المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٦

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الأطعمة

-

- ‌تحريم كل ذي ناب من السباع:

- ‌تحريم كل ذي مخلب من الطير:

- ‌حكم أكل الحمر الأهلية والخيل:

- ‌حكم أكل الجراد:

- ‌حكم أكل الأرنب:

- ‌حكم النملة والنحلة والهدهد والصرد:

- ‌حكم أكل الضبع:

- ‌حكم أكل القنفذ:

- ‌النهي عن أكل الجلالة:

- ‌حل الحمار الوحشي والخيل:

- ‌حل أكل الضب:

- ‌حكم الضفدع:

- ‌خلاصة كتاب الأطعمة، وخلاصته تدور على أمور:

- ‌1 - باب الصيد والذبائح

- ‌اقتناء الكلب:

- ‌حل صيد الكلب المعلم:

- ‌فائدة: حكم التسمية عند الذبح:

- ‌حكم ما أكل منه كلب الصيد:

- ‌حكم اشتراك كلبين في الصيد:

- ‌صيد المعارض:

- ‌تنبيه:

- ‌الصيد بالسهم وحكمه:

- ‌التسمية على ما لم يسم عليه عند الذبح:

- ‌فائدة: حكم اللحوم المستوردة من بلاد الكفار:

- ‌النهي عن الحذف:

- ‌النهي عن اتخاذ ذي الروح غرضاً:

- ‌حكم ذبح الحجر وذبح المرأة الحائض:

- ‌فائدة في ذبح ملك الغير وحله:

- ‌شروط الذبح:

- ‌النهي عن قتل الدواب صبراً:

- ‌وجوب إحسان القتلة:

- ‌ذكاة الجنين ذكاة أمة:

- ‌حكم نسيان التسمية عند الذبح:

- ‌2 - باب الأضاحي

- ‌شروط الأضحية:

- ‌صفة ذبح النبي صلى الله عليه وسلم للأضحية:

- ‌حكم الأضحية:

- ‌وقت الأضحية

- ‌عيوب الأضحية:

- ‌حكم ذبح المسنة:

- ‌لا يعطي الجزار من الأضحية:

- ‌إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة:

- ‌3 - باب العقيقة

- ‌العقيقة عن الغلام والجارية:

- ‌ارتهان الغلام بعقيقة:

- ‌وقت العقيقة والحلق:

- ‌مسألة السقط وأحكامه:

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌تعريف الأيمان:

- ‌كراهة الإكثار من اليمين:

- ‌فائدة: قرن اليمين بقول: «إن شاء الله»:

- ‌شروط وجوب الكفارة:

- ‌الحلف بغير الله:

- ‌شبهة والرد عليها:

- ‌اعتبارنية المستحلف في اليمين:

- ‌من حلف فرأى الحنث خيرا كفر عن يمينه:

- ‌الحنث في اليمين على خمسة أقسام:

- ‌الاستثناء في اليمين:

- ‌تحقيق القول في تعليق الحلف بالمشيئة:

- ‌نية الاستثناء لا تغني في اليمين إلا بالتلفظ به:

- ‌لفظ يمين الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌حكم الحلف بصفة من صفاته تعالى:

- ‌اليمين الغموس من كبائر الذنوب:

- ‌لغو اليمين:

- ‌أسماء الله الحسنى:

- ‌الدعاء بخير لصانع المعروف:

- ‌حكم النذر:

- ‌كفارة النذر:

- ‌حكم نذر المعصية وما لا يطاق:

- ‌وفاء نذر الميت:

- ‌حكم نذر المكان المعين:

- ‌حكم الانتقال عن النذر إلى ما هو أفضل منه:

- ‌الوفاء بالنذر بعد الإسلام:

-

- ‌كتاب القضاء

- ‌معنى القضاء والفرق بين القاضي والمفتي:

- ‌تولي القضاء فرض كفاية:

- ‌صفة القاضي الصالح:

- ‌وجوب الحذر من تولي القضاء:

- ‌تبعات الإمارة:

- ‌حكم الحاكم أو القاضي أو المفتي المجتهد:

- ‌النهي عن الحكم حال الغضب:

- ‌لا يقضي القاضي حتى يسمع قول الخصمين:

- ‌حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له إذا كان باطلاً:

- ‌حكم القاضي بعلمه وضوابطه:

- ‌الاهتمام بإقامة العدل:

- ‌خطر القضاء وكبر مسئوليته:

- ‌حكم ولاية المرأة أمور المسلمين العامة:

- ‌التحذير من احتجاب الوالي عن حاجة المسلمين:

- ‌الرشوة والهدية للقاضي:

- ‌تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس:

- ‌1 - باب الشهادات

- ‌خير الشهود الذي يشهد قبل أن يسأل:

- ‌خير القرون الثلاثة الأولى:

- ‌حكم شهادة الخائن والعدو والقانع:

- ‌لا تقبل شهادة البدوي على صاحبه قرية:

- ‌العبرة في عدالة الشاهد بما يظهر:

- ‌شهادة الزور:

- ‌الشهادة على ما استيقن وبالاستفاضة:

- ‌القضاء باليمين والشاهد:

- ‌البينة على المدعي واليمين على من أنكر:

- ‌القرعة بين الخصوم في اليمين:

- ‌غضب الله على من أخذ مال غيره بغير حق:

- ‌الحكم بحسب البينة:

- ‌تغليظ اليمين بالزمان أو المكان:

- ‌الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم:

- ‌اليد المرجحة للشهادة الموافقة لها:

- ‌رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه:

- ‌الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب:

- ‌كتاب العتق

- ‌تعريف العتق وبيان بعض أحكامه:

- ‌الترغيب في العتق:

- ‌عتق الأنثى:

- ‌عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى:

- ‌حكم من أعتق نصيبه من عبد:

- ‌السعاية:

- ‌حكم من ملك والديه أو ذا رحم محرم:

- ‌حكم التبرع في المرض:

- ‌تعليق العتق:

- ‌الولاء لمن أعتق:

- ‌بيع الولاء وهبته:

- ‌ باب المدبر، والمكاتب، وأم الولد

- ‌المكاتب عبد ما لم يفيا بما كُوتِبَ عليه:

- ‌ المكاتب كالحر إذا ملك ما كوتب عليه:

- ‌دية المكاتب:

- ‌تركة النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌عتق أم الولد بوفاة سيدها:

- ‌كتاب الجامع

- ‌1 - باب الأدب

- ‌معنى الأدب الإسلامي وأنواعه:

- ‌أنواع الأدب:

- ‌اختلاف الأديب باختلاف الأمم:

- ‌حقوق المسلم على أخيه:

- ‌إلقاء السلام ورده:

- ‌حكم إجابة الدعوة والنصيحة للمسلم:

- ‌آداب العطاس والتشميت:

- ‌عيادة المريض:

- ‌آداب اتباع الجنائز:

- ‌وسيلة عدم ازدراء نعمة الله:

- ‌البر والإثم وضوابطهما:

- ‌لا يتناجى اثنان دون الثالث:

- ‌آداب المجلس وأحكامها:

- ‌لعق الأصابع والصحفة:

- ‌آداب السلام وأحكامه:

- ‌سلام الواحد على الجماعة والعكس:

- ‌حكم السلام على أهل الكتاب:

- ‌تشميت العاطس:

- ‌حكم الشرب قائمًا:

- ‌استحباب التيامن في التنعل:

- ‌النهي عن المشي في نعل واحد:

- ‌حكم إسبال الثياب:

- ‌النهي عن الأكل والشرب بالشمال:

- ‌النهي عن الإسراف في كل شيء:

- ‌2 - باب البر والصلة

- ‌البركة في العمر والرزق بصلة الرحم:

- ‌النهي عن قطع الرحم:

- ‌النهي عن عقوق الوالدين:

- ‌التشديد في إضاعة المال:

- ‌بر الوالدين وضوابطه:

- ‌حقوق الجار:

- ‌أعظم الذنوب عند الله:

- ‌من الكبائر سب الرجل أبا الرجل:

- ‌بماذا يزول التهاجر بين الأخوين

- ‌كل معروف صدقة:

- ‌الإحسان إلى الجار ولو بالقليل:

- ‌الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه:

- ‌الدال على الخير كفاعله:

- ‌المكافأة على المعروف:

- ‌3 - باب الزهد والورع

- ‌الحلال والحرام والمشتبهات:

- ‌مبحث حديث الحلال والحرام من جامع العلوم والحكم:

- ‌التحذير من حب الدنيا:

- ‌كن في الدنيا كالغريب:

- ‌الترغيب في المتشبه بالصالحين:

- ‌حفظ الله بحفظ حدوده:

- ‌كيف يكون العبد محبوباً عند الناس

- ‌كيف يكون العبد محبوباً من الله

- ‌من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه:

- ‌النهي عن الإسراف في الأكل:

- ‌التوبة فضلها وشروطها:

- ‌فضل الصمت وقلة الكلام:

- ‌4 - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق

- ‌النهي عن الحسد:

- ‌تعريف الحسد وأقسامه:

- ‌ذم الغضب:

- ‌النهي عن الظلم والشح:

- ‌تعريف الظلم لغة وشرعاً:

- ‌الرياء:

- ‌تعريف الرياء لغة وشرعاً:

- ‌خصال النفاق:

- ‌النهي عن السباب:

- ‌التحذير من سوء الظن:

- ‌التحذير من الغش للرعية:

- ‌أمر الوالي بالرفق برعيته:

- ‌النهي عن الغضب:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌النهي عن التخوض في أموال الناس بالباطل:

- ‌حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده:

- ‌الغيبة وتغليظ النهي عنها:

- ‌النهي عن أسباب البغض بين المسلمين:

- ‌استعاذة الرسول صلى الله عليه وسلم من سوء الأخلاق والأعمال والأهواء:

- ‌المزاح بين المسلمين وضوابطه:

- ‌الفرق بين المجادلة والمماراة:

- ‌ذم البخل وسوء الخلق:

- ‌النهي عن مضارة المسلم:

- ‌المسلم ليس بذيئاً ولا فاحشاً ولا لعاناً:

- ‌النهي عن سب الأموات:

- ‌النميمية:

- ‌كفُّ الغضب:

- ‌ذم الخداع والبخل:

- ‌تحريم التجسس:

- ‌التحذير من الكبر:

- ‌ذم العجلة:

- ‌الشؤم سوء الخلق:

- ‌التحذير من كثرة اللعن:

- ‌النهي أن يغير المسلم أخاه:

- ‌التحذير من الكذب لإضحاك الناس:

- ‌كفارة الغيبة:

- ‌5 - باب الترغيب في مكارم الأخلاق

- ‌الترغيب في الصدق:

- ‌حقوق الطريق:

- ‌الترغيب في الفقه:

- ‌الترغيب في حسن الخلق:

- ‌الترغيب في الحياء:

- ‌الترغيب في التواضع:

- ‌الترغيب في الصدقة:

- ‌من أسباب دخول الجنة:

- ‌النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل مسلم:

- ‌كيف تكون النصيحة لكتاب الله

- ‌النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم كيف تكون

- ‌النصح للولاة وللعلماء:

- ‌أعظم نصيحة النصح للعلماء:

- ‌النصح للعامة كيف يكون

- ‌الترغيب في تقوى الله:

- ‌حسن الخلق:

- ‌المؤمن مرآة أخيه:

- ‌مخالطة الناس والصبر على أذاهم:

- ‌الدعاء بحسن الخلق:

- ‌6 - باب الذكر والدعاء

- ‌حقيقة الذكر وأنواعه:

- ‌حقيقة الدعاء وشروط الاستجابة:

- ‌آداب الدعاء:

- ‌فضل المداومة على ذكر الله:

- ‌فضل "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ومعناها:

- ‌الفرق بين القدرة والقوة:

- ‌فضل "سبحان الله وبحمده" ومعناها:

- ‌الباقيات الصالحات:

- ‌فضل لا حول ولا قوة إلا بالله:

- ‌الدعاء هو العبادة:

- ‌فضل الدعاء بعد الأذان:

- ‌استحباب رفع اليدين في الدعاء:

- ‌حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:

- ‌فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌سيد الاستغفار ومعناه:

- ‌سؤال العافية في الدين والدنيا والأهل والمال:

- ‌الاستعاذة من سخط الله:

- ‌الاستعاذة من غلبة الدين والعدو وشماتة الأعداء:

- ‌معنى الصمد:

- ‌دعاء الصباح والمساء:

- ‌الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة:

- ‌من صيغ الاستغفار:

- ‌الدعاء بخير الدارين:

- ‌ينبغي للمؤمن أن يسأل العلم النافع:

- ‌من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

الفصل: ‌من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

وإذا وجد ما يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وما يوجد الآن من عبارة بعض الناس "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سوا" هذه عبارة مبتدعة وخير منها عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم:«الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار» أي: حالهم في الدنيا والآخرة، حالهم في الدنيا: الضلال والغي والفساد، حالهم في الآخرة: النار والعذاب: فأنت تستعيذ بالله من حال أهل النار في الدنيا والآخرة.

‌من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

1501 -

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها هذا الدعاء: «اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم أني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعو بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب منها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً» . أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم.

عائشة أحب النساء إليه اللاتي مات عنهن؛ ولذلك سئل من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة" قيل: ومن الرجال؟ قال: "أبوها"، فعائشة من النساء اللاتي شاركن مع غيرهن في الرسول صلى الله عليه وسلم، أما خديجة فلم يشاركها أحد في الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا لا تجزم أيهما أحب أعائشة أم خديجة؟ لكن بقية النساء لاشك أن عائشة أحب النساء إليه، علمها هذا الدعاء:"يعني إنما قدمت هذه المقدمة ليتبين لكم أهمية هذا الدعاء، فعلمها هذا الدعاء، وعلم أباها دعاء آخر يدعو به في صلاته وهو: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت

إلخ" قال: «علمها هذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير له عاجله» أي: مقدمه وآجله مؤخره ما علمت منه وما لم أعلم؛ لأن الخير قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً، "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك" وهذا مجمل، لكنه عند الله عز وجل معلوم، أسألك من ير ما سألك عبدك ونبيك، هل تعلم هي كلما سأله الرسول من خير؟

ص: 516

لا، ولكن الله يعلمه، وكذلك يقال في الشر ونحن أسقطنا جملة وهي "وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم" مقابل قوله:«اللهم إني أسألك من الخير كله» وكذلك قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، واللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل"، أيضًا علمها أن تسأل الله الجنة وما قرب إليها، كل ما قرب من قول أو عمل، واعلم أن العمل إذا أطلق دخل فيه القول وإذا قرن بالقول صار المراد به الفعل.

في هذا الحديث فوائد: أولاً حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأهله، حيث علم عائشة هذا الدعاء الجامع النافع، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» .

ومنها: ينبغي للإنسان أن يعلم أهله ما ينفعهم في دينهم ودنياهم أولاً: ليكونوا على بصيرة في دينهم، وثانياً: ليجري أجره عليه بعد موته، وثالثاً: من أحق الناس بمنفعتك؟ أقاربك، قال الله تعالى:{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214].

ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو الله بهذا الدعاء للسببين السابقين: أولاً: ما فيه من المصلحة العظيمة، وثانياً: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا ليس من فعل الرسول لكنه من قوله.

ومن فوائد الحديث: أنك تقول: أسألك الخير كله أو تقول: من الخير؛ لأن "من" هنا للتبعيض والخير كله لا يكون لأحد، الخير كله إنما هو بيد الله عز وجل، فلا يمكن أن يحصل للإنسان كل خير بل يحصل له من الخير.

ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البسط في الدعاء؛ لأن قوله: من الخير كله يغني عن قوله: عاجله وآجله، لكن البسط في الدعاء من الأمور التي جاءت بها الشريعة ما لم يخرج عن حده إلى الأسراف، ولهذا لو دعا دعاء مفصلاً خرج عن حده صار مكروهاً.

ومن فوائد الحديث: أنه لا بأس أن يسأل الإنسان ربه سؤالاً مجملاً لقوله: "ما علمت منه وما لم أعلم"، وقد يريد الإنسان خيراً معيناً يسأل الله إياه، وهذا أيضًا جائز، وقد يريد الإنسان شيئاً نافعاً لكن يتردد في منفعته هل يكون خيراً له أو لا؟ فهذا يؤمر بصلاة الاستخارة.

ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله تعالى من الشر كله عاجله وآجله، وهنا نقول: من الشر ليس للتبعيض، ولكنها للتعدية أي تعدية العامل؛ ولهذا نقول: إن الإنسان يستعيذ من الشر كله قليله وكثيرة، ففرق بينها وبين السؤال، أسألك من الخير، من هنا للتبعيض، أعوذ بك من الشر، قلنا هذه للتعدية أي تعدية الفعل ويقال في عاجله وآجله ما سبق.

ص: 517

ومن فوائده: أنه في قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك

إلخ"، أيضًا فيه جواز الدعاء بالإجمال، ولكن يقيد بمن يعرف بالصلاح لو قلت: اللهم إني أسألك من خير ما سألك فلان وأنت تعرف أن الرجل هذا يسأل الله الصلاح فالظاهر أنه لا بأس به، لكن نقول: إن خيراً من ذلك أن تقول: ما سأل نبيك.

ومن فوائد الحديث: إثبات النبوة والعبودية للرسول صلى الله عليه وسلم ففيه إثبات نبوته رداً على من كذبه، وفيه إثبات عبوديته رداً على من غلا فيه صلى الله عليه وسلم، ويقال أيضًا في أعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك.

ومن فوائد الحديث: سؤال الجنة وكل ما يقرب إليها من قول وعمل، ومن قول: يشمل قول اللسان، وقول القلب والعمل: يشمل عمل الجوارح وعمل القلب، فما هو قول القلب وما هو عمل القلب؟

قول القلب هو إيمانه واعترافه بالشيء، وعمله هو حركته محبة، يعني: أن يحب الشيء بغضاً يبغض الشيء، رجاء يرجو الشيء، خوفاً يعني: أن يخاف الشيء، خشية وما أشبه ذلك، المهم أن عمل القلب حركة القلب، أما قوله فهو إقراره وإيمانه أما عمل الجوارح فواضح، وقول اللسان واضح أيضًا.

ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل؛ لأن النار لها قوال تقرب إليها وأعمال تقرب إليها أما بقية الحديث وقال: "وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً" هذه كلمة جامعة، والله تعالى يقضي على العبد بما يضره وبما ينفعه بما يلائمه وبما لا يلائمه، فأنت تسأل الله أن يجعل قضاء قضاه خيراً لك أما قضاء ما يسر وما ينفع فظاهر أنه خير، ولكن ما يضر وما يسوء كيف يكون خيراً؟

إذا أصابك الله بضر وصبرت واحتسبت الأجر من الله ماذا يكون هذا الضرر؟ يكون خيراً؛ لأن ثواب الآخرة خير من الدنيا، كذلك أيضًا إذا جاء الأمر على خلاف ما تريد فهذا أيضًا قد يكون خيراً لك، قد يصرف الله عنك من السوء ما لا تعلمه وأنت تكره أن يقع، ولهذا جاء في القرآن الكريم:{كنت الله عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنت لا تعلمون} [البقرة: 216]. إذن يكون معنى: وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً سواء كان هذا القضاء مما يسر أو يسوء أو يضر أو ينفع.

ص: 518

1502 -

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .

قلنا فيما سبق الكلمة في اللغة العربية وفي لسان الشرع غير الكلمة في اصطلاح النحويين، تشمل الجملة والجمل، والكلمة الطويلة والكلمة القصيرة، وتشمل أيضًا الشعر والنثر، قال:"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" إلى الله عز وجل يعني: أن الله يحبهما، "خفيفتان على اللسان" هذا مقابل قوله:"ثقيلتان في الميزان" خفيفتان؛ لأنهما لا يتعبان، لو بقي إنسان يقولهما ليله ونهاره ولا يتعب لسانه، "ثقيلتان في الميزان" أي: ما توزن به الأعمال يوم القيامة، "سبحان الله وبحمده" هذه كلمة، "سبحان الله العظيم" هذه الكلمة الثانية، وسبق قول القائل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وأنه تنزيه لله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، هذا الحديث ختم به المؤلف كتابه رحمه الله تأسياً بالبخاري [الذي] ختم به كتابه الصحيح مع أنه ذكره في مواضع أخرى لكنه أختار رحمه الله أن يجعل هذا الحديث آخر كتابه، نسأله الله أن يحب الجميع.

في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات المحبة لله عز وجل أن الله يحب الأعمال لقوله: "حبيبتان إلى الرحمن" والله عز وجل تتعلق محبته تارة بالعمل مثل هذا الحديث، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:«أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» ، «أحب الصيام إلى الله صيام داود» ، والأمثلة كثيرة، وتارة تتعلق محبة الله تعالى بالعمل، لقوله تعالى:{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: 40]. {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7]. والأمثلة كثيرة، وتارة تعلق بالمكان مثل "أحب البقاع إلى الله مساجدها ومكة أحب البقاع إلى الله".

أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى يحب محبة حقيقية ثابتة، وغيرهم يحرف المحبة ويقول المحبة عبارة عن الثواب، ولكن هذا وإن سلم لهم في قوله:{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} لا يسلم في قوله: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» ، لأن الصلاة نفسها لا تثاب بل يثاب فاعلها، وكذلك «أحب البقاع إلى الله مساجدها» فالمساجد لا تثاب إنما يثاب من صلى فيها.

ص: 519

ومن فوائد الحديث: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل لقوله: «إلى الرحمن، ورحمة الله تعالى عامة وخاصة، فالعامة هي التي وسعت كل شيء كما قال تعالى:{ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]. والخاصة هي التي للمؤمنين فقط، الرحمة العامة دليلها أيضًا {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، والخاصة كقوله:{وكان بالمؤمنين رحيماً} [الأحزاب: 43]. وعلى هذا لو سألك سائل هل الله تعالى راحم الكافرين؟

الجواب: أن الرحمة العامة نعم، والخاصة لا.

ومن فوائد الحديث: الترغيب في العمل، يعني: تقليل العمل في نفس الإنسان حتى ينشط عليه، لقوله:"خفيفتان على اللسان"، ومن ذلك قول الله تعالى لما ذكر الصيام قال:{أياماً معدودات} [البقرة: 184]. يعني: ليس كل الوقت بل أياماً قليلة وعلى هذا فينبغي للإنسان عندما يخاطب الناس في موعظة أن يقلل لهم الكلفة في الأعمال الصالحة، حتى يقدموا عليها ولذلك في عدة المتوفى عنها زوجها قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين سألته امرأة أن ابنتها توفي عنها زوجها وانها اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: لا، "لا تكحلها" ثم قال:«إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول» يعني في الجاهلية.

يشير إلى قصة غريبة في الجاهلية إذا مات الزوج عن المرأة صارت في خفي في أقصى خبائها ليس عندها أحد ولا يعطونها ماء ولا شيئاً [سوى] الأكل والشرب فقط، كل الروائح الكريهة عندها، روائح حيض، روائح البول، العذرة، كل شيء إلى سنة كاملة، بعد السنة الكاملة تؤثر بشيء طاهر أو ما أشبه ذلك، من أجل أن تدلك به حول الفرج، يقول فلما تفعل شيئاً من ذلك إلا هلكت من الرائحة الكريهة، ثم إذا خرجت أخذت بعرة-روثة البعير- من الأرض ثم رمت بها إثارة إلى أن كلما حصل لها أهون من هذه البعرة الجاهلية، كلها جهل.

والإسلام خفف لها العدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، المهم أن ذكر هذا من باب التسلية في الأمور التي يعتقد الإنسان أنها شاقة، ومن باب الترغيب في الطاعة.

"ثقيلتان في الميزان" يعني ما توزن به الأعمال، وهذا فيه أن الذي يوزن هو العمل، وهذا هو ظاهر النصوص في الكتاب والسنة، وهنا يبقى إشكال، وهو كيف يوزن العمل وهو معنى قائم ببدن العامل وليس شيئاً محسوساً؟ فيقال: إن الله تعالى يجعل هذه المعاني أحياناً توزن وانظر إلى الموت هل هو جسم أو معنى؟

قولنا: "معنى" هنا معناه: فقد الحياة، يؤتي به يوم القيامة على صورة كبش ويذبح أمام أهل الجنة وأهل النار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويقال لأهل النار يا أهل النار خلود ولا

ص: 520

موت، فالله تعالى على كل شيء قدير، فهو سبحانه يجعل المعاني أحيانا توزن، وقال بعض العلماء: إن الذي يوزن العامل، وقال آخرون: إن الذي يوزن صحائف الأعمال، وقد مر الكلام على هذا مبسوطاً والحمد لله.

ومن فوائد الحديث: إثبات الميزان، والميزان جاء مفرداً وجاء مجموعاً قال الله تعالى:{فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية} [القارعة: 6 - 9]. وجاء بلفظ الإفراد مثل: «ثقيلتان في الميزان» فقيل: إنه جمع لأن كل أمة لها ميزان خاص وهو مجموع باعتبار الأمم.

وقيل مجموع باعتبار الإفراد لأن لكل فرد ميزاناً، وقيل إنه جمع باعتبار الموزون، فتعدد الميزان بتعدد الموزون، لأنك إذا جئت بميزان واحد وزنت به مال فلان ومال فلان ومال فلان صار كأنه موازين متعددة.

والأقرب-والله أعلم- أن لكل أمة ميزاناً؛ لأن أعمال الأمم تختلف فيكون لها ميزان بحسب ما يعطيها الله تعالى من الثواب، فميزان هذه الأمة ميزان واحد وميزان الأمم الأخرى لكل أمة ميزان.

ومن فوائد الحديث: فضيلة هذا الذكر: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، والله لو أفتى الإنسان دهره كله في هذا لكان الدهر رخيصاً؛ لأنهما ثقيلتان في الميزان، وحبيبتان إلى الرحمن، وخفيفتان على اللسان.

ومن فواد الحديث: استعمال السجع في الكلام؛ لأن السجع في الكلام، ويشد المخاطب إليه ويسهل على اللسان ولكن بشرط ألا يكون متكلفاً.

وبهذا انتهى كلامنا على بلوغ المرام، ونسأل الله تعالى أن يجعله نافعاً لعباده.

يبقى الآن ماذا تريدون أن نقرأ بعد كتاب بلوغ المرام؟

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات

* * * *

تم بحمد الله

ص: 521