الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدعاء بخير الدارين:
1498 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر» . أخرجه مسلم.
هذا أيضاً من الأدعية الجوامع التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بها، "اللهم أصلح لي ديني" وهو الإسلام والعبادة؛ لأن العبادة دين والإسلام دين أيضًا أما كون الإسلام ديناً فلقوله تعالى:{ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3]. وأما كون العبادة ديناً فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم إحداكن» ، قالوا: وما نقصان دينها؟ قال: «إنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم» ، والصلاة والصيام عبادة إذن "ديني" يشمل الإسلام والعبادات الأخرى، ومعلوم أن العبادات بمجموعها هي الإسلام.
ومعنى: "عصمة أمري" أي: أن أعتصم به من النار، فإنه لا ينجي الإنسان من عذاب الله إلا التمسك بدين الله عز وجل، ثم هو أيضًا عصمة الإنسان من الزلل، فإن الإنسان كلما كان أتقى لله وأقوى ديناً لله كان أقل زللاً، ولهذا نجد أنه كلما كان وازع الدين للناس أقوى قلت فيهم المعاصي، وقل فيهم الفساد، وإذا نقص الوازع الديني كثر الفساد وكثر الظلم، إذن "عصمة أمري" أي: الذي أعتصم به من النار؛ وأعتصم به من الزلل في الحياة الدنيا.
"وأصلح ل دنياي التي فيها معاشي"، الدنيا حقيقة معاش وليست مقراً، وإنما هي متاع يتمتع به الإنسان ويعيش به من أجل أن يقوم بطاعة الله، والله ما متعنا بالدنيا من أجل أن نبني القصور، ونكنز المال، ولكن لعبادة الله فهي معاش فقط، عيش يتمتع به الإنسان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» «وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي» ، إليها المعاد أي: المرجع إصلاح الدنيا، بأن يمن الله عليك بكفاية تغنيك عن الناس، وغني لا يطغيك على أوامر الله، وأن يسهل لك فيها الأمر، وأن يرزقك ما يعينك على طاعة الله، وإصلاح الآخرة بشيئين: النجاة من النار، ودخول الجنة، فإن الإنسان إذا حصل له هذان الأمران فهذا إصلاح الآخرة، وقوله:"التي فيها معادي" يعني:
المعاد النهائي الذي هو المأوى الأخير، وأما القبور فليس إليها المعاد، القبور عبارة عن زيارة يقوم بها الإنسان حتى يُبعث.
"واجعل الحياة زيادة لي في كل خير"، لم يقل الرسول: أطل عمري: بل قال: "اجعل الحياة زيادة لي في كل خير"، وهذه الحياة حقيقية أن يكتب الإنسان فيها خيراً، أما طول العمر فلا خير فهو إما لغو وإما إثم، ولهذا كره بعض أهل العلم الدعاء بطول البقاء، فمنهم من قال: إن هذا شيء فرغ منه فلا تدع بطول البقاء، لكن هذا التعليل عليل؛ لأن كل شيء فرغ منه حتى الرزق، لو قلنا: إن الشيء إذا فرغ منه فلا يدعي به لقلنا أيضًا لا تدع الله تعالى بعلم نافع، لأن هذا أيضًا فرغ منه! الملك الموكل بالأرحام يؤمر بكتب الرزق والأجل والعمل وشقي أو سعيد، لكن وجه الكراهة: هو أن طول البقاء قد يكون شراً «شر الناس من طال عمره وساء عمله» ، ولهذا دعوت بالبقاء لأحد فقيده قل: أطال الله بقاءك على طاعة، ولهذا الرسول قال:«اجعل الحياة زيادة لي في كل خير» ، ولا شك أن المؤمن كلما ازدادت أيامه في طاعة الله فإنه خير له، كم من إنسان بقي أياماً بعد غيره واكتسب بها درجات كبيرة فاق من سبقه.
«واجعل الموت راحة لي من كل شر» يعني: إذا أمتني فاجعل في موتي مصلحة وهي الراحة من كل شر، ومن ذلك الفتن والشبهات التي تعتري القلوب، التي تعتري الإرادات وفي الحديث:«إن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» .
في هذا الحديث فوائد: منها: ما سبق أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء السببين: الأول: ما فيه من الفائدة العظيمة العائدة للإنسان، والثاني: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: أن الدين أهم شيء على الإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به، ولهذا إذا أردت أن تدعو الله لشخص بصلاحه قل: أصلح الله لك الدين والدنيا، فابدأ بالدين؛ لأنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا، دليل ذلك قوله تعالى:{من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97]. فذكر الله له الجزاءين، جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة، وذكر العلماء عن السلف رحمهم الله أنهم يقولون: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه -يعني: من راحة البال وطمأنينة القلب وانشراح الصدر- لجالدونا عليه بالسيوف.
ومن فوائد الحديث: أن الدين عصمة للإنسان يمنعه من الأعمال السيئة والأخلاق الرزيلة، وهو عصمة له في الآخرة يحصل به أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج على الإنسان أن يسأل الله تعالى إصلاح معاشه؛ لقوله: «أصلح لي دنياي التي فيها معاشي» ، وكل إنسان يريد أن تصلح له الدنيا؛ لأنها لو فسدت لكان ذلك سبباً في فساد دينه؛ لأن الإنسان إذا اشتغل بتحصيل معاشه فربما يصده عن أشيا كثيرة من الدين، وإن كان تحصيل المعاش من الدين كما جاء في الحديث، «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في السبيل» أو قال:«كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر» .
ومن فوائد الحديث: سؤال الإنسان ربه أن يصلح آخرته.
ومن فوائده: أن الآخرة هي التي إليها المعاش، وبهذا نبين خطأ العبارات التي نسمعها كثيراً في الرجل إذا مات يقولون: عاد إلى مثواه الأخير، هذا غلط عظيم، ولو أن الإنسان اعتقد مقتضاه لكان كافراً؛ لأن مضمون قوله:"مثواه الأخير" أنه لا بعث، وإنكار البعث كفر.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يسأل الله أن يكون طول حياته زيادة له في الخيرات لقوله: «اجعل الحياة زيادة» يعني: طول الحياة زيادة لي في كل خير.
ومن فوائده: أن الإنسان ربما يكون موته راحة له من شرور وفتن مقبلة، ولهذا يقول:«اجعل الموت راحة لي من كل شر» .
فإن قال قائل: هل في هذا تمني الموت؟
الجواب: لا؛ لأنه لم يقل: أمتني، وإنما قال:«اجعل الموت راحة لي من كل شر» ، وكذلك الحديث الذي أشرنا:«إن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» ، وكذلك:«توفني إذا علمت الوفاة خيراً لي» كل هذا مقيد.
فإن قال قائل: يرد على قولك أنه لا يتمنى الموت إلا مقيداً قول مريم رضي الله عنها: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً} [مريم: 23].
نقول: إن مريم لم تتمن الموت سبقاً، وإنما تمنت أنها ماتت ولم تحصل هذه الفتنة؛ لأن هذا الذي حصل لها أمر عظيم، ولهذا لما جاءت إلى قومها بابنها تحمله قالوا:{لقد جئت شيئاً فرياً (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كنت أمك بغياً} [مريم 27 - 28]. إشارة إلى أنها هي بغي، والقصة مكملة في القرآن.