الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقدر عليه، والمعتزلة يقولون: أفعال العباد غير مشيئة لله؛ يعني: أن الله لا يشاؤها، وعلى هذا فلا يقدر عليها، وحينئذٍ يتفرع على ذلك أنه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا أن يضل مهتدياً، فصارت هذه الكلمة التي يتزين بها بعض الناس ويختم بها كلامه أو دعاءه كلمة غلط، أولاً: لمنافاتها ما أطلقه الله، وثانياً: لإيهامها لمعنى فاسد.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن قوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [الشورى: 29].
قلنا: المشيئة هنا مقيدة للجمع لا للقدرة؛ ولهذا جاءت بعد ذكر الجمع لا بعد ذكر القدرة، ويقال: وهو على جمعهم إذا شاء قدير إذا شاء الجمع قدير، خلافاً لمن قال: إن الله لا يقدر على البعث وقال: {من يحى العظام وهي رميم} فيقال: إذا أراد الله عز وجل وشاء فالأمر عليه هين، {وهو الذي يبدؤا الخلق يعيده، وهو أهون عليه} [الروم: 17]. إذن القدرة على كل شيء لا تقيد، بل قل: وهو على كل شيء قدير.
الفرق بين القدرة والقوة:
القدرة ما ضدها؟ العجز، والقوة؟ الضعف، أيهما أعم؟ بينهما عموم وخصوص من وجه؛ لأن القوة تشمل من له شعور ومن ليس له شعور؛ يعني: الحي الجماد يقال للحي قوي ويقال للجماد قوي الحديد قوي وهو جماد، والإنسان خلق من ضعف، ثم من بعد ضعف قوة ثم من بعد قوة ضعفاً وشيبة، وهي للحي، وهي أخص من جهة أنها قدرة وزيادة؛ لأن كل قوي من الحي قادر وليس كل قادر قوي، من جهة أخرى القدرة أخص من جهة متعلقها لأنها لا تكون إلا من حي؛ ولهذا لا يمكن أن نقول للحديد: إنه قادر ونقول للحي، إنه قادر فالإنسان قادر والحيوان قادر، وكل ذي روح يوصف بأنه قادر، ولنضرب مثلاً يتبين به الأمر: رجل قيل له: احمل هذه الصخرة فحملها بسرعة ووضعها فوق رأسه ماذا نقول لهذا؟ قادر وقوي مثال آخر: قيل لهذا الرجل: احمل الصخرة فجاء يحملها فثقلت عليه ثم تعصب وتلون وجهه واشتدت عضلاته ما هذا؟ قادر وليس قوياً، وقيل للثالث: احمل الصخرة فجاء يزحزحها فعجز لم يستطع رفعها قدر شعرة ما نقول؟ نقول: عاجز، إذن هذا هو الفرق بين القوة والقدرة بينهما عموم وخصوص وجهي.
ثم قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل"، "كان كالذي أعتق" أي: حرر من الرق، "أربعة أنفس من ولد إسماعيل" أربعة أنفس، ولم يقل: أربع أنفس مع أن النفس مؤنثة: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286]. مؤنثة، لكن لما كانت أنفس بمعنى رجال صار العدد المضاف إليها مؤنثاً، "أربعة أنفس من ولد إسماعيل"، من إسماعيل؟ إسماعيل بن إبراهيم أبو العرب، وإنما خص ولد إسماعيل؛ لأن أفضل أجناس بني
آدم هم العرب هم بنو إسماعيل نحن لا نقول لأننا عرب، بل نقوله؛ لأن هذا هو الواقع بدليل قوله تعالى:{الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 24]. أين جعل الرسالة؟ الرسالة العظمى في العرب، إذن هم أهل الرسالة العظمى فهم أفضل من غيرهم ولهذا وهبهم الله عز وجل من العلم والفهم والشجاعة والعزم ما لم يهب غيرهم وأقول هذا باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ لأنه قد يوجد في غير العرب من هو أفضل بكثير من العرب لكن العبرة بالجنس، فجنس العرب أفضل من غيرهم، ولذلك كان هذا الذي يقول: لا إله إلا الله عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل.
في هذا الحديث فوائد: منها: فضيلة هذا الذكر: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
ومنها: أنه لا زيادة فيه؛ أي: ليس فيه زيادة: "يحيي ويميت"، لكنها وردت في الذكر الذي بعد المغرب والعشاء، أما هذه العشر فليس فيها:"يحيي ويميت".
ومن فوائد الحديث: انفراد الله تعالى بالألوهية، وانفراده بالملك، وانفراده بالحمد، انفراده بالألوهية تؤخذ من قوله:"لا إله إلا الله" وانفراده بالملك من قوله: "له الملك"، ويقال كذلك في الحمد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في الأمور المهمة أن تؤكد سواء كانت إثباتاً أو نفياً من قوله: "وحده لا شريك له".
ومن فوائد الحديث: أن الله له الملك المطلق، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا اعتراض عليه، حتى كان بعض السلف يقول: أخشى أن أكون آثماً لو قلت: لو أنزل الله المطر لكان أنفع للناس، لماذا؟ كأنه فيه اعتراض، يعني: إلى هذا الحل؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى له الملك المطلق، كل ما حصل في الأرض أو في السماء من خير أو شر فهو ملك لله لا منازع له فاعلم أنه هو الخير.
ومن فوائد الحديث: أن الله له الحمد المطلق أيضاً: لقوله: "له الحمد" فيحمد الله عز وجل على كمال صفاته، وعلى كمال إحسانه، وعلى كمال حكمته ورحمته، وغير ذلك من مقتضيات الأسماء والصفات.
ومن فوائد الحديث: عموم قدرة الله؛ لقوله: "وهو على كل شيء قدير".
ومن فوائد الحديث: اعتبار العدد، العدد يختلف تارة مرتب الحكم على عدد عشر، وتارة على سبع وهو أكثر الأحكام، وتارة على ثلاثٍ، وتارة على خمسٍ، ومثل هذه الأحكام المرتبة على الأعداد هي في الحقيقة تعبدية محضة، ومن حاول أن يلتمس لها علة فإنه لن يستطيع إلا
أن يتكلف مكروهاً لا تقبله النفس، مثلاً: الصلوات المفروضة سبعة عشر ركعة موزعة على أوقاتها، هل تستطيع أن تعلل لماذا كانت الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً؟ لا؛ لأن هذه الأعداد لا نستطيع أن نعرف الحكمة منها، وحينئذٍ فيكون ترتيب الأحكام ثواباً كان أو عقاباً على عدد معين مما لا مجال للعقل فيه، لكن من أكثر الأحكام ما رتب على الثلاث والسبع، وظاهر الحديث "عشر مرات" أنه لا فرق بين أن يأتي بها متتابعة أو متفرقة تؤخذ من الإطلاق، وهذه قاعدة تفيدك أن المطلق يبقى على إطلاقه وله أمثلة قوله تعالى في صيام التمتع:{فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196]. هل يجب التتابع في الثلاثة والسبعة؟ لا يجب لو صام أول يوم قدم مكة وهو محرم بالعمرة صام يوماً، هذه ثلاثة، ولما رجع صار يصوم كل أسبوع يوماً جائز لأن الله لم يقيد ولهذا قال سبحانه:{تلك عشرة كاملة} حتى لا يتوهم الإنسان أنها بالتفريق ينفرد كل يوم عن الآخر، ولما أراد الله تعالى التتابع في صيام الظهار وفي صيام كفارة القتل قال:{فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92]. في كفارة اليمين من أخذ بالقراءة غير السبعية فصيام ثلاثة أيام متتابعة قراءة ابن مسعود من أخذ بالقراءة وهو الحق قال: إن صيام في كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة، المصحف الذي معنا ليس فيه متتابعة، ولكن أخذت من قراءة ابن مسعود.
المهم: أن ما أطلقه الله ورسوله فهو على إطلاقه، وعلى هذا فإذا قلت في أول النهار: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وفي الساعة العاشرة قلتها، وفي الساعة الحادية عشرة قلتها حتى أتممت عشراً في يوم الحديث مطلق، والمراد: كل يوم، فإنها تكون كمن أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل.
من فوائد الحديث: إثبات جريان الرق على العرب؛ لأنه لا عتق إلا بعد رق، ويمكن أن يسترق العرب، فالكفار من العرب إذا قوتلوا وسبيت النساء والذرية صاروا أرقاء كغيرهم من الناس، وليس هذا على سبيل المبالغة وأنه المراد به ضرب المثل بل هو حقيقة، فإن العرب قد يسترقون إذا وجد سبب الرق.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى فضيلة العرب، لماذا؟ لأنه قال:"من ولد إسماعيل"، ولم يقل: كمن أعتق أحداً من الأرقاء، قال:"من ولد إسماعيل"، وهذا أمر ذكرنا الإشارة إليه في الشرح أن العرب هم أفضل أجناس البشر، إذا كانوا هم أفضل أجناس البشر وقد جبلوا على اللغة العربية، فأي اللغات أفضل؟ اللغة العربية، ومع الأسف أن المخدوعين بالكفار يحاولون أن يجعلوا لساناً أعجمياً، حتى الصغار يعلمونهم اللغة الإنجليزية؛ فتجده يعرف من