الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العلمي من التجارب والنظريات أو الجانب التجريبي التطبيقي منها، وإنما المقصود توضيح المعاني المرتبطة بها ذات الأثر في مسيرة العلم ونظرياته ومفاهيمه، وأثر ذلك في مجالات أخرى، وهذه الطريقة أمر معتاد في مثل هذه الدراسات.
1 - الأثير لا يصمد أمام التجربة:
كانت مشكلة قياس حركة الأجسام ومعرفتها من مهام الفيزياء، فعندما يسير الماء في نهر، فمن الممكن قياس سرعته مقارنة باليابسة، وعندما يسير أحدنا بسيارته فتقاس سرعته بالأرض الثابتة تحته، وهكذا، ولكن إذا كانت الأجرام السماوية تتحرك وكذا الضوء فكيف تقاس؟ ما الشيء الثابت الذي نعتمد عليه في القياس؟
كان المقترح في الفيزياء الكلاسيكية، فيزياء نيوتن، مادة الأثير، وذلك أن الضوء عندهم عبارة عن موجات، ولابد في حركته الموجية من مادة يتحرك فيها، وكان هذا دليلًا بارزًا على وجوده، ومن ثمّ جعله مقياسًا للحركة حيث "تبنى علماء ذلك الزمان النظرية التي تنص على أن الأثير الذي تتحرك خلاله كل الأشياء في الكون حسب اعتقادهم هو إطار إسنادي غير متحرك. وبالتالي يتم الحكم على كل الحركات الأخرى بالنسبة لهذا الإطار الإسنادي. وقد كان التصور أن الأثير هو مائع أو صلب مرن، أو أنه يملأ كل الفراغ الموجود بين الذرات التي تكوّن المواد. وأنه لا يقاوم مطلقًا حركة الأرض"(1)، وقامت مفاهيم مهمة على هذا الفرض، ومثّلت آنذاك حقائق يقينية، واستقرت فترة زمنية طويلة.
وجاءت المفاجأة عبر تجربة قام بها عالمان في هذا الباب هما "مايكلسون" و"مورلي" عام (1887 م) التي قد قام بها "مايكلسون" قبل ذلك عام (1881 م)، فكانت نتيجتها إثبات عدم وجود الأثير، مع العلم أن افتراض وجوده أو عدمه تشكل أهمية داخل الفيزياء وخارجها، ويظهر ذلك واضحًا في صدمة العلماء وحيرتهم من نتيجة هذه التجربة، "فقال قوم: إن في الأمر سرًا. واتهم آخرون
(1) الموسوعة العربية العالمية 25/ 218.
إحدى التجربتين. وكذلك انقسم العلماء على أنفسهم زهاء ربع قرن وكانوا شيعًا وأحزابًا لا يدرون ما هم فاعلون، فهم أمام أمرين: إما أن يتخلوا عن نظرية الأثير "التي فسروا بها ظواهر كثيرة: كهربائية وكهرطيسية وضوئية" لعجزها عن اكتشاف حركة الأرض فيه، وإما إن يتخلوا عن نظرية كوبرنيقوس التي قامت التجربة على صحتها والقائلة بأن الأرض متحركة. لقد كان الرجوع إلى نظرية بطليموس القائلة بسكون الأرض أحب إلى نفوس كثير من الفيزيائيين من القول بأن الأمواج الضوئية والأمواج الكهرطيسية -يمكن وجودها من غير وسط تتموج به. . . ." (1)، أو كما يقول مصطفى محمود: "وكان معنى هذا -أن يسلم العلماء بأن نظرية الأثير كلام فارغ. . ولا وجود لشيء اسمه الأثير. . أو يعتبروا أن الأرض ساكنة في الفضاء. وكانت نظرية الأثير عزيزة عند العلماء لدرجة أن بعضهم شك في حركة الأرض واعتبرها ساكنة فعلًا. ." (2).
وبقدر ما سببت هذه التجربة من أزمة داخل دائرة العلم وإحراج لأتباع هذا الفرض حتى إن القول به أصبح بمثابة فضيحة كما يقول "سترومبرج"(3)، إلا أن الفضيحة أكبر عند آخرين زعموا أن العلم هو الوحيد القادر على قول الحقيقة، وأن الفيزياء هي أعظم علم ظهرت فيه الحقيقة، وما على العلوم الأخرى إلا الاقتداء بها، وأن مفاهيمها من المسلمات التي لا جدال حولها، ومن هنا بدأت مذاهب فكرية تدعم تصوراتها بالاستناد على هذه المعطيات العلمية. ولكن هذا الاكتشاف يعصف بمفهوم كبير في الفيزياء وهنا يبرز الحرج والفضيحة في هذا الميدان؛ إذ سيقال: أنتم بنيتم رؤيتكم المذهبية على دعامة تزعمون صلابتها، وأقصيتم كل من خالفكم، وإذا بنا نرى بعض ما تعتمدون عليه ينهار، فماذا أنتم قائلون للناس بعد اليوم؟!
هذه صورة من الفضيحة المرتبطة بهذا الكشف، مع العلم بأن ما يطلق عليه عادة بالزلزال الذي نزل بالعلوم الطبيعية لم يكن هو الزلزال الوحيد؛ إذ امتد إلى ما هو أوثق منها وهو العلوم الرياضية وذلك بعد ظهور هندسة جديدة -غير
(1) أينشتين، د. محمَّد مرحبا ص 82.
(2)
أينشتين والنسبية، مصطفي محمود ص 37 - 38.
(3)
تاريخ الفكر الأوروبي الحديث ص 510 - 511.