويهواه فيكون في نعيم، لكن بئست الفاطمة إذا قطع عنه هذا النعيم بانتقاله إلى الآخرة ووجد بدل النعيم البؤس فلهذا قال:"نعمت المرضعة وبئست الفاطمة".
في هذا الحديث فوائد: أولاً: مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة» ، وهل وقع ذلك؟ نعم وقع، وقتل الناس، وسفكت الدماء، واستحلت الأموال من أجل الوصول إلى الإمارة فظهر مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إنكم ستحرصون على الإمارة» .
ومن فوائده: التحذير من الحرص على الإمارة، وكنه مقيد لغير سبب الشرعي، أما إذا كان لسبب شرعي، وكان الإنسان يريد أن يكون أميراً ليقوم بالعدل أو ليقيم العدل الذي أمر الله به فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: "وستكون ندامة يوم القيامة"، وهو اليوم الآخر، والإيمان به أحد أركان الإيمان، ولا يمكن للإنسان أن يستقيم على ما يطلب إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر، ولهذا تجدون أن الله يقرن بين الإيمان به واليوم الآخر كثيراً.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من حرص على الإمارة ونعم بها وأترف بها وصار الناس يمتثلون أمره وينقادون له ويكرمونه ويعظمونه، ولكنها -أي: الإمارة- في حقه على نية سيئة، فيقال فيها: نعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم أمر في السفر إذا كانوا ثلاثة أن يؤمر أحدهم؟
قلنا: نعم، لكن هؤلاء الثلاثة لا يحرص أحدهم على الإمارة إلا إذا رأى من نفسه أنه خير أخويه فحينئذ لا بأس أن يحرص عليها، وأما إذا رأى أنه ليس فيها خير وقالوا: يا فلان، نحن نرى أنك أميرنا فله أن يمتنع، فإن كان هو أحسن القوم في الرأي والتدبير والحزم والديانة فإنه لا يحل له أن يعتذر في هذه الحال. ومن الأسف: أن الناس يعتذرون في هذه الحال يقول أحدهم: أنا لست بملزوم، غيري يكون أميراً: فنقول: سبحان الله! أنتم رفقة ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو عشرون، لماذا لا تكون أميراً لهم؟ أحمد الله أنك أهل لها، كما أن بعض الناس الآن يتدافعون عن الإمامة في الصلاة يأتي ناس مثلاً في نزهة أو في سفر فإذا أقيمت الصلاة هذا