الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب القطع في السرقة
إذا أخذ الملتزم نصابًا، من حرز مثله، من مال معصومٍ، لا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء: قطع.
فلا قطع على: منتهبٍ، ولا مختلسٍ، ولا غاصبٍ، ولا خائنٍ في وديعةٍ، أو عاريةٍ (1)، أو غيرها.
ويقطع الطرار الذي يبط الجيب - أو غيره - ويأخذ منه.
ويشترط:
- أن يكون المسروق مالًا محترمًا؛ فلا قطع بسرقة آلة لهوٍ، ولا محرمٍ كالخمر.
- ويشترط أن يكون نصابًا، وهو: ثلاثة دراهم، أو ربع دينارٍ، أو عرضٌ قيمته كأحدهما (2).
(1) هذا ما مشى عليه المؤلف وهو قول جمهور أهل العلم: أن الخائن في العارية لا يقطع.
ولكن المذهب خلاف ما ذهب إليه المؤلف؛ فالمذهب: أن الخائن في العارية يقطع، واستدلوا بحديث المخزومية أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
(2)
القول الثاني في المسألة: أن النصاب ربع دينارٍ فقط، وليس ثلاثة دراهم؛ فإذا سرق شيئًا يساوي ثلاثة دراهم لكن لا يساوي ربع دينارٍ فليس عليه القطع، وإذا سرق ما يساوي ربع دينارٍ فعليه القطع وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم.
وهذا القول أصح.
وإذا نقصت قيمة المسروق، أو ملكها السارق: لم يسقط القطع.
وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز؛ فلو ذبح فيه كبشًا، أو شق فيه ثوبًا فنقصت قيمته عن نصابٍ، ثم أخرجه، أو أتلف فيه المال: لم يقطع.
- وأن يخرجه من الحرز (1)، فإن سرقه من غير حرزٍ فلا قطع.
وحرز المال: ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه:
فحرز الأموال والجواهر والقماش (2): في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب، والأغلاق الوثيقة.
وحرز البقل وقدور الباقلاء - ونحوهما -: وراء الشرائج إذا كان في السوق حارسٌ (3).
(1) قوله: (وأن يخرجه من الحرز): الصواب أن يقول: (وأن يكون من حرزٍ)؛ لأن الإخراج قد سبق فيما قبل، وهذا هو الشرط الرابع.
(2)
أظن أن هذه الأمور الثلاثة تختلف حتى لو كانت في الدكاكين وراء الأبواب المغلقة؛ فلو أن رجلًا هتك الدكان وكسر الباب وسرق من القماش قطعت يده، ولو سرق من الدراهم ولم تكن الدراهم في الصناديق فلا يقطع؛ فيقطع في الثياب ولا يقطع في الدراهم؛ لأنه جرت العادة أن الدراهم لا تجعل هكذا على الطاولة في الدكان.
ويمكن أن نفرق بين الدراهم الكثيرة والقليلة؛ فالكثيرة لا توضع على الطاولة، والقليلة يتساهلون في وضعها.
إذن نرجع إلى القاعدة: أن حرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه.
(3)
إذا كان السلطان قويا فإنه قد يكتفى بالشرائج أو بالحارس، ولهذا عندنا هنا يعتبر حرزًا، وفي بعض البلاد ربما تكون أبواب الزجاج حرزًا للذهب والدراهم.
وحرز الحطب والخشب: الحظائر (1).
وحرز المواشي: الصير، وحرزها في المرعى: بالراعي ونظره إليها غالبًا (2).
- وأن تنتفي الشبهة، فلا قطع بالسرقة من مال أبيه - وإن علا -، ولا من مال ولده - وإن سفل -، والأب والأم في هذا سواءٌ.
ويقطع الأخ وكل قريبٍ بسرقة مال قريبه (3).
ولا يقطع أحدٌ من الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزًا عنه (4).
(1) عندنا الحطب - ولله الحمد - لا يحتاج إلى حرزٍ، وحرزه: أن يوضع في مكان البيع.
(2)
ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط في [الراعي] البلوغ والعقل، ولكن في هذا نظرٌ؛ لأن الراعي الصغير ليس بحرزٍ.
(3)
الأقوال [في هذه المسألة] أربعةٌ:
الأول - وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد -: أن السرقة من الأصول أو الفروع ليس فيها قطعٌ.
الثاني: أن السرقة من جميع الأقارب فيها القطع؛ إلا الأب من مال ولده.
الثالث: السرقة من مال الأقارب فيها القطع، إلا إذا كان ذا رحمٍ محرمٍ.
الرابع: أنه إن وجبت النفقة فلا قطع، وإن لم تجب قطع فيما عدا الأب.
ونحن إلى رجعنا إلى العمومات وجدنا أن أقرب الأقوال القول الثاني الذي يمنع القطع بالنسبة للأب وما عدا ذلك فإنه يقطع، أو القول الرابع الذي يخصه بوجوب النفقة.
ومع هذا فالمسألة عندي فيها شيءٌ من الثقل.
(4)
لكن - في الحقيقة - يجب أن نلاحظ مسألةً أخرى، وهي الفرق بين أن يكون مال الزوج في نفس البيت، وبين أن يكون في الدكان وشبهه؛ لأن كونه في البيت فيه نوع ائتمانٍ للزوجة، وإذا كان في الخارج فهي وغيرها سواءٌ، فلا يظهر لي أن في ذلك شبهةً إذا كان قد قام بما يلزم ولم يقصر في النفقة.
وأما سرقة الزوج من مال زوجته
…
فالصحيح: أن سرقة الزوج من مال زوجته المحرز توجب القطع.
وإذا سرق عبدٌ من مال سيده، أو سيدٌ من مال مكاتبه، أو حر مسلمٌ (1) من بيت المال، أو من غنيمةٍ لم تخمس، أو فقيرٌ من غلة وقفٍ على الفقراء، أو شخصٌ من مالٍ فيه شركةٌ له، أو لأحدٍ ممن لا يقطع بالسرقة منه: لم يقطع.
ولا يقطع إلا: بشهادة عدلين، أو إقرارٍ مرتين (2)، ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع (3).
(1) قوله: (حر مسلمٌ): فهم منه أنه
…
لو سرق مسلمٌ عبدٌ من بيت المال فإنه يقطع، ولكن سيأتينا في آخر العبارة أنه لا يقطع؛ لأن العبد سرق من مالٍ لا يقطع منه سيده، فإذا كان العبد المسلم لمسلمٍ وسرق من بيت المال فإنه لا يقطع؛ لأنه سرق من مالٍ لو سرق منه سيده لم يقطع.
الخلاصة في مسألة السرقة من بيت المال: أن الأصل فيها القطع حتى توجد شبهةٌ بينةٌ، وهي إما فقره، أو قيامه بمصلحةٍ من مصالح المسلمين؛ كالتدريس والإمامة - وما أشبهها -.
(2)
قد سبق لنا بيان أن تكرار الإقرار ليس بشرطٍ في باب حد الزنا، فهذا مثله وأولى.
(3)
قاسوا ذلك على الزنا، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يشترط، وأنه إذا أقر الإنسان على نفسه ثبت عليه الحكم بمقتضى إقراره، ولا يقبل رجوعه
…
وعلى هذا نقول: الصحيح أنه لا يشترط لثبوت السرقة تكرار الإقرار، ولا الاستمرار في الإقرار.
- وأن يطالب المسروق منه بماله (1).
وإذا وجب القطع: قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت.
ومن سرق شيئًا من غير حرزٍ - ثمرًا كان أو كثرًا أو غيرهما -: أضعفت عليه القيمة، ولا قطع.
(1) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع؛ لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقا خاصا لهذا الرجل
…
؛ بخلاف القصاص؛ فإذا لم يطالب لا يقطع.