الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإنه في العصر الحديث ما احتاجت الأمة ألزم ولا أوجب بعد تجديد أمر الدين مثل أهمية إصلاح أمر الدنيا، وذلك بالاستفادة من العلوم الحديثة، ومن فقه علماء الشريعة بذلك فقد جعلوها في درجة الواجبات ومن فروض الكفايات.
وإنه في العصر الحديث ما ابتُليت الأمة بشيء بعد ضعفها الديني والدنيوي بأسوأ من تيارات التغريب المختلفة، فقد أعاقت هذه التيارات نهضة الأمة الحقيقية، ولوثت الجو الفكري في العصر الأخير.
وقد التصق المتغربون بالغرب وثقافته، وشاركوا في نقل الثقافة الغربية إلى العالم الإِسلامي مع غيرهم ممن تبنى عملية النقل، ولكن التغريبي ركّز على الأمراض أكثر من تركيزه على النافع.
فقد عانت الأمة الإِسلامية في القرون الأخيرة من أمور كثيرة، وكان من
أشهرها مشكلتا الضعف والتخلف وآثارهما في أغلب مجالات الحياة ونشاطاتها، وصاحب ذلك اتساع دائرة الجهل بالدين، وانتشار الابتداع فيه، وتسلط أعداء الأمة عليها من الداخل والخارج.
وفي فترة ذلك الضعف العام للعالم الإِسلامي ظهر تقدمٌ كبير في الجانب الدنيوي في بلاد الغرب، وارتبط هذا التقدم بتطورات علمية مختلفة كان أبرزها علوم الطبيعة والرياضيات وما لحقها من تقدم تقني وصناعي، ولحق ذلك تقدم في مجالات العلوم المختلفة، ومنها العلوم الاجتماعية الحديثة مثل علم الاجتماع، وعلم النفس. . وغيرهما من العلوم.
بدأت الرغبة عند المسلمين في الإفادة من تلك العلوم لمسايرة المتقدم الموجود في العالم والاستفادة منها في حياتهم، ولكن هذه العلوم قد اختلطت بها أثناء نشأتها الحديثة انحرافات كبيرة كان من أخطرها موقفها من الدين الذي قد يصل بصور منها إلى الدفاع عن الإلحاد باسم العلم، والدعوة إلى إقامة العلوم الحديثة مستقلة بمناهجها ونظرياتها وتوجهاتها حتى لو خالفت الدين، وزاد من اتساع خطورة الأمر ارتباط بعض العلوم الحديثة المشهورة -غالبًا- بنوعين من العلماء: النوع الأول فئة من الملاحدة المنكرين للأديان حاولوا توجيه تلك العلوم إلى مسارهم الإلحادي، والنوع الثاني فئة اللا أدرية؛ فلا هم ينفون قضايا الدين ولا هم يثبتونها، وإنما يقفون موقف "اللا أدري"، مع أنهم في نشاطهم العلمي يتحركون دون مراعاة لأي أصل ديني، ثم زاد ضرر تلك الانحرافات -المرتبطة بحركة العلم الحديث- وخطرها عندما خرجت عن مجالها الحسي والتجريبي لتُطبَّق في مجالات أخرى ولاسيّما مجال الغيبيات.
ومما يؤسف له أن تلك الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث بدأت تدخل إلى بلاد المسلمين في صور وأشكال مختلفة، وأحدثت صراعًا فكريًا كبيرًا انقسم أصحابه إلى ثلاثة اتجاهات أساسية هي:
الاتجاه الأول: الاتجاه السلفي الذي يدعو إلى التأصيل الإِسلامي للنافع من هذه العلوم، وإلى نقد الضار منها وفق منهجية إسلامية شاملة، وكان من آثاره النشاط الكبير في أسلمة العلوم الحديثة الذي تتبناه جامعات هذا البلد المبارك في الأقسام العلمية المتخصصة، وتنشط فيه أيضًا جهات علمية وفكرية منتشرة في العالم الإِسلامي.
الاتجاه الثاني: الاتجاه العصراني الذي تأثر ببعض الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وسلّم بعدد منها، ووقع في مشكلة ما يتوهمه من تعارض بين الدين والعلم الحديث، فاضطر أصحابه إلى تحريف النصوص الشرعية والقضايا الدينية من أجل موافقة العلم، ودعوا إلى مواصلة طريقة المتقدمين من أهل الكلام وغيرهم، فكما قدّم أهل الكلام العقل على النقل عند توهم التعارض، فقد تساهل هؤلاء في تقديم العلم الحديث على النقل وتأويل النقل عند توهم التعارض أيضًا.
الاتجاه الثالث: الاتجاه التغريبي وهو الاتجاه الذي تحمس لكل ما في الغرب أو أغلبه، بما في ذلك العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها بما فيها من خير وشر، حتى تلك التي تتعارض بوضوح مع ديننا وعقيدتنا، ولم يفرقوا بين الصحيح منها والفاسد، ثم إن منهم من يرى أهمية إعادة النظر في الدين حتى يتوافق مع العلم الحديث، على أن المقدم عندهم هو العلم بلا منازع، وإنما جاء الاعتبار للدين عندهم من أجل تلبية احتياج الجماهير للدين أو أنّ الدين يخص الجانب الروحي والأخلاقي، وفيهم الغالي الذي يرى أهمية تجاوز الدين والاكتفاء بالعلم؛ لأنّ الدين -بزعمه- كان يمثل مرحلة الخرافة التي تمّ تجاوزها إلى عصر العلم.
وهذا الانقسام المشهور حول الموقف من العلم الحديث ومناهجه يكشف أهمية هذه المسألة في واقع المسلمين اليوم، وأهمية دراستها وبحثها.
العلاقة بين الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث والفكر التغريبي العربي المعاصر:
من يتأمل في واقع المسلمين اليوم يجد أنَّ من أبرز الانحرافات شهرة هو ظهور الانحراف الفكري المعاصر متمثلًا في دعوات ومذاهب فكرية تغريبية منتشرة هنا وهناك، ومن أهم أسباب ظهور الانحراف الفكري التأثر بالوافد الغربي بأشكاله المختلفة؛ ذلك أن الفكر العربي المعاصر تكون في ظل ظروف استثنائية مما مكّن لكثير من المؤثرات أن تسهم في تشكيله، ومن أهم تلك المؤثرات ما جاءنا من الغرب، ولا يخفى على أي باحث حجم ذلك التأثير الذي مارسه الوافد الغربي على الأمة الإِسلامية.
ومن يبحث في صور تأثير الوافد الغربي في الفكر العربي المعاصر يجد أن أهمها ما يلي:
1 -
الفكر الغربي الحديث بمذاهبه المشهورة واتجاهاته الفلسفية الكثيرة.
2 -
الاستشراق.
3 -
الآداب والفنون الغربية ومدارسها المشهورة.
4 -
النظريات والمناهج والمفاهيم العلمية الحديثة.
فقد كان العلم في الغرب -أي: العلم المعتمد على المحسوسات والمعقولات- مصاحبًا للفكر والفلسفة منذ عصر الفلسفة اليونانية والرومانية إلى العصور الوسطى ثم عصر النهضة، وبدأت محاولات الانفصال في القرن الحادي عشر/ السابع عشر، ثم تحقق الانفصال في القرون الثلاثة الأخيرة، ولم يكن الانفصال عن الفلسفة فقط بل وقع انفصال عن الدين أيضًا بعد ظهور مشكلة الصراع بين الإيمان والعلم في الغرب، وفي ذلك يقول هاشم صالح:"ثم جاءت العصور الحديثة مع ديكارت، وانفرط عقد التحالف بين العلم والإيمان. . . . واشتد الطلاق بينهما في القرن الثامن عشر عندما صرح بعض فلاسفة التنوير بماديتهم الإلحادية. . . . وبلغ الطلاق ذروته في القرن التاسع عشر عندما حقق العلم انتصارات كبيرة. . . ."(1)، وقد جعل الغلاة منهم العلم إلهًا معبودًا جديدًا، وقد كانت هذه المرحلة فترة نشاط بعثات أبناء المسلمين إلى الغرب التي عرفت في القرن الماضي في عصر محمَّد علي والي مصر، وما زالت تلك البعثات مستمرة من أغلب بلاد المسلمين إلى اليوم، ولم يخلُ الأمر من تأثر بعض المبتعثين بتلك الروح المادية اللادينية التي ارتبطت بالانحرافات المنهجية العلمية المصاحبة لحركة العلم الحديث في الغرب، وأسهم بعض أولئك المبتعثين في نقلها إلى بلاد المسلمين بصور مختلفة.
وقد وجدت أن القسم الأخير -وهو التأثر بالنظريات والمفاهيم والمناهج العلمية المعارضة للأصول الدينية- كان بارزًا في الفكر التغريبي العربي المعاصر مع ندرة الدراسات التي تبحث في صور هذا التأثير وصور أخطاره وكيفية
(1) العلم والإيمان في الغرب الحديث، هاشم صالح ص 5 - 6 كتاب الرياض عدد رقم (51).
مواجهته؛ لذا اخترته موضوعًا للبحث الذي أقدمه -بعون الله- للدكتوراه بعنوان:
تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي العربي المعاصر دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية
تبين مما سبق أن العلم في الفكر الغربي كان ضمن مباحث الفلسفة، ثم بدأ ينفصل عن الفكر الفلسفي مع بدايات العصر الحديث، وقد اختلط بمسيرته الجديدة بعد انفصاله عن الفلسفة بعض الأخطار التي مالت بمساره، والتصقت به على إثرها انحرافات خطيرة أصبحت سمة للفكر العلمي العلماني في الغرب، وأثّرت فيما بعد بمن أخذ بها من المسلمين، سواء من حرص على تلك العلوم لذاتها متأثرًا بما اختلط بها من انحرافات، أو من أراد استثمارها في تطوير الفكر "وهم المراد بهذه الدراسة"، وأصبحت هذه الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث أحد أبرز المؤثرات في انحراف مسيرة الفكر العربي المعاصر. فيكون الهدف -بإذن الله- من البحث: الدراسة النقدية لتأثير الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث ومناهجه ونظرياته في الفكر التغريبي العربي المعاصر في علاقته بالدين، إذ أجتهد -بإذن الله- في بحث سبب اتصال تلك الانحرافات بالفكر التغريبي العربي المعاصر، وصور تأثيرها فيه، وبيان خطورتها العقدية والعلمية والفكرية والعملية، فهذه الأهداف هي مدار اهتمامي وبحثي. ويمكن إرجاع صور الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث ذات الأثر في الفكر العربي إلى صورتين: الأولى: نظريات علمية مخالفة للدين، أو فلسفات وأيديولوجيات مبنية على تلك النظريات العلمية؛ والثانية: مناهج علمية تناسب مجالها الحسي التجريبي ولكنها طُبِّقت في غير مجالها مثل تطبيقها على الدين.
ومن أهم الأمثلة على انحرافات الفكر التغريبي العربي المعاصر في هذا الباب:
1 -
الاستسلام لضغط النظريات العلمية في الموقف من الدين. ومن آثار ذلك تحريف النصوص الدينية عن مرادها والأصول الدينية عن معناها لكي تتوافق مع النظريات العلمية الحديثة، أو رفض تلك النصوص والأصول عند الغلاة والتكذيب بها. وقد اتسع التحريف عند بعضهم ليطال الدين كله، فشمل تأويل العقائد وتأويل الشرائع من أجل عدم معارضة العلم، وهذا الخضوع لضغط النظريات العلمية قد وقع فيه حتى من له معرفة بالشرع مثل المدرسة العصرانية
المتأثرة بأفكار الشيخ محمَّد عبده، وبعض قيادات العمل الإِسلامي ممن تأثر بالاتجاه العصراني، فضلًا عن غيرهم من رموز الفكر التغريبي.
2 -
تقديس العلم بصورته الحديثة، والغلو فيه بما فيه من خير أو شر، وجعله أهم المصادر، وهو مقدَّم عند المقدِّسين له على مصادر الدين، ووصل الأمر عند بعضهم إلى جعله المصدر الوحيد للمعرفة ورفض ما سواه، وللعلم عندهم -بمفهومه الحديث- الكلمة الفصل فيما اختلف الناس فيه، في تقليد لتيار العلموية الذي ظهر في الغرب، وهو تيار عرف عنه تحويل العلم إلى عقيدة جديدة.
3 -
نقل المناهج العلمية المناسبة للقضايا المحسوسة إلى مجال الغيب، وتطبيقها على أبواب الغيب والأبواب الشرعية، ويرون أنها أفضل من المناهج التقليدية بحسب زعمهم، وإذا كان العلم الحديث في الغرب نشأ مستقلًا عن الدين ومعاديًا -مع أكثر دعاته- لكل ما هو ديني فهذا يكفي دلالة على نوع تلك المناهج ووجهتها وطريقة تعاملها مع أي دين، وسنجد من يتحمس لذلك من المفكرين العرب المشهورين مثل حسن حنفي، فيقول مثلًا عن مسائل التوحيد بأنها أصبحت موضوعًا "لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة"(1)، وآخر منهم هو محمَّد أركون يقول:"ينبغي أن نطبق العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية على التراث الإِسلامي مثلما طُبِّق على التراث المسيحي في أوروبا منذ زمن طويل. . . ."(2).
4 -
نقل النظريات العلمية ذات المعارضة البيّنة للإسلام إلى بلاد الإِسلام، ونشرها والتحمس لها والدعوة إليها، مثل الدعوة إلى أفكار النظرية التطورية الدارونية حول وجود الحياة وخلق الإنسان وما ارتبط بها من فكرة التطور، وعرض نظريات في علم الفلك والفيزياء الحديثة حول وجود الكون بطريقة العرض المادي العلماني لها، ونشر نظريات علم الاجتماع الديني التي غلب عليها عند مؤسسيها في الغرب اعتبار الدين ظاهرة بشرية اجتماعية إن لم نقل كلها، يتساوى في ذلك ما أتى به الأنبياء عليهم السلام من ربهم مع الديانات الوضعية
(1) من كتابه: التراث والتجديد ص 141.
(2)
قضايا في نقد العقل الديني ص 326، ومن منهجه إدخال القرآن والسنة في التراث.
التي ابتدعها الشيطان وأتباعه، ونشر نظريات في علم النفس مثل نظريات فرويد وغيره التي تصوِّر التدين والعقائد التي فطر عليها البشر بأنه مرض نفسي نابع من اللاشعور نتيجة غرائز جنسية بما في ذلك الإيمان بوجود الله، وأن الأنبياء عليهم السلام جميعًا مصابون -كما يقول فرويد- بنوع من العصاب يدفعهم إلى ادعاء تلقي الوحي والاتصال بالله تعالى، ومن علم الأنثربولوجيا نظريات حول نشأة الأديان في المجتمعات والشعوب البدائية ثم تطورها عند الشعوب الكتابية، غير مفرِّقين في ذلك بين دين نزل من السماء أو أديان وثنية أوحى بها الشيطان لأتباعه، ونظريات من علم الاقتصاد الحديث تدَّعي استحالة قيام اقتصاد حديث دون ربا، ولذا يرفضون الحكم الديني حول الربا؛ لأنه يتعارض مع علم الاقتصاد، بل حتى في علم الأخلاق نجدهم يرفضون الأخلاق الدينية ويستبدلون بها أخلاق علمية مصدرها العلم وتتوافق معه كما يزعمون.
هذه وأمثالها تمتلئ بها كتب رموز فكرية عربية تغريبية بصورة أو أخرى، وتُنشر بقوالب فكرية وثقافية متنوعة بعد إخراجها من بيئتها التخصصية إلى بيئة الفكر والثقافة وتطبيقها على الدين الإِسلامي.
5 -
بناء أصول فكرية جديدة مستمدة من الفكر العلمي الحديث تتعلق بتصور الكون والحياة والنفس الإنسانية، وتتعارض مع الدين أو معظم أصوله.
6 -
الحرص على علمنة العلم، بداية بالجهود الفكرية التي تؤصل لذلك، وصولًا إلى النشاط الواقعي لتحقيق هذا الهدف بحجة أن العلم لا يتطور إلا بابتعاده عن الدين وضوابطه.
7 -
تقرير دعوى التعارض بين الدين والعلم التي اشتهرت في الغرب، ونقلها إلى العالم الإِسلامي، ونشرها بصور وأشكال مختلفة، والتركيز عليها في أغلب الخطابات الفكرية التغريبية المعاصرة، ثم استغلال فكرة التعارض في رمي الدين بشتى صنوف التهم بحجة عدم علميته وعقلانيته، ثم رفع دعوى أهمية تأويله أو نبذه.
8 -
ظهور دعوات واتجاهات عربية جديدة تتبنى تقديم الرؤية العلمية مكان الرؤية الدينية: يعتني أصحاب تلك الدعوات بالدعوة إلى العلم والنظرة العلمية والمناهج والمفاهيم العلمية دون تفريق بين الصحيح منها والفاسد، ويدعون أيضًا إلى النظرة العلمية للأديان والمجتمعات والحياة، وهم من يُطلق عليهم أحيانًا