الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامسًا: دور الاستعمار
يُعد الاستعمار من أخطر الأحداث التي عصفت بالعالم الإِسلامي في عصره الحديث، بدأت بوادره من الدول القوية داخل أوروبا كإنجلترا وفرنسا وهولندا، وأتت أولى محاولاتهم مع الهند المسلمة من قبل الإِنجليز ثم عدن، أما فرنسا فبدأت مغامرتها في مصر ثم توجهت لبلاد المغرب لتبدأ بالجزائر ثم تواصل من هناك. وتقوم إنجلترا وفرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالاستعداد الجدي للاستيلاء على بلدان العالم الإِسلامي، وكان افتتاح ذلك باحتلال مصر سنة (1882 م) ليصل في نهاية الحرب العالمية الأولى باقتسام بلاد العالم الإِسلامي بين الدولتين الكبيرتين بريطانيا وفرنسا، والمؤسف أن المسلمين قد ساعدوا البريطانيين في ضرب الدولة العثمانية، ثم ساعدوهم في احتلال فلسطين التي قد كانت من نصيب اليهود بحسب وعد "بلفور"(1).
لن يمرّ هذا الحدث الخطير دون آثار، فقد طال مكثه في بعض بلدان المسلمين لأكثر من قرن، هو صاحب الأمر والنهي، ولكن هذه الأمة فيها خير، وقوة ولن ترضى كغيرها بالاستعمار عندها بدأت معارك التحرير وجهاد المحتلين لتكون هي الشغل الشاغل لقيادات المجتمع الإِسلامي، وتعطلت بقية المهام الأخرى أو تأجلت إلى التحرير واستعادة السيادة الإِسلامية على البلاد المسلوبة.
(1) انظر: عن الاستعمار الحديث: حاضر العالم الإسلامي. . . .، د. جميل المصري 1/ 87، وما بعدها، وحول مساعدة المستعمرين وفقدان فلسطين، انظر: المؤامرة الكبري على بلاد الشام. .، محمَّد الخالدي ص 182 وما بعدها، وانظر: موسوعة أنور الجندي 3/ 289.
أقف الآن مع جزء خطير من الأدوار التي لعبها المستعمر، بتحليل حقيقة أثره في إدارة المؤسسات العلمية وإدارة التعليم داخل المستعمرات، وكذا إدارة الجانب الثقافي عمومًا من فكر وأدب وفنون وإعلام، على أن ما يهمنا في كل ذلك هو ما زرعه المستعمر من مشكلات حول العلوم العصرية.
نبدأ ببعض المعالم الأساسية حول حال المستعمر، ولاسيما في الجانب العلمي، وهي تكشف لنا كيف تحرك من خلال العلم العصري ومؤسساته داخل البلاد المحتلة وأثر ذلك على العالم الإِسلامي، ومن أهم هذه المعالم ما يأتي:
أولًا: أن الدول الاستعمارية هي المالكة في ذاك الوقت للعلوم الحديثة، بعد أن طورتها ووظفتها في بناء مدنيتها الحديثة، فهل ستُهدي المسلمين هذه العلوم بما في ذلك من احتمال حصول المسلمين على القوة، أم أنها ستحرمهم منها وتركز على نشر ما لا نفع فيه إلا إثارة المتعة، والوجدان وبلبلة الأذهان وإشغالها بمذاهب وأفكار وآداب وفنون تفسد الشعوب أو تخدرها أو تعطلها عن رسالتها ومهمتها في الوجود؟
ثانيًا: تدرك الدول الاستعمارية مكانة المؤسسة العلمية في صناعة الشعوب وخروج القيادات العلمية والفكرية والاجتماعية، فكيف ستدير التعليم؟ وما المشكلات التي بذرها الاستعمار في التعليم؟ وما نوع التعليم الذي سيديره؟ وكيف ستوضع العلوم العصرية داخل هذا التعليم؟ وكيف ستكون العلاقة مع التعليم الإِسلامي؟
ثالثًا: كانت أول محاولة جدية لاختراق العالم الإِسلامي واحتلال جزء منه مع الحملة الفرنسية على أرض مصر، وكان يصحب هذه الحملة العسكرية "حملة علمية" مكونة من علماء في أهم التخصصات الحديثة، بكتبهم ومختبراتهم وأدواتهم فأسسوا حيًا علميًا متكاملًا داخل القاهرة، فما سرّ هذا التحول في الفكر الاستعماري؟ وما وجهة هؤلاء العلماء وما مذهبهم؟
رابعًا: يؤثّر في المستعمِرين نظام فكري جديد اقتحم أرجاء أوروبا، كما أن هذا الجيل تدفعه رغبة جامحة للاستيلاء والغزو والبحث عن الغنائم بسبب نظام مادي جديد اقتحم حياة الأوروبيين، وكلا النظامين له ارتباط بالتطورات العلمية، فأول جيش استعماري تمثل في حملة نابليون، وهي حملة جاءت بعد الثورة الفرنسية التي انبثق عنها نظام فكري جديد يقوم على علمنة الحياة وإعطاء
السيادة للتيارات غير الدينية وإقصاء الدين عن مجالات الحياة، هذا من جهة النظام الفكري، أما من جهة النظام المادي: فإن الثورة العلمية نتج عنها ثورة صناعية ضخمة داخل أوروبا، وهي في حاجة إلى مواد خام وإلى أسواق. فأصبح الاستعمار طريقًا للتبشير بالنظام الفكري الجديد وإبعاد أي قوة يُخشى منها على هذا النظام من جهة، ومن جهة أخرى أصبح آلة لفتح أسواق جديدة أو للاستيلاء على ثروات الشعوب الأخرى ولاسيما العالم الإِسلامي.
ومع أن الجيوش الاستعمارية كانت جيوشًا علمانية غالبًا، إلا أن المخيال الاجتماعي الأوروبي بذكريات الحروب الصليبية ورفع الصليب وتحطيم الهلال ما زالت تعشش في أدمغة هذه الجيوش، فهناك رواسب دينية عميقة تحرك هذه الجيوش الاستعمارية العلمانية، ويكفي أن ننظر إلى سياسة السماح، بل الدعم للمنصرين بالحركة داخل البلاد الإِسلامية رغم المضايقة التي تواجه الكنائس داخل كثير من بلدان أوروبا، والأخطر من ذلك أن تولى هؤلاء المنصرون إدارة التعليم الحديث داخل البلاد الإِسلامية، فكيف سيكون أثر هذا التنوع داخل الجيش الاستعماري ما بين تيارات فكرية تسعى لنشر أفكارها والتبشير بها وما بين رأسماليين يبحثون عن المكاسب وإنعاش تجارتهم وشركاتهم ومصانعهم، وما بين منصرين يجوبون العالم الإِسلامي: يفتحون المدارس والمستشفيات كغطاء لعملهم التنصيري؟ وكيف سيكون أثر كل ذلك على الحياة العلمية داخل العالم الإسلامي؟
لا يشترط أن نحدد الإجابات عن كل التساؤلات السابقة، إذ المهم فيها كشف حقيقة الاستعمار في الجانب العلمي، ولاسيما أن بعض الأسئلة قد تدلّ العاقل إلى الأجوبة، ولكن لابد من النظر إلى ما له علاقة بإفساد مسيرة العلوم الحديثة داخل العالم الإِسلامي.
كان الفكر الاستعماري يعي طبيعة التحديات التي ستواجهه، وكان يعلم أن هناك مقاومة ستولد ضدّه وأن خلفها ما يغذيها ويمدّها بعناصر القوة، وأهم ذلك الدين، لذا حرص الاستعمار عن طريق الغزو الفكري ضرب الدين عبر مؤسسات التعليم وعبر العلوم وعبر الأفكار والآداب والفنون، ويمكن القول دون مبالغة أن الاستعمار قد حرص على تفريغ كل عنصر نافع معه من مواده الحسنة، واستبقى منها ما يساعده في ضرب الإِسلام ذاته، وقد كان يستند في غزوه على معرفة
واسعة بعناصر القوة داخل المسلمين أمدّهم بها جيوش جرارة من المستشرقين وتركة كبيرة تراكمت عبر قرون حول الإِسلام بشكل مشوّه وخطير.
عندما دخل الاستعمار بلاد المسلمين واستقرّ أمره بدأ يمارس أدواره التفتيتية للمجتمع، ومنها قيامه على شؤون التعليم، فقسم التعليم إلى قسمين محدثًا بذلك أخطر شرخ في منظومة التعليم وصانعًا بذلك ازدواجية -وإن تقبلتها أمم أخرى- يصعب تقبلها داخل النظام الإِسلامي:
القسم الأول: التعليم الإِسلامي - الشرعي، فجعله تحت إدارة المسلمين مع التدخل في شؤونه عند الحاجة، ووضع على رئاسته من يتوافق مع هوى المحتل، فضلًا عن حرمانه من شروط حيويته ونشاطه وقوته واستمراره.
القسم الثاني: تعليم حديث تُدرس فيه تخصصات حديثه تشابه في الظاهر النظام الغربي وتختلف عنه في الباطن، فهذا النوع تحت إدارة المحتل مباشرة، الإدارة والأساتذة والمناهج وكل شيء، ورمى الاستعمار بثقله في هذا النوع، مؤملًا من ذلك أن يصنع جيلًا يوالي الغرب ويقبل التبعية له ويقوم بالنيابة عن المحتل في إدارة الحياة بما يمليه عليه أسياده.
لا شك أن الاستعمار قد حقق الكثير في القسمين، في ضغطه على الأول وفي أمنياته من الثاني، ولكن في الوقت نفسه كان في الأمة من سار على عكس رغبات الاستعمار، فجاهد بعضهم في حماية التعليم الإِسلامي مما يُخطَط له، وخرج من القسم الثاني من انقلب على الاستعمار وإن درس في مدارسه وتغذى بتربيته، وربك حكيم عليم ولطيف بهذه الأمة، فخرج من تلك المدارس الاستعمارية من انقلب عليها، وعاد إلى أمته مستلهِمًا الدين في نشاطه وحركته ومقاومته، فانقلب السحر على الساحر.
لقد شاهدنا التجربة الاستعمارية الأولى الحديثة في المغامرة الفرنسية على مصر، ورأينا أن "بونابرت" قد اصطحب معه "حملة علمية" في ظاهرةٍ لم تكن تعهدها الجيوش الغازية المحتلة، واطلعنا على الحي الخاص بهم في القاهرة بعد أن طَرَدوا أهله، وجعلوه مقرًا لتلك الحملة العلمية، فأنشأت مكتبتها ومجمعها العلمي وصالات البحث وغرف المختبرات العلمية ومنازل الفريق العلمي، كل هذه المؤشرات تدل على حرص الجيوش الاستعمارية على استثمار الجانب العلمي الجديد. وإن كانت الحملة قد فشلت وخرجت من مصر، إلا أنها عادت
إلى الجزائر بعد ثلاثين سنة (1830 م) لتحتلها وتبقى فيها فترة احتلال طويلة لتكون نقطة انطلاق لبقية المغرب، أما مصر فقد جاءها البريطانيون سنة (1882 م) ليتخذوها مركزًا لنشاطهم في القسم العربي من العالم الإِسلامي، وتكون مع فرنسا أخطر دولتين استعماريتين في العصر الحديث، وكانت الدولتان تعيان أهمية السيطرة على التعليم، لهذا جعلته مركز عنايتها في أثناء الاستعمار، وسنرى الآن أن الاستعمار قد صنع نظامًا تعليميًا خطيرًا ما زالت الأمة تعاني منه إلى اليوم.
يذكر "ساطع الحصري" وهو أحد القريبين من مجال التعليم آنذاك بأننا إذا أردنا أن نعرف حقيقة التعليم الاستعماري فعلينا معرفة غايته، حيث "اعتاد علماء الاجتماع أن يقسموا المستعمرات إلى ثلاثة أنواع أساسية:(أ) مستعمرات الاتجار، (ب) مستعمرات الاستغلال، (ج) مستعمرات الاستيطان" يركز الأول على احتلال منفذٍ على بلدٍ ما قصد التجارة، فيكون منفذهم على هذا البلد في أبواب التجارة واحتكارها، لكنهم بعد ذلك يتوسعون قصد السيطرة على ثروات البلاد فيدخلون إلى مركزها وهذا هو "الاستغلال"، وعندما يعجبهم الوضع يتحولون إلى فكرة الاستيطان في هذا البلد فيهيئون البلد بما يجعله مناسبًا لاستقطاب بني جنسهم إليه والتمتع بثرواته وقيادته (1). مثال الاتجار ما حدث مع الصين، ومثال الاستغلال ما حدث مع الهند، ومثال الاستيطان ما حدث مع الجزائر.
لا تهتم دول الاستعمار بالتعليم في الحالة الأولى بخلاف الحالتين الأخيرتين، ففي مستعمرات الاستغلال تحرص على وضع تعليم ينتج لها الأيدي العاملة في مصانعها وشركاتها وكل مؤسساتها الاستغلالية، أما الثاني فيزيد على الأول بإيجاد مجتمع يقبل بهذه الجرثومة التي اخترقت هذا الجسد، وهي التي أطلق عليها "مالك بن بني":"القابلية للاستعمار"(2)، وحللها في مجموعة من كتبه بعد أن عايشها في الجزائر.
كان المنظرون للاستعمار يعرفون أهمية التعليم وخطورة التعليم الإِسلامي، ولذا اهتموا بإقصاء الإِسلامي وصناعة تعليم يخدمهم، يقول "اللورد لويد" في
(1) انظر: أحاديث في التربية والاجتماع، ساطع الحصري ص 83 - 85.
(2)
انظر له مثلًا: شروط النهضة ص 143 وما بعدها.
كتابه "مصر منذ أيام كرومر": "إن التعليم الوطني عندما قدم الإِنجليز كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون من هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني، فليس من العسير أن يتصور لنا أي تقدم طالما ظل الأزهر متمسكًا بأساليبه هذه، ولكن إذا بدا أن مثل هذه الخطوة غير متيسر تحقيقها، فعندئذ يصبح الأمل محصورًا في إيجاد التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح"(1).
وعلينا أن ندرك أن كتابات منظري الاستعماري تُصاغ بأسلوب مؤدب؛ لأنها تُكتب للغرب، فيحاولون أن يُظهِروا عملهم الاستعماري بصورة حسنة، من ذلك ما نجده هنا من مزاعم مثل:"الإصلاح التعليمي" و"التقدم" وربط التأخر بالأزهر، وربط التقدم بالتعليم العلماني، فإن هذا الخطاب موجه لبني جلدتهم، وبينهم اتجاهات متنافرة فضلًا عن المنافسة بين دول أوروبا؛ ولذا يحاول كل فريق إظهار رسالة إنسانية للاستعمار حتى لا يستغلها خصوم كل طرف استعماري في النقد، وسنجد لبعضهم عبارات في غاية الوقاحة وصريحة في بيان حقيقة الاستعمار مثل ما نجده مع الكاردينال لافيجري من مؤسسي حركة التنصير بالجزائر وبلاد المغرب عمومًا وناشط في مجال التعليم حيث يؤكد أن أفريقيا الشمالية لن تندمج في الفرنسة إلا بعد إخراجها من الإِسلام (2)، وينادي الأوروبيين فيقول: "أيها المسيحيون، سكان الألزاس واللورين، التائهون في هذه اللحظة بشوارع فرنسا، سويسرا وبلجيكا، أفرغوا منازلكم المحروقة، حقولكم المتلفة، فإن الجزائر، فرنسا الأفريقية، تفتح لكم أبوابها وتمد لكم أذرعتها. هنا
(1) عن موسوعة الجندي (المنهج الغربي) 9/ 268 (من التبعية إلى الأصالة)، وفي الموسوعة أخطاء طباعيه وعدم عناية بعلامات الترقيم فأصلحت ما يضرّ تجاهله بالمعنى من أخطاء ووضعت ما يحسنه من علامات الترقيم، وقد أخذت منها مجموعة نصوص نظرًا لأنّ الموسوعة من أهم المراجع التي وجدتها ترصد ظاهرة (التعليم الاستعماري).
(2)
انظر: الحركات الوطنية والاستعمار في الغرب العربي، د. محمَّد مالكي ص 116 هامش (20)، وقد ذكر "أنور الجندي" أن هذا "الكارندينال" يعادل دوره في المغرب دور "دنلوب" في مصر، انظر: موسوعته: المجتمع الإِسلامي 6/ 323، قسم: التربية الإسلامية.
ستجدون لكم، ولأطفالكم ولعائلاتكم، أراضي أكثر شساعة وخصوبة من تلك التي تركتموها بين أيادي الغزاة المحتلين. . . . أقدُموا إذن، فنحن على استعداد لاستقبالكم كإخوان، وكذا تسهيل الأعمال عليكم، علاوة عن مشاطرتنا آلامكم. . اقدموا لنساهم جميعًا في تكوين، وعلى هذه الأرض الملحدة، سكان مثابرين مخلقين، مسيحيين. . ستكونون الرسل والمبشرين الحقيقيين أمام الله وأمام الوطن. . . ." (1). وما بين الخطابين: الدبلوماسي والصريح الوقح تكمن حقيقة واحدة هي قسوة الاستعمار وعمله على تدمير أمة بكل طريقة ممكنة.
من الظواهر الملفتة هذا التعاون العجيب بين جيش علماني مخترق بتيارات ومذاهب، ظهرت في أوروبا لا تقيم وزنًا للدين مع الإرساليات التنصيرية، ومما يفسر ذلك على أرض الواقع أن الجيوش الاستعمارية قد سبقها إلى العالم الإِسلامي تلك الإرساليات التنصيرية، وتلك الإرساليات وجدت أن أفضل طريقة للتغلغل داخل العالم الإِسلامي، والتأثير فيه هو عن طريق التعليم، وقد اطلعنا على أثرها في فقرة "مدارس الإرساليات" فوجدت الجيوش الاستعمارية فرصة ذهبية في هذه المدارس، فكونت من خلالها منظومة التعليم الذي ستفرضه على البلاد المحتَلة ليكون منافسًا، بل بديلًا عن التعليم الإِسلامي. ولم تكن مدارس الإرساليات تمانع من استخدام أي وسيلة لضرب المعتقد الإِسلامي، وفي ذلك يقول أحدهم:"إن مقاومة الإِسلام بالقوة تزيده انتشارًا، أما الوسيلة الفعالة لهدمه وتقويض دعائمه فهي تربية دينية في المدارس التبشيرية أو المسيحية ونفث جراثيم الإلحاد في صدورهم منذ نشأتهم من حيث لا يشعرون، فإن لم يتنصروا فقد أصبحوا لا مسلمين ولا مسيحيين"(2)، فمع هذا الاتفاق بين الديني والعلماني وجد الاستعمار أفضل قوة يغزو بها العالم الإِسلامي في مجال التعليم هو حركة التبشير بما قد أسسته من نظام تعليمي خطير داخل العالم الإِسلامي (3).
(1) انظر: المرجع السابق، مالكي ص 136.
(2)
كاتب فرنسي نقلًا عن موسوعة أنور الجندي (التبشير والاستشراق والدعوات الهدامة) 5/ 88، قسم:(مخططات التبشير والاستشراق).
(3)
انظر: المرجع السابق، (عالم الإِسلام المعاصر) 3/ 297، 301، 305، وانظر:(المجتمع الإِسلامي) 6/ 301 - 302، قسم:(التربية الإِسلامية)، وانظر:(المنهج الغربي) 9/ 262 وما بعدها، قسم:(من التبعية إلى الأصالة)، وانظر:(تاريخ الإِسلام) 2/ 659، قسم:(من الوحدة الإِسلامية العثمانية إلى الترك والعرب).
بواسطة التعاون بين المنصرين ورجال الاستعمار تمت دراسة الواقع التعليمي في البلاد المستعمرة وتقديم تقارير مفصلة ودقيقة تُختم عادة بالتوصيات، وكان من أشهرها التقرير المفصل عن التعليم في مصر الذي قدمه "اللورد دوفرين"، ثم جاء دور "كرومر" الحاكم الفعلي في مصر آنذاك، وعندما توجه إلى التعليم كلف القس المشهور "دنلوب" بالمهمة، و"كان مبشرًا أسكتلنديا وقسيسًا، وقد اختاره كرومر لهذا العمل فسيطر عليه سنوات طويلة امتدت حتى أوائل الحرب العالمية الأولى (1914 م)، وكان قد عُين مفتشًا للتعليم (1897 م) ثم أصبح مستشارًا للوزارة خلال سبعة عشر عامًا"(1)، وقد أهَّله هذا العمل الضخم والفترة الطويلة التي قضاها في ذلك أن يحصل على إجماع من المؤرخين والباحثين -بحسب كلام الجندي- أنه "مؤسس الاستعمار التربوي والعقلي والتعليمي في مصر"(2)، وظهرت مصطلحات تعبر عن هذا الأثر من مثل "التعليم الدنلوبي" و"المناهج الدنلوبية" و"المدارس الدنلوبية"(3)، وهناك من وصفه بأنّه "أعظم من أنجبه الإِنجليز لقتل مصر"(4). وقد وصف محمَّد قطب الأسلوب الدنلوبي من بدايته عندما يُستلم الطفل ثم مراحل دراسته، وماذا يدرس، وماذا يُغرس فيه من خلال المنهج أو التربية والمعاملة، والنوعيات المميزة التي تُرسل بعد ذلك للبلد الأم في مواصلةٍ لغسل الدماغ وتجهيز قيادة من المسلمين تقوم بما لا يستطيع الاستعمار القيام به، ووصف الدور الخطير والذكي في استبعاد الأزهر عن مؤسسة العلم رغبة منهم في تحويله على هامش الحياة إن لم يقضوا عليه (5).
وفي المسار نفسه "الكرومري - الدنلوبي" كانت الأمور في المستعمرات الأخرى، في الهند كما في الجزائر ثم تونس ثم في بقية البلاد الإِسلامية التي وقعت في الاحتلال بعد الحرب العالمية الأولى. ونأخذ باختصار الصورة الفرنسية في البلدان المغربية؛ ففي الجزائر أقدم بلد وقع في الاستعمار وأطولها مُدّة كانت
(1) انظر: المرجع السابق، (تاريخ الإِسلام) 2/ 658 - 659.
(2)
انظر: المرجع السابق، (المجتمع الإِسلامي) 6/ 326.
(3)
انظر: المرجع السابق (المنهج الغربي) 9/ 291 - 292، وانظر: فيه أيضًا: (المجتمع الإسلامي) 6/ 331 - 333.
(4)
هو "محمَّد جمعة" عن المرجع السابق (المجتمع الإِسلامي) 6/ 322.
(5)
انظر: واقعنا المعاصر، محمَّد قطب ص 217 وما بعدها.
فرنسا تريد جعلها قطعة من فرنسا، وقد أهملت التعليم بقصد إبقاء الضعف فيهم حتى سنة (1883 م) -أي: بعد احتلالها لتونس- لتغير من طريقتها وتضع نظامًا تعليميًا هدفه اختراق شخصية المسلم وتغييره جذريًا لتكوّن "نخبة قادرة على استيعاب شروط الاستعمار، بل ومؤهلة للدفاع عن صيانته واستمراره"(1)، ويُصرح أحدهم أن الاحتلال التعليمي يعقب الاحتلال السياسي (2)، وقد وصف محمَّد فريد حال التعليم في الجزائر بعد العمل الاستعماري في أثناء زيارته لها سنة (1901 م) فقال:"هجرت ربوع العلم، وخرّبت دور الكتب، وصارت الديار مرتعًا للجهل والجهلاء، وكادت تدرس معالم اللغة العربية الفصحى، وتطرقت إلى اللغة العامية الكلمات الأجنبية، بل أصبحت اللغة الفرنساوية هي لغة التخاطب في العواصم. . . . إن حالة التعليم في القطر الجزائري سيئة جدًا، ولو استمر الحال على هذا المنوال لحلت اللغة الفرنسية محل العربية في جميع المعاملات، بل ربما لن تدرّس العربية بالمرة مع مضي الزمن، فلا الحكومة تسعى في حفظها ولا تدع الأهالي يؤلفون الجمعيات لفتح المدارس. . . ."(3).
ولم يكن الحال بأحسن في تونس، فبعد احتلالها سنة (1881 م)"عينت على رأس "إدارة المعارف" فرنسيًا مستعربًا هو لويس ماشويل. . . . فاستولى بتلك الصفة على جميع الأجهزة الثقافية والتعليمية، حتى تعليم جامع الزيتونة، ووضع قوانين تعطي الأولوية للغة الفرنسية على اللغة العربية في البرامج الدراسية، ومنع على جامع الزيتونة تدريس العلوم العصرية"، فعطل الاستعمار المسيرة التحديثية التي قد أسسها "خير الدين التونسي" وغيره (4).
وكما أدار "كرومر" الوضع في مصر أدار "ليوطي" الوضع في المغرب بمساعدة "جورج هاردي" الذي كان على رأس مديرية التعليم (5)، لم يلغ القرويين
(1) انظر: الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي، أ. د. محمد مالكي ص 145.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 147.
(3)
الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي ص 146.
(4)
انظر: الشيخ عبد العزيز الثعالبي ودوره في الإصلاح الإِسلامي، مسعودة الخضرة ص 20 - 21 ص 69 - 70.
(5)
انظر: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية. .، آسية بنعداده ص 48 - 49، وانظر: الحركات الوطنية والاستعمار. .، مالكي ص 113.
ولكنه أقصاه بطريقة ذكية، فأوجد ثلاثة أنواع من التعليم، "وهي: تعليم أوروبي خاص بالجالية الأوروبية، يدرسون ما يدرسه الفرنسيون. تعليم فرنسي -إسرائيلي تابع لمدارس الرابطة الإسرائيلية الدولية، باللغة الفرنسية، باستثناء خمس ساعات أسبوعية للغة والثقافة العبريتين. وقد انصبت سلطات الحماية أساسًا على هذين النوعين من التعليم. تعليم للمسلمين نظام ضعيف خاص بهم، وجعله على قسمين:
تعليم العامة: ويكون أساسًا باللغة الفرنسية، إعطاء ثقافة عامة، وهدفه أعوان ويد عاملة وما في بابها.
تعليم النخبة: لأبناء الأعيان، وأغلب دروسه بالفرنسية، والناجح يواصل دراستهُ في التعليم الثانوي الإِسلامي، أنشأته الحماية لصرف سكان المدن من النخبة عن إرسال أبنائهم إلى الشرق" (1).
فجعل التعليم الجيد للمحتلين واليهود أما تعليم المسلمين، فالتعليم إما لتوفير الأيدي العاملة أو لصرفهم عن الاتصال بمعاهد الشرق الإِسلامية، حتى لا يتأثروا بها، وبالطريقة نفسها كان الاستعمار الإيطالي يفكر في ليبيا، فعندما اقترح بعض رجال الإدارة الاستعمارية إلغاء التعليم الديني الثانوي اعترض مدير التعليم في المستعمرات الإيطالية، بحجة أنهم لو منعوه لذهب الطلاب إلى الزيتونة أو الأزهر، فيقتبسون منهم كثيرًا من الأفكار والآراء، فيرجعون إلى بلادهم بأفكار أشد وبالًا على مصالحنا الاستعمارية،. . . . "فلنحدد مدرسة عالية، نحدد التعليم فيها كما نشاء، فلا نضطر الطرابلسيين إلى طلب العلم في خارج بلادهم، حيث تتسمم أفكارهم ونفوسهم"(2).
انشغل المسلمون بالجهاد وتحرير البلاد وتعطلت الكثير من مشروعاتهم الإصلاحية والتحديثية والتعليمية من أجل التفرغ لفريضة الوقت آنذاك، بينما انشغل المحتل بصناعة جيل عبر التعليم يتولى إدارة العالم الإِسلامي سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا، وكان أخطرها تيار التغريب العلماني بمذاهبه المختلفة الذي تولى الدور عن المستعمر بجانبيه السياسي والثقافي، حيث كان المستعمر سياسيًا
(1) انظر: المرجع السابق، آسية، مع بعض التصرف والاختصار ص 49 - 51.
(2)
انظر: أحاديث في التربية والاجتماع، ساطع الحصري ص 89.