الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العلماء رحمهم الله في هذا أله حكمة أم لا؟ فقال بعض العلماء: إنه تعبدي لأن كل حكم شرعي لا نعقل معناه فهو تعبدي، وقال بعض العلماء: بل فيها حكمة، والحكمة أن الرسول أمر بذلك وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم حكمة، وقال آخرون: بل الحكمة أن الإبل خلقت من الشياطين كما جاء في الحديث، وقال آخرون: بل الحكمة إن لحم الإبل يثير الأعصاب ولهذا نهى الأطباء عن كثرة أكل لحم الإبل لمن كان عصبياً أنتهى الجواب ماذا يعمل؟ الجواب الأول الذي هو محط الفائدة يضيع عليه، فأنت كلم كل سائل بما يتحمله عقله وبما يناسب حاله.
مسألة مهمة:
لكن هنا مسألة مهمة وهي: أن الإنسان إذا جاءك يسأل ورأيت عليه معصية ولنفرض أنها حلق اللحية أو إسبال الثوب فمن المستحسن أن تعرض عليه النصيحة لأنه جاء إليك كالمضطر، ولأن هذه طريق الرسل، يوسف لما جاءه صاحبي السجن ماذا قال لهما عند استفتاءهما قال:{يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39]. وهذه تفوت كثيراً من طلبة العلم تجد السائل يسأل ويتصرف لكن إذا حصل لك فرصة أن تمسك هذا الرجل إن كان عندك أحد اهمس في أذنه وانصحه ففي هذا خير كثير وتأثير بليغ.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للسائل أن يردد السؤال استثباتاً للأمر لا اعتراضاً عليه؛ لأن هذا الرجل كان يقول: أوصني يقول: لا تغضب، أوصني لا تغضب، وكأن هذا الرجل استهان بهذه الوصية العظيمة كأنه يريد شيئاً آخر، لكن وصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية، فعلى هذا نقول: يجوز أن يكرر السائل السؤال إذا كان يترقب جواباً آخر، أما إذا كان لا يترقب جواباً آخر فلا حاجة للتكرار.
ومنها: أن من الآداب ألا يغضب الإنسان وأن يكتم غضبه ويكظم غيظه بقدر المستطاع، وكم من إنسان غضب ونفذ غضبه وندم، ما أكثر الذين يسألون الآن عن الطلاق ويقولون: نحن طلقنا على غضب.
النهي عن التخوض في أموال الناس بالباطل:
1432 -
وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق؛ فلهم النار يوم القيامة". أخرجه البخاري.
خولة امرأة فكيف قبلنا خبرها وهي امرأة والله عز وجل يقول: {فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان} [البقرة: 282]. والنبي صلى الله عليه وسلم جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل؟
الجواب: أن هذا من باب الإخبار الديني، والإخبار الديني يستوي فيه المرأة والرجل، حتى لو أن المرأة شهدت بغروب الشمس فإن للصائم أن يفطر، ولو شهدت برؤية الهلال فإن على الناس أن يصوموا وهي امرأة، قالوا: لأن هذا خبر ديني فقبلت فيه المرأة يقول صلى الله عليه وسلم: "إن رجالاً" ورجال هذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق لا تدل على العموم، فكأنه قال: إن من الرجال، لأن النكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق إلا في موضع واحد إذا كانت في سياق الإثبات على وجه الامتناع فإنها تكون للعموم، "إن رجالاً بتخوضون" هذه من الخوض، والخوض هو: الشيء الباطل الذي يتصرف فيه الإنسان تصرفاً أهوج كما قال الله تعالى: {الذين هم في خوضٍ يلعبون} [الطور: 12]. والتخوض في المال نوعان: سابق ولاحق فأما التخوض السابق فمعناه: أن يكتسب الإنسان المال من أي وجه كان حلالاً أو حراماً، المهم أن يجمع المال هذا تخوض، نقول: إنه تخوض سابق على كسب المال، والتخوض اللاحق هو الذي يكون بعد كسب المال لا يحسن التصرف فيه يتخوض فيه يميناً وشمالاً بالملاهي والملذات وغيرها من الأشياء التي لا تنفع بل هي إضاعة للمال، وقوله:"بغير حق" الظاهر أنها صفة كاشفة وليست صفة مقيدة أي: تبين أن كل خوض في المال فإنه بغير حق وليست صفة مقيدة لأنها لو كانت صفة مقيدة لكان الخوض ينقسم إلى قسمين: حق وباطل وهذا ليس بوارد، التخوض كله باطل، فعلى هذا يكون قوله:"بغير حق" صفة كاشفة والصفة الكاشفة لا تفيد التقييد وإنما تفيد التعليل، مثال ذلك {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21]. لو جعنا الذي خلقكم والذين من قبلكم صفة مقيدة لكان لنا ربان: أحدهما الذي خلقنا والذي من قبلنا، والثاني لا، ولكنها صفة كاشفة أي: مبنية للواقع وتفيد التعليل أي: من أجل كونه هو الخالق يجب أن تتقوه، قوله:"في مال الله".
قد يقول قائل: إن المراد به التخوض في الأموال الشرعية كالزكاة والغنيمة والفيء والخراج وما كان في بيت المال، نقول: هذا احتمال وارد لا شك، والتخوض في هذه الأموال أشد من التخوض في مال الفرد الحر، لأن التخوض في مال الفرد الحر، يمكن للإنسان أن يبدأ منه يطلب المسامحة أو المعاوضة أو ما أشبه ذلك، لكن المشكل أن يتخوض في مال عام كأموال الزكاة والغنيمة والفيء، اقول: إن هذا وارد أن يكون قوله: "في مال الله" أي: الأموال الشرعية ويحتمل أنه عام كما في قوله تعالى: {وءاتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33]. وهذا ليس المراد به الأموال الشرعية، وعلى هذا فيكون قوله: في مال الله: يشمل جميع الأموال الشرعية والمكتسبة، وقوله:"فلهم النار يوم القيامة" وهذا وعيدٌ والجملة هنا مربوطة بالفاء.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: تحريم التخوض في المال وأن ذلك من الكبائر وجه الدلالة