الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحذير من الغش للرعية:
1428 -
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيته، يموت يوم يموت، وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة}. متفق عليه.
هذا حديث عظيم يجب على الإنسان أن يكون نصب عينيه دائماً وأبداً "ما من عبد يسترعيه الله رعية" هل هذا يختص بالإمام الأعظم أو بمن هو نائب عنه كالوزراء والأمراء أو هو عامٌ؟
هو عامٌ، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". الرجل راع في أهله استرعاه الله عليهم إذا مات وهو غاشٌ لهؤلاء الأهل فإن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول حرم الله عليه الجنة". ومن الغش في رعية الناس اليوم نصب هذه الدشوش التي أفسدت العقائد والأخلاق ودمرت الأمة فإن الذي ينصبها ستكون عليه وبالا وهو في قبره -والعياذ بالله- ويكون ميتاً وهو غاشٌ لأهله ولرعيته؛ ولهذا يجب الحذر من أن يخلف الإنسان في أهله شيئاً محرماً عليهم.
فإن قال قائل: وهل يدخل في ذلك مدير المدرسة؟
نعم، يدخل في ذلك فإذا مات وهو غاش لمن تحت يده فإن الله يحرم عليه الجنة، يدخل في ذلك المدرس؟
نعم، إذن عام وهو في الحقيقة عام حتى المرأة في بيت زوجها تدخل في ذلك إذا غشت الزوج وصارت تنفق ما لا يحتاج إيه وتعطي مما لم يأذن لها فيه فهذا غش إن ماتت على هذا فإن الله يحرم عليها الجنة.
ففي هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: أن الأمور كلها بيد الله، وأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى سلطة قليلة كانت أو كثيرة إلا بإذن الله، دليل ذلك "ما من عبد يسترعيه الله رعية".
ومن فوائد الحديث: أنه لو تاب هذا الغاش ومات وهو ناصح فإنه لا يلحقه هذا الوعيد وعلى هذا فالحمد لله لكل داء دواء.
ومن فوائد الحديث: وجوب النصح على الولي إذا ولاه الله تعالى على رعيته وجه ذلك الوعيد الشديد على هذا.
ومن فوائد الحديث: أن غش من استرعاك الله عليه من كبائر الذنوب، وجهة الوعيد وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب.
وهل من فوائد الحديث: أن هذا الغش كفر؛ لأنه يحرم عليه الجنة، إذا حرمت عليه الجنة أين يكون؟
في النار، هل يكون فيها أبداً؟
ظاهر الحديث أنه يخلد في النار ولا نعلم أحداً يخلد في النار دائماً إلا إذا كان كافراً لكن مذهب أهل السنة والجماعة أن مثل هذه النصوص الوعيدية يحملونها على النصوص الأخرى ولذلك انقسم أهل القبلة في أحاديث الوعد والوعيد فمنهم من غلب جانب الوعد ونسي جانب الوعيد وقال: كل نص ورد في الوعيد إنما هو في الكافرين، وأما المسلمون فإنه لا يلحقهم، فالمسلم عندهم مهما عمل من المعصية فإنه لا يلحقه إثم هذه المعصية ولو من كبائر الذنوب وهؤلاء هم المرجئة، وهذا لا شك أنه فتح بابٍ بل كسر بابٍ للعصاة، العاصي إذا اعتقد هذه العقيدة سيعمل أي معصية دون الكفر ويقول: الحمد لله الإيمان كامل، والإثم مرفوع ولا شك أن هذا باطل.
على العكس من ذلك قوم أخذوا بنصوص الوعيد وقالوا: إن نصوص الوعيد مطبقة على إطلاقها وليس فيها تقييد ولا رد للنصوص الأخرى وهؤلاء هم المعتزلة والخوارج فقالوا: كل نص وعيد فإنه نافذ، وإذا اقتضى الخلود في النار، فمن عوقب به فهو في النار لا يخرج منها أبداً وعلى هذا ينزل ظاهر الحديث الذي معنا الآن: أن من مات وهو غاشٌ لرعيته فهو مخلد في النار، لأنه ليس هناك إلا داران: إما الجنة وإما النار، فإذا حرمت الجنة لزم أن يخلد في النار وهذان طرفان كلاهما على غير الصواب، والصواب أن هذه النصوص الوعيدية مطلقة تقيد بالنصوص الأخرى الدالة على أن من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فإنه لا يخلد، وبذلك نعمل بين النصوص.
واعلم أن هذا هو شأن كل خلاف يقع في الأمة على طرفي نقيض فإن سببه أن الناظر ينظر من جانب واحد أي: ينظر أعور فينظر من جانب واحد ويحمل النصوص على هذا الجانب.
فإذا قال قائل: على مذهب أهل السنة كيف نخرج هذا الحديث وأمثاله؟
نقول: إن دخول الجنة دخولان: دخول مطلق لم يُسبق بعذاب، ودخول مقيد نسميه: مطلق الدخول وهو الذي يسبقه العذاب، فما المراد بالدخول هنا؟ يعني: أن الله يحرم عليه أن يدخل الجنة دخولاً مطلقاً لم يسبق بعذاب. إذن لابد أن يعذب ثم يدخل فيكون إلا حرم الله عليه الجنة يعني: إلا حرم الله عليه الجنة حتى يعاقبه.
فإذا قال قائل: إذا قلتم هكذا فهل تكون مثل هذه النصوص مخصصة لعموم قول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]؟ وأن يقال لمن يشاء إلا من ورد أنه لابد أن يعذب ولو لم يكن مشركاً فإنه لا يغفر له؟ نقول: هذا الاحتمال وارد وأننا نقول: إن النصوص الدالة على تعذيب فاعل شيء من الأعمال تخصص قوله: {ويغفر ما دون