الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا وجد ما يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وما يوجد الآن من عبارة بعض الناس "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سوا" هذه عبارة مبتدعة وخير منها عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم:«الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار» أي: حالهم في الدنيا والآخرة، حالهم في الدنيا: الضلال والغي والفساد، حالهم في الآخرة: النار والعذاب: فأنت تستعيذ بالله من حال أهل النار في الدنيا والآخرة.
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
1501 -
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها هذا الدعاء: «اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم أني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعو بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب منها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً» . أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم.
عائشة أحب النساء إليه اللاتي مات عنهن؛ ولذلك سئل من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة" قيل: ومن الرجال؟ قال: "أبوها"، فعائشة من النساء اللاتي شاركن مع غيرهن في الرسول صلى الله عليه وسلم، أما خديجة فلم يشاركها أحد في الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا لا تجزم أيهما أحب أعائشة أم خديجة؟ لكن بقية النساء لاشك أن عائشة أحب النساء إليه، علمها هذا الدعاء:"يعني إنما قدمت هذه المقدمة ليتبين لكم أهمية هذا الدعاء، فعلمها هذا الدعاء، وعلم أباها دعاء آخر يدعو به في صلاته وهو: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت
…
إلخ" قال: «علمها هذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير له عاجله» أي: مقدمه وآجله مؤخره ما علمت منه وما لم أعلم؛ لأن الخير قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً، "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك" وهذا مجمل، لكنه عند الله عز وجل معلوم، أسألك من ير ما سألك عبدك ونبيك، هل تعلم هي كلما سأله الرسول من خير؟
لا، ولكن الله يعلمه، وكذلك يقال في الشر ونحن أسقطنا جملة وهي "وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم" مقابل قوله:«اللهم إني أسألك من الخير كله» وكذلك قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، واللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل"، أيضًا علمها أن تسأل الله الجنة وما قرب إليها، كل ما قرب من قول أو عمل، واعلم أن العمل إذا أطلق دخل فيه القول وإذا قرن بالقول صار المراد به الفعل.
في هذا الحديث فوائد: أولاً حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأهله، حيث علم عائشة هذا الدعاء الجامع النافع، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» .
ومنها: ينبغي للإنسان أن يعلم أهله ما ينفعهم في دينهم ودنياهم أولاً: ليكونوا على بصيرة في دينهم، وثانياً: ليجري أجره عليه بعد موته، وثالثاً: من أحق الناس بمنفعتك؟ أقاربك، قال الله تعالى:{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214].
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو الله بهذا الدعاء للسببين السابقين: أولاً: ما فيه من المصلحة العظيمة، وثانياً: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا ليس من فعل الرسول لكنه من قوله.
ومن فوائد الحديث: أنك تقول: أسألك الخير كله أو تقول: من الخير؛ لأن "من" هنا للتبعيض والخير كله لا يكون لأحد، الخير كله إنما هو بيد الله عز وجل، فلا يمكن أن يحصل للإنسان كل خير بل يحصل له من الخير.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البسط في الدعاء؛ لأن قوله: من الخير كله يغني عن قوله: عاجله وآجله، لكن البسط في الدعاء من الأمور التي جاءت بها الشريعة ما لم يخرج عن حده إلى الأسراف، ولهذا لو دعا دعاء مفصلاً خرج عن حده صار مكروهاً.
ومن فوائد الحديث: أنه لا بأس أن يسأل الإنسان ربه سؤالاً مجملاً لقوله: "ما علمت منه وما لم أعلم"، وقد يريد الإنسان خيراً معيناً يسأل الله إياه، وهذا أيضًا جائز، وقد يريد الإنسان شيئاً نافعاً لكن يتردد في منفعته هل يكون خيراً له أو لا؟ فهذا يؤمر بصلاة الاستخارة.
ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله تعالى من الشر كله عاجله وآجله، وهنا نقول: من الشر ليس للتبعيض، ولكنها للتعدية أي تعدية العامل؛ ولهذا نقول: إن الإنسان يستعيذ من الشر كله قليله وكثيرة، ففرق بينها وبين السؤال، أسألك من الخير، من هنا للتبعيض، أعوذ بك من الشر، قلنا هذه للتعدية أي تعدية الفعل ويقال في عاجله وآجله ما سبق.
ومن فوائده: أنه في قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك
…
إلخ"، أيضًا فيه جواز الدعاء بالإجمال، ولكن يقيد بمن يعرف بالصلاح لو قلت: اللهم إني أسألك من خير ما سألك فلان وأنت تعرف أن الرجل هذا يسأل الله الصلاح فالظاهر أنه لا بأس به، لكن نقول: إن خيراً من ذلك أن تقول: ما سأل نبيك.
ومن فوائد الحديث: إثبات النبوة والعبودية للرسول صلى الله عليه وسلم ففيه إثبات نبوته رداً على من كذبه، وفيه إثبات عبوديته رداً على من غلا فيه صلى الله عليه وسلم، ويقال أيضًا في أعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك.
ومن فوائد الحديث: سؤال الجنة وكل ما يقرب إليها من قول وعمل، ومن قول: يشمل قول اللسان، وقول القلب والعمل: يشمل عمل الجوارح وعمل القلب، فما هو قول القلب وما هو عمل القلب؟
قول القلب هو إيمانه واعترافه بالشيء، وعمله هو حركته محبة، يعني: أن يحب الشيء بغضاً يبغض الشيء، رجاء يرجو الشيء، خوفاً يعني: أن يخاف الشيء، خشية وما أشبه ذلك، المهم أن عمل القلب حركة القلب، أما قوله فهو إقراره وإيمانه أما عمل الجوارح فواضح، وقول اللسان واضح أيضًا.
ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل؛ لأن النار لها قوال تقرب إليها وأعمال تقرب إليها أما بقية الحديث وقال: "وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً" هذه كلمة جامعة، والله تعالى يقضي على العبد بما يضره وبما ينفعه بما يلائمه وبما لا يلائمه، فأنت تسأل الله أن يجعل قضاء قضاه خيراً لك أما قضاء ما يسر وما ينفع فظاهر أنه خير، ولكن ما يضر وما يسوء كيف يكون خيراً؟
إذا أصابك الله بضر وصبرت واحتسبت الأجر من الله ماذا يكون هذا الضرر؟ يكون خيراً؛ لأن ثواب الآخرة خير من الدنيا، كذلك أيضًا إذا جاء الأمر على خلاف ما تريد فهذا أيضًا قد يكون خيراً لك، قد يصرف الله عنك من السوء ما لا تعلمه وأنت تكره أن يقع، ولهذا جاء في القرآن الكريم:{كنت الله عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنت لا تعلمون} [البقرة: 216]. إذن يكون معنى: وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً سواء كان هذا القضاء مما يسر أو يسوء أو يضر أو ينفع.
1502 -
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
قلنا فيما سبق الكلمة في اللغة العربية وفي لسان الشرع غير الكلمة في اصطلاح النحويين، تشمل الجملة والجمل، والكلمة الطويلة والكلمة القصيرة، وتشمل أيضًا الشعر والنثر، قال:"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" إلى الله عز وجل يعني: أن الله يحبهما، "خفيفتان على اللسان" هذا مقابل قوله:"ثقيلتان في الميزان" خفيفتان؛ لأنهما لا يتعبان، لو بقي إنسان يقولهما ليله ونهاره ولا يتعب لسانه، "ثقيلتان في الميزان" أي: ما توزن به الأعمال يوم القيامة، "سبحان الله وبحمده" هذه كلمة، "سبحان الله العظيم" هذه الكلمة الثانية، وسبق قول القائل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وأنه تنزيه لله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، هذا الحديث ختم به المؤلف كتابه رحمه الله تأسياً بالبخاري [الذي] ختم به كتابه الصحيح مع أنه ذكره في مواضع أخرى لكنه أختار رحمه الله أن يجعل هذا الحديث آخر كتابه، نسأله الله أن يحب الجميع.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات المحبة لله عز وجل أن الله يحب الأعمال لقوله: "حبيبتان إلى الرحمن" والله عز وجل تتعلق محبته تارة بالعمل مثل هذا الحديث، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:«أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» ، «أحب الصيام إلى الله صيام داود» ، والأمثلة كثيرة، وتارة تتعلق محبة الله تعالى بالعمل، لقوله تعالى:{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: 40]. {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7]. والأمثلة كثيرة، وتارة تعلق بالمكان مثل "أحب البقاع إلى الله مساجدها ومكة أحب البقاع إلى الله".
أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى يحب محبة حقيقية ثابتة، وغيرهم يحرف المحبة ويقول المحبة عبارة عن الثواب، ولكن هذا وإن سلم لهم في قوله:{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} لا يسلم في قوله: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» ، لأن الصلاة نفسها لا تثاب بل يثاب فاعلها، وكذلك «أحب البقاع إلى الله مساجدها» فالمساجد لا تثاب إنما يثاب من صلى فيها.
ومن فوائد الحديث: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل لقوله: «إلى الرحمن، ورحمة الله تعالى عامة وخاصة، فالعامة هي التي وسعت كل شيء كما قال تعالى:{ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]. والخاصة هي التي للمؤمنين فقط، الرحمة العامة دليلها أيضًا {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، والخاصة كقوله:{وكان بالمؤمنين رحيماً} [الأحزاب: 43]. وعلى هذا لو سألك سائل هل الله تعالى راحم الكافرين؟
الجواب: أن الرحمة العامة نعم، والخاصة لا.
ومن فوائد الحديث: الترغيب في العمل، يعني: تقليل العمل في نفس الإنسان حتى ينشط عليه، لقوله:"خفيفتان على اللسان"، ومن ذلك قول الله تعالى لما ذكر الصيام قال:{أياماً معدودات} [البقرة: 184]. يعني: ليس كل الوقت بل أياماً قليلة وعلى هذا فينبغي للإنسان عندما يخاطب الناس في موعظة أن يقلل لهم الكلفة في الأعمال الصالحة، حتى يقدموا عليها ولذلك في عدة المتوفى عنها زوجها قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين سألته امرأة أن ابنتها توفي عنها زوجها وانها اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: لا، "لا تكحلها" ثم قال:«إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول» يعني في الجاهلية.
يشير إلى قصة غريبة في الجاهلية إذا مات الزوج عن المرأة صارت في خفي في أقصى خبائها ليس عندها أحد ولا يعطونها ماء ولا شيئاً [سوى] الأكل والشرب فقط، كل الروائح الكريهة عندها، روائح حيض، روائح البول، العذرة، كل شيء إلى سنة كاملة، بعد السنة الكاملة تؤثر بشيء طاهر أو ما أشبه ذلك، من أجل أن تدلك به حول الفرج، يقول فلما تفعل شيئاً من ذلك إلا هلكت من الرائحة الكريهة، ثم إذا خرجت أخذت بعرة-روثة البعير- من الأرض ثم رمت بها إثارة إلى أن كلما حصل لها أهون من هذه البعرة الجاهلية، كلها جهل.
والإسلام خفف لها العدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، المهم أن ذكر هذا من باب التسلية في الأمور التي يعتقد الإنسان أنها شاقة، ومن باب الترغيب في الطاعة.
"ثقيلتان في الميزان" يعني ما توزن به الأعمال، وهذا فيه أن الذي يوزن هو العمل، وهذا هو ظاهر النصوص في الكتاب والسنة، وهنا يبقى إشكال، وهو كيف يوزن العمل وهو معنى قائم ببدن العامل وليس شيئاً محسوساً؟ فيقال: إن الله تعالى يجعل هذه المعاني أحياناً توزن وانظر إلى الموت هل هو جسم أو معنى؟
قولنا: "معنى" هنا معناه: فقد الحياة، يؤتي به يوم القيامة على صورة كبش ويذبح أمام أهل الجنة وأهل النار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويقال لأهل النار يا أهل النار خلود ولا
موت، فالله تعالى على كل شيء قدير، فهو سبحانه يجعل المعاني أحيانا توزن، وقال بعض العلماء: إن الذي يوزن العامل، وقال آخرون: إن الذي يوزن صحائف الأعمال، وقد مر الكلام على هذا مبسوطاً والحمد لله.
ومن فوائد الحديث: إثبات الميزان، والميزان جاء مفرداً وجاء مجموعاً قال الله تعالى:{فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية} [القارعة: 6 - 9]. وجاء بلفظ الإفراد مثل: «ثقيلتان في الميزان» فقيل: إنه جمع لأن كل أمة لها ميزان خاص وهو مجموع باعتبار الأمم.
وقيل مجموع باعتبار الإفراد لأن لكل فرد ميزاناً، وقيل إنه جمع باعتبار الموزون، فتعدد الميزان بتعدد الموزون، لأنك إذا جئت بميزان واحد وزنت به مال فلان ومال فلان ومال فلان صار كأنه موازين متعددة.
والأقرب-والله أعلم- أن لكل أمة ميزاناً؛ لأن أعمال الأمم تختلف فيكون لها ميزان بحسب ما يعطيها الله تعالى من الثواب، فميزان هذه الأمة ميزان واحد وميزان الأمم الأخرى لكل أمة ميزان.
ومن فوائد الحديث: فضيلة هذا الذكر: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، والله لو أفتى الإنسان دهره كله في هذا لكان الدهر رخيصاً؛ لأنهما ثقيلتان في الميزان، وحبيبتان إلى الرحمن، وخفيفتان على اللسان.
ومن فواد الحديث: استعمال السجع في الكلام؛ لأن السجع في الكلام، ويشد المخاطب إليه ويسهل على اللسان ولكن بشرط ألا يكون متكلفاً.
وبهذا انتهى كلامنا على بلوغ المرام، ونسأل الله تعالى أن يجعله نافعاً لعباده.
يبقى الآن ماذا تريدون أن نقرأ بعد كتاب بلوغ المرام؟
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات
…
* * * *
تم بحمد الله