الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن فوائده: عظمة العرش بإضافته إلى الله عز وجل، وهذه الإضافة إضافة خاصة كإضافة البيت إليه، وإضافة الناقة إليه، وإضافة المساجد، وغير ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن كلمات الله عز وجل لا حصر لها لقوله: "ومداد كلماته".
ومن فوائده: أن الله تعالى يتكلم، وقد اتفقت الأمة على كلام الله، حتى أهل التعطيل قالوا: إن الله يتكلم، لكن الأصول في هذا ثلاثة: قول المعتزلة والجهمية: أن الله يتكلم وكلامه مخلوق، وقول الأشاعرة ومن سلك سبيلهم: أن الله يتكلم وكلامه هو المعنى القائم بنفسه وليس شيئاً يسمع، والثالث: قول أهل السنة يقولون: إن الله يتكلم بحروف وأصوات مسموعة سمعها من شاء من خلقه، وهذا هو الحق أن الله تعالى يتكلم بما شاء بمن شاء وكيف شاء، كلاماً حقيقياً بحروف وأصوات، وهو سبحانه وتعالى ناجى موسى صلى الله عليه وسلم:{وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى} فخاف، فقال الله له:{خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} [طه: 17 - 21]. مناجاة مع الله بكلام يسمعه موسى ويفهمه ويعرفه ويجيب عليه، ولا أدل على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت من مثل هذه المحاورة.
الباقيات الصالحات:
1482 -
وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: "الباقيات الصالحات" كأنه يشير إلى قوله تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا} [الكهف: 46]. فهذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم للباقيات الصالحات المذكورات في هذه الآية الكريمة، وسميت باقية؛ لأنها تبقى مدخرة للعبد عند الله عز وجل ينتفع بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وسميت صالحة؛ لأنها من أفضل الكلام وأطيبه:"لا إله إلا الله"، يحتمل أن تكون "لا إله إلا الله" وما عطف عليها مبتدأ والباقيات الصالحات خبر، ويحتمل العكس، وكلاهما صحيح، لكن جملة "لا إله إلا الله" يحسن أن تكون خبراً؛ وذلك لأن المعروف أن الذي يكون جملة هو الخبر، أما وجه كونها مبتدأ وما قبلها خبر فتكون هذه الجملة مؤولة بهذا اللفظ: يعني: كأنه قال: هذا اللفظ الباقيات الصالحات، فصار لنا في إعرابها
وجهان: الوجه الأول: أن تكون "الباقيات الصالحات" خبراً مقدماً، و"لا إله إلا الله" جملة مبتدأ مؤخر على تقديرها باللفظ كما قال المعربون في قول ابن مالك:
(قال محمدٌ هو ابن مالك
…
أحمد ربي الله خير مالك)
قالوا: "أحمد" إلى آخر الألفية مقول القول، فالجمل كلها قامت مقام المفرد؛ أي: قال ابن مالك هذا القول، هنا نقول: إن "لا إله إلا الله" إذا جعلناها مبتدأ صارت على تأويل هذا اللفظ، أما إذا جعلنا "الباقيات" مبتدأ و"لا إله إلا الله" خبر فلا إشكال؛ لأن جملة "لا إله إلا الله" خبر وهو لا غرابة فيه؛ إذ إن الخبر يقع جملة ويقع مفرداً، ويقع شبه جملة، وسبق الكلام على معنى "لا إله الله الله" و"سبحان الله"، أما قوله:"الله أكبر" فهو حقيقة، ومعناه: فالله تعالى أكبر من كل شيء في علمه وقدرته وسمعه وبصره وسلطانه، وغير ذلك، أكبر من كل شيء، وهو سبحانه وتعالى ذاته أكبر من كل شيء؛ لأن السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا؛ ولأن الله سبحانه يقول:{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} [الرمز: 67]. ويقول: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلقٍ نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104]. فالله أكبر من كل شيء في أسمائه وصفاته، وكذلك في ذاته، ولا يقدر أحد قدره إذا كان العرش يقول فيه ابن عباس: لا يقدر قدره إلا الله فما بالك بخالق العرش، إذن عندما نقول "الله أكبر" لابد أن نشعر بأنه أكبر من كل شيء علماً وقدرة وسلطاناً وحكمة وتدبيراً وغير ذلك، كما أن ذاته تعالى أكبر من كل شيء.
يقول: "والحمد لله" سبق لنا معنى الحمد وأنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا يشترط التكرار؛ لأنك كررت الحمد صار ثناء، وقوله:"الحمد" قال العلماء: إن "أل" في الحمد للاستغراق؛ أي: كل حمد، وأن اللام في قوله:"الله" للاستحقاق والاختصاص، فالذي يستحق الحمد كله هو الله والحمد كله خاص بالله لا أحد يحمد الحمد كله، وإنما يُحمد فاعل الإحسان على شيء معين مخصوص وصغير.
"والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله"، "لا حول" هذه "لا" تسمى عند النحويين النافية للجنس، ومعنى كونها نافية للجنس أنها شاملة لجميع أفراد المنفي على التنصيص؛ وذلك لأن العموم قد يكون شاملاً لجميع أفراد العام بحسب الظاهر، لكن "لا حول" تنص على جميع أفراد العام نصاً قطعياً، إذن لا حول إلا بالله، ومعنى لا حول؟ الحول قيل معناه: التحول من حال إلى
حال؛ يعني: لا تتحول الأحوال من حال إلى حال إلا بالله، ولا يستطيع أحد أن يحول الرخاء إلى شدة والشدة إلى رخاء إلا الله عز وجل، فيكون "حول" بمعنى: تحول أو بمعنى تحويل، تحول إذا كان التحول بذات الشيء تحويل إذا كان بفعل فاعل.
وقوله: "ولا قوة" أي: لا قوة على هذا التحول إلا بالله عز وجل، يعني: لا أحد يقوى على تحويل شيء إلى شيء أو التحول من شيء إلى شيء إلا بالله عز وجل، وعلى هذا فيكون معنى هذه الجملة العظيمة التبرؤ من الحول والقوة، وتفويض ذلك إلى الله عز وجل وحده؛ ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة استعانة، والذين يأتون بها في محل كلمة الاسترجاع إنما يقصدون بذاك الاستعانة على الصد على هذه المصيبة، أعنى: أن كثيراً من الناس إذا أصيب بمصيبة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قيل له: حصل كذا وكذا من المعاصي وغيرها يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن المشروع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو ذكر المصائب، لكن من قال: لا حول ولا قوة إلا
بالله عند المصائب له وجه، وهو أنه قصد الاستعانة على الصبر الذي هو مأمور به، نحن إذا سمعنا المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، استرجاعاً أو استعانة؟ استعانة؛ لأن المؤذن دعاك: حي على الصلاة أقبل، حي على الفلاح الذي يكون بالصلاة، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الذكر متضمن لقول السامع سمعنا وأطعنا.
في هذا الحديث: الحث على قول هذه الأذكار وهي: "لا إله إلا بالله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ، ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وهل يشترط أن يقولها جميعاً وإلا لم تكن من الباقيات؟ الجواب: لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: الباقيات الصالحات أن يقول كذا وكذا حتى مقول: إن الكلام جملة واحدة، ولكنه قال: الباقيات هذه وهذه وهذه وهذه، وعلى هذا فيكون كل واحدة من الباقيات الصالحات.
ومن فوائد الحديث: أن الذي يبقى للإنسان هو العمل الصالح، وأما المال والبنون فإن استعان بذلك على طاعة الله صارت من الباقيات وإلا فهي من الفانيات، تفنى بفناء الدنيا.
ومن فوائد هذا الحديث: تفسير القرآن بالسنة، وهذا له أمثلة كثيرة، وقد قال العلماء رحمهم الله: إن الواجب في التفسير أن ترجع أولاً تفسير الله عز وجل، ثم إلى تفسير الرسول، ثم إلى تفسير الصحابة، ثم إلى تفسير علماء التفسير من التابعين، فهذه أربع رتب: الرتبة الأولى: الرجوع إلى تفسير الله، فالله تعالى أعلم بمراده، فإذا فسر شيئاً بشيء فلا عدول عنه، مثال ذلك: {القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس
…
} [القارعة: 1 - 4]. وأمثلته كثيرة، ثم تفسير النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعلم الخلق بمراد الله كما معنا في هذا الحديث: الباقيات
الصالحات هي كذا وكذا، هذا من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، وله أمثله مثل قوله تعالى:{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ} الأنفال: 60]. قال: القوة الرمي، {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. قال: الزيادة هي النظر إلى وجه الله، {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: الظلم الشرك.
ومن فوائد الحديث: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله: "لا إله إلا الله".
ومن فوائده: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، في قوله:"وسبحان الله".
ومن فوائده: بيان عظمة الله عز وجل وكبريائه في قوله: "والله أكبر".
ومن فوائده: أن أفعال الله تعالى كلها متضمنة للحمد محمود عليها؛ لأنها كلها حكمة لقوله: "والحمد لله".
ومن فوائد الحديث: تفويض الحول والقوة إلى الله عز وجل في قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بالله"، ويتضمن هذا التفويض إثبات قدرة الله عز وجل وقوته على تحويل الأمور من حال إلى حال، وعلى هذا فلا نلجأ إلى تغييرها إلا إلى الله عز وجل.
فإن قال قائل: الصلاة من الباقيات الصالحات لا شك وهي لم تأت في الحديث؟
فالجواب من أحد وجهين: إما يقال: إن الحديث ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التمثيل لا الحصر، وإما أن يقال: الصلاة فيها ذكر: تسبيح وحمد وقرآن.
وإذا قال قائل: والزكاة من الباقيات الصالحات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة"، وهذا لم يذكر في الحديث؟
فالجواب أيضاً من وجهين: إما أن يقال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر هذا على سبيل التمثيل، وإما أن يقال: إن دفع الزكاة تقرباً إلى الله عز وجل متضمن لمعنى قوله: "لا إله إلا الله"، أي إنسان يدفع ما يحبه والمال محبوب للنفوس تقرباً إلى الله إلا وهو يعتقد أنه لا إله إلا الله.
أحب الكلام إلى الله:
1483 -
وعن سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "أحب الكلام إلى الله أربعٌـ لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". أخرجه مسلمٌ.
قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى الله" أي: ما يتكلم به الإنسان، والظاهر أنه لا يشمل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل، والإنسان إذا تلاه فإنه لا ينسب إليه إلا تلاوة ولا ينسب إليه ابتداء؛ لأن
الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدأ لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً أو تاليا غير ذلك، فإما أن يقال:"أحب الكلام" أي: ما يتكلم به الإنسان، فيخرج من ذلك القرآن الكريم فإنه أحب ما يتقرب إلى الله به ما خرج منه وهو القرآن.
وقوله: "إلى الله أربع لا بأيهن بدأت"، هذا من أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في التعليم، أحياناً يذكر الأشياء محصورة بعدد من أجل تقريبها للحفظ؛ لأن الشيء إذا كان محصوراً كان أقرب إلى الحفظ والإدراك وإن كان هناك أشياء أخرى توافق هذا الحكم، فمثلاً:"سبعة يظلهم الله في ظله"، هناك أناس يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة، "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم"، هناك آخرون لا ينظر الله إليهم، يقول:"لا يضرك بأيهن بدأت" يعني: أن الترتيب ليس بشرط، ممكن أن نقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، أو تخالف بينهن، المهم أن تقولها، وإنما نص الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك لئلا يكلف الإنسان نفسه في مراعاة الترتيب، يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
فيستفاد من الحديث: أولاً: إثبات محبة الله عز وجل، وأن الله تعالى موصوف بالمحبة، وهو سبحانه يحب ويحب، والدليل قول الله تعالى:{فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 45]. فأثبت عز وجل أنه يحب وأنه يحب، وهذا هو مذهب السلف الصالح وعليه أهل السنة، وقال بعض أهل البدع: إنه لا يحب ولا يحب، وأن محبته ثوابه، ومحبة الإنسان إياه قيامه بطاعته، ففسروا المحبة بآثارها، وقال آخرون: إنه يحب ولا يحب، وهذا أيضاً باطل، والصواب أن الله عز وجل يحب ويحب، ومحبة الله عز وجل تكون معلقة بالوصف، وتكون معلقة بالشخص، فمن تعلقها بالوصف قوله تعالى:{إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله صفاً} [الصف: 24]. {إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195]. {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7]. هذا عام بالوصف، ومن تعلقها بالشخص قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي كان يقرأ ويختم بقل هو الله أحد ويقول: إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أخبروه أن الله يحبه"، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" هذا أثبت المحبة من الطرفين فأعطاها علي بن أبي طالب، ومن ذلك أيضاً -وهي أخص- إثبات الخلة لشخصين فقط -فيما نعلم- لمن؟ لمحمد وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- أما إبراهيم فقد قال الله تعالى:{واتخذ الله إبراهيم خليلاً} [النساء: 125]. كذلك أيضاً محبة الله تتعلق بالأعمال: "أحب الكلام إلى الله أربع، وأحب الأعمال الصلاة على وقتها" وهي كثيرة، علقت هنا بالأعمال، وقد تتعلق بالأمكنة مثل:"أحب البقاع إلى الله مساجدها"، فهنا تعلقت بالأمكنة، إذن في هذا الحديث: إثبات محبة الله.