الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشكلة في إطارها الغربي -وقت الاتصال بهم- وصلت إلى مرحلة حسم التقابل لصالح أحدهما وهو العلم ومذاهبه وتياراته.
نجد في هذين النموذجين "مسائل من نظرية الفلك الجديدة" و"نظرية داروين" طريقة الصحافة -وربما أثرها- في تقديم النظريات العلمية الجديدة، ونشرها بين المجتمع عمومًا وتعريف الرأي العام بها، كنا نريد أن نعرضها كما هي، وكما عرفوها، ولذا أطلت في النصوص، ففي ذلك الوقت لم يكن للناس سوى الصحافة، ومن التتبع التاريخي أن هذه النظريات لم تظهر للمجتمع إلا من خلال الصحافة، فحتى المدارس والمعاهد والمؤلفين لم يكونوا قد عرضوا هذه الموضوعات بوضوح كعرض الصحافة، وكان أجرأ عرض لها هو عبر الصحافة النصرانية. وقد كان من آثار الطرح: إبراز رؤية جديدة حول مسائل علمية ذات بعد علماني، وإبراز مشكلة التعارض بين الدين والعلم، وتأسيس طريقة لحلّ مشكلة التعارض بحسب ما يرونه.
النموذج الثاني: مجلة الجامعة العثمانية "الجامعة" لفرح أنطون -الإطار العلماني:
تمثل مجلة "الجامعة" نموذجًا آخر لتقديم مشكلة العلاقة بالعلم ومناهجه ونظرياته الحديثة، فإذا كانت المقتطف تركز على النظريات العلمية الطبيعية، فإن مجلة "الجامعة" تركز على المنهج والفلسفة وفلسفة العلم والنظرة العلمية والعلمنة، وقد جاءت في ظلّ أوضاع مؤلمة للعالم الإِسلامي حيث كانت مصر تحت الاحتلال الإِنجليزي لتصدر "الجامعة العثمانية" كمجلة "سياسية علمية أدبية تهذيبية" سنة (1317 هـ - 1899 م)، وبقدر ما أسهمت في تعريف المجتمع القارئ آنذاك ببعض المعارف المفيدة بقدر ما كانت تتحرك في إطارها "النصراني - التغريبي" في بلاد المسلمين. وتختلف مجلة "الجامعة" عن "المقتطف" أن المقتطف تخصصت في الموضوعات العلمية والصناعية أما الجامعة وإن وجد فيها شيء من ذلك، إلا أن أخطر ما ركزت عليه هو صورة العلاقة بين الدين والعلم؛ لأنها جاءت في وقت لم تتحدد فيه صورة العلم الحديث داخل المجتمع المسلم: ما هو؟ وما العلاقة بينه وبين الدين؟ وما العلاقة بين مؤسساته ومناهجه وبين مؤسسات المجتمع القديمة ومناهج التعليم الموروثة؟
كانت المرحلة مرحلة مخاض عسير، كيف يتحدد وجود "العلم العصري" داخل المجتمع المسلم، ذاك العلم المنتشر في بلاد أوروبا؟ كان الموقف ضبابيًا
من العلم العصري، فغالبه تحت إدارة الأجانب: المدرسة مدرستهم، والأستاذ منهم، والطلاب فقط من عندنا، وهذا العلم الجديد قد نما وازدهر بين فئة غلب عليهم في أوروبا النزعات المادية والعلمانية المعادية للدين، فكيف سيكون حاله عندنا؟ جهات العلم الشرعي كالأزهر وغيره لم تعلن موقفها المناسب من هذه العلوم، وبقي الرأي العام ينتظر من يصنع له الرؤية حول هذه العلوم، كان الفراغ قائمًا وينتظر من يملؤه. زعم البعض أن علماء الشريعة رفضوا هذه العلوم مما عمق الفراغ ولم يظهر جواب حول حقيقة هذا الزعم ولا موقف عام من المؤسسات العلمية الشرعية حول هذه العلوم.
تولّت الصحافة سدّ هذا الفراغ عند الجمهور القارئ آنذاك، وكان عدد القراء في ازدياد، ونظرًا لأن أغلب صحافة ذاك العصر بإدارة نصرانية متغربة، فقد ملأت ذاك الفراغ بما يتوافق مع توجهها، فجاءت "المقتطف" و"الجامعة" و"الهلال" و"الضياء" وغيرها لتضع الجواب حول الموقف من هذه العلوم وعن علاقتها بالدين، وتأخر ظهور الصحافة الإِسلامية -على ندرتها كالمنار وغيرها- ليستغل هؤلاء النصارى المتغربون فراغ الساحة فيضعوا الأجوبة التي يريدون، ويبذروا بذور المشاكل التي صنعت لنا مجموعة من القضايا ما زلنا نعاني منها إلى اليوم، وكانت مجلة الجامعة ممن أسهم في ذلك.
يُلخص د. "حسن حنفي" دور فرح أنطون المتأثر بدارون ورينان والذي "جعل العلم أساس بناء الفرد والمجتمع باعتبار أن الدين بدائي بطبيعته وعاجز عن مسايرة تطور الإنسان. وكان ينشر آرائه في مجلة "الجامعة" التي كانت تصدر في القاهرة"، إلى أن قال:"وقد حاول من قبل شبلي شميل تأصيل نظرية التطور في القرآن"، وذكر دعوته المتواصلة إلى العلمانية (1)، وهو أمر ظاهر لمن كانت مرجعيته آنذاك الثقافة الفرنسية العلمانية الصاعدة.
كانت المجلة -وصاحبها- أهم النوافذ على ثقافة تيار سائد في الفكر الفرنسي، فهناك الكثير من المبتعثين إلى فرنسا، ولكن ذلك كان محصورًا في النخبة والمتعلمين ولم يصل إلى الجمهور، فقامت المجلة بمثل هذا الدور. وكانت الفكرة السائدة في أوروبا عمومًا، وفرنسا خاصة ذات الثورة العلمانية
(1) هموم الفكر والوطن -الفكر العربي المعاصر، د. حسن حنفي 2/ 437 - 438.
عن العلم أنه البديل عن الدين في وضع التصورات وإدارة الحياة العامة والفردية، ومن هنا فلابد من التوجه إلى العلم والعلمانية، وفرنسا آنذاك تموج بتيارات علمانية وإلحادية خلفًا لتيار التنوير في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، من أمثال أتباع "سان سيمون" وأتباع "كونت" -أشهر فلاسفتهم آنذاك- وأتباع مفكريهم كـ"رينان" وغيره، كانت تيارات ضد الدين وتزعم أنها رُسل الروح العلمانية والعلمية الجديدة، وقد كان فرح أنطون من المتأثرين بهذه الأجواء، ومن المقلدين لها ولا يمنع أن تجد فيه فرنسا أداة لنشر ثقافة التبعية لها بين أوساط المسلمين ونصارى المنطقة، ولاسيّما أنها ترى منافستها اللدودة تحتل مصر.
كانت أخطر الأفكار انتشارًا في فرنسا مع التيار الوضعي هو الزعم بالعداء التام بين الدين والعلم، وأن العلم يمثل مرحلة من التطور الإنساني الذي لا رجعة عنه، وهناك فئات مادية وملحدة تريد تحطيم الدين وتلتصق بالعلم -كما رأينا في الفصلين الأولين- من أجل نشر دعواها، وقد نشطت الكنيسة في فرنسا في مقاومة هذا التيار الوضعي، ولاسيّما في مجال التعليم وكذا في الدفاع عن عقائدها بربطها بالعلوم الطبيعية؛ لأن هذه العلوم قد جعلتها الوضعية الفرنسية دليلًا على فساد الدين (1)، وهذا الصراع الحاد قد خفّ في النصف الثاني من القرن العشرين (14 هـ)(2)، ولكنه كان قويًا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر لحظة تتلمذ "فرح أنطون" وغيره على الثقافة الفرنسية، فنقل ذاك الصراع من فرنسا -بين التيار الوضعي والكنيسة- إلى العالم الإِسلامي، وصُوّر على أنه صراع بين الدين والعلم، كما حاول الناقل إقناع من يقرأ له أن سبب تأخر المسلمين راجع إلى بقاء الدين الموجه الأعلى للحياة (3)، ومن ثمّ لابد من استبداله بالعلم ويبقى الدين مفصولًا عن حياة المجتمع كشأن فردي، وأن يكون
(1) حول هذا الصراع بين الوضعية الفرنسية والكنيسة انظر: العلمانية من منظور مختلف، د. عزيز العظمة ص 35 - 36.
(2)
نقل "هاشم صالح" في كتابه: العلم والإيمان. .، شهادات علماء في العلوم الحديثة عن مصالحة كبيرة بين العلم والدين داخل فرنسا، وسقوط تلك الدعوى الوضعية، وقد سبق ذكر بعضها.
(3)
انظر: النهضة والسقوط في الفكري المصري الحديث، د. غالي شكري ص 177.
التعليم في المدارس معزولًا عن الدين تمامًا كما هو حال المدارس الفرنسية (1).
لم تكن حركة مجلة "الجامعة" مثل حركة "المقتطف"، فالجامعة تركز على فلسفة العلم وعلمانيته والدعوة لإحلاله محل الدين ونشر دعوات التيار الوضعي الفرنسي، وهي بهذا العمل تؤسس لنوع من الوضعية العربية المقلدة للنموذج الفرنسي، ومن بين النماذج التي غطت الكثير من أعداد المجلة التي حاول من خلالها نشر هذه الأفكار ما يأتي:
1 -
عرض "أنطون" في مجلته رواية له بعنوان "الدين والعلم والمال" وذكر عنها أنها جاءت نتيجة مطالعة ثلاث سنوات في الجرائد والمجلات الفرنسية، وصور فيها ثلاث مدن بأهلها، مدينة الدين ومدينة العلم ومدينة المال، وما جرى بين سكانها من النزاع، ودعاوى كل فريق منهم على خصمه، وكيف انتهت مشكلتهم بالحل العلماني التي هي اليوم أكبر المشاكل عند كل الأمم والشغل لفلاسفة العمران ورؤساء الحكومات، وفيها بروز واضح لأفكار "كونت" و"ماركس" و"داروين"(2).
2 -
أفسحت المجلة صدرها لـ"رينان"، صاحب الحملة النقدية الكبيرة على الكنيسة والمسيحية، وجعلها نموذجًا للتناقض بين الدين والعلم، وألقى محاضرته المشهورة عن علاقة الإِسلام بالعلم، منتقصًا من شأن الإِسلام أيضًا ولكن ليس من منطلق فكري مستقل، وإنما من خطاب استشراقي علماني وضعي ضد الإِسلام، وهو خطاب "يقدس الحضارة الهيللينية القائمة على عبادة العقل والحرية والجمال، بينما كان يمتهن الحضارة العربية الإِسلامية خاصة والسامية عامة، بوصفها عاكسة لجبرية كسولة، وإيمانية مغلقة، وعدم تسامح، وامتهان للفنون، ومناهضة للتفكير العلمي والفلسفي، ويذهب في هذا الاتجاه -مع بعض الترددات- إرنست رينان"(3)، وهو في نقده للإسلام لا يختلف عن نقده لدينه؛ لأن موقفه الوضعي يجعله منتقدًا لكل دين وربما يكون أكثر تطرفًا مع الإِسلام
(1) انظر: المرجع السابق ص 178.
(2)
انظر: مجلد السنة الرابعة من مجلة "الجامعة"، العدد الخامس ص 296، سنة (1321 هـ - 1903 م).
(3)
الإِسلام والعلم بين الأفغاني ورينان، د. محمَّد الخشت ص 14.
تحت ضغط هذه الرؤية الاستشراقية، وإن كان يعترف أحيانًا بموقف خاص تجاه الإِسلام فهو يراه على خلاف المسيحية أن له أصوله الواضحة التي يمكن الرجوع إليها، كما أنه يعترف أحيانًا بما يحدثه الإِسلام من انفعال به لدرجة أنه "ما من مرة دخل إلى جامع إلا وتأسف؛ لأنه ليس مسلمًا"(1)، ومع ذلك فموقفه من الدين عمومًا ومن الإِسلام أيضًا، ولاسيّما عندما يكون الحديث عن المقدس الجديد "العلم" يتحول لصالح الوضعية والعلمانية.
وإذا كانت المجلة أفسحت لـ"رينان" كناقد للمسيحية حيث ترجمت أجزاء من كتابه: "حياة المسيح" في عدة أعداد، إلا أن رينان يؤصل في ذلك لإثبات التناقض بين الدين والعلم عبر تطبيقه أدوات يُراد تعميمها على كل دين، وهي أدوات وضعية غير موضوعية تنتمي لتيار الوضعية؛ ولذا رفضتها الأطراف الأخرى. ومن ذلك إنكار المعجزات بحجة أن دراسته للمسيحية تثبت عدم صحتها، وهو تعميم خاطئ، فكون المسيحية قد امتلأت بالأكاذيب حول معجزات مزعومة، ووجود مثل ذلك في الأديان الأخرى: أرضية أو محرفة، فليس كل ذلك كافيًا للتعميم.
وقد جاء الرد اليتيم والمشهور من قبل "جمال الدين الأفغاني" ليكون الرد الإِسلامي الوحيد على حملة "رينان"، ورغم الاختلاف حول جودة رد الأفغاني إلا أنه الأول من نوعه الذي أيقظ ذاك السكون الطويل، حيث كانت الكتب والمجلات والمقولات تنتشر بين المسلمين دون أن يتجرأ أحد على نقدها (2)، فكان صوت الأفغاني من أوائل الأصوات الإِسلامية في ردّ طعون المستشرقين والغربيين.
وقد يكون رد الأفغاني على رينان مما أثار حفيظة فرح أنطون، فأنشأ بعض المقالات في نقد الأفغاني، ومنها تعجبه من هجوم الأفغاني على الطبائعيين مع أن أكثرهم من أهل العلوم (3)، وكأن انتسابهم للعلم يعفيهم من نقد المفكرين والنقاد.
(1) انظر: المرجع السابق ص 28 - 29.
(2)
انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين ص 86 - 93.
(3)
انظر: مقاله عن (فلسفة جمال الدين الأفغاني) في ثلاثة أعداد من مجلة الجامعة، السنة =
3 -
من بين المعارك التي وقعت في تلك المرحلة ما أثاره السياسي والمفكر الفرنسي "هانوتو" حيث كتب مقالًا عن الإِسلام بمناسبة سياسة فرنسا في المستعمرات الإِسلامية، وتعرض فيه للمقارنة بين المدنية النصرانية والمدنية الإِسلامية (1)، معليًا من شأن الأولى ومنتقصًا من شأن الثانية، ومما أثاره كغيره من فرنسيي تلك المرحلة: أن الإِسلام ضدّ المدنية والعلوم مُرجعًا ذلك إلى العقيدة الإِسلامية، ويتواصل الطعن في الإِسلام والمسلمين مع التركيز على إبراز مقولة أن الإِسلام ضدّ المدنية والعلوم النافعة، وربما يشعر بعض المسلمين من جراء الضعف والتخلف الذي هم فيه بصحة هذه المقولة، فينساقوا مع دعاوى التغريب والاستعمار.
جاء أحد الردود المشهورة آنذاك من قبل الشيخ محمَّد عبده وفرِح به المثقفون المسلمون آنذاك؛ لما فيه من إيقاظ العقول المخدَرة بتلك الشبهات، فتعود ثقة الناس بدينهم وتراثهم وحضارتهم وبإمكانياتهم الذاتية للنهوض من جديد، لقد أعطى ردّ محمَّد عبده شحنة مهمة للمسلمين، وهي أهم ما في الرد، أما تفاصيل الرد وسلامته وصحته العلمية والمنهجية فذاك موطن خلاف بين المطلعين عليه (2).
ولكن "مجلة الجامعة" رغم حذرها من التعامل مع محمَّد عبده كانت تسير خارج السياق بسبب تبعيتها للثقافة الفرنسية الوضعية والاستعمارية فأخرجت مقالًا لكاتب بعنوان: "المسيو هانوتو والإِسلام"، وقالت: إنه "لكاتب فاضل ونستلفت إلى هذه المقالة أنظار جميع القراء"(3)، وعرضت فيه دفاعًا عن هانوتو تحت دعوى التوازن، وأن له حسنات وسيئات ولكنه عاقل ومعتدل و. . . .، وأي عاقل يستهتر بحضارة أمة ويصورها كأنها ظاهرة تاريخية بشرية متخلفة! وأي معتدل وهو يبرر قيام الاستعمار بجريمته كأنه حق لفرنسا في مقاومة التوسع المنافس لها من قبل إنجلترا وغيرها!
= الخامسة (1324 هـ - 1906 م)، العدد الرابع ص 145، والعدد الخامس ص 196، والعدد السادس ص 238.
(1)
انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث ص 332.
(2)
انظر كلام "هانوتو" ورد الشيخ "محمَّد عبده" في كتاب: (الإِسلام دين العلم والمدنية) للشيخ محمَّد عبده، كلام هانوتو: ص 49 - 87، والرد عليه: ص 88 إلى آخر الكتاب.
(3)
انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث ص 332.
4 -
عرضت "مجلة الجامعة" في السياق نفسه مقالات عن ابن رشد تؤكد فيها الرؤية العامة حول موقف الإِسلام من العلم، الرؤية المصنوعة في معاهد الاستشراق والاستعمار والتيارات الوضعية والمادية العلمانية التي تريد إقناع المسلمين أن دينهم عدو للعلم والمدنية، وأنه لا حل لهم إلا بإبعاد الإِسلام عن شؤون حياتهم، فكانت المقالة عن ابن رشد تخدم هذه الفكرة (1)، تنبه لها البعض وعرض ذلك على الشيخ محمَّد عبده فوضع ردًا عرضته المجلة تحت عنوان "رد إمام جليل"(2)، وجاءت مناقشة له في عدد آخر (3).
ومما ذكره "فرح أنطون" في هذا الباب "أن تمكن العلم والفلسفة من التغلب على الاضطهاد المسيحي في أوروبا وعدم تمكنها من التغلب على الاضطهاد الإِسلامي دليل واقعي على أن النصرانية كانت أكثر تسامحًا مع الفلسفة"(4)، فقد لمح الشيخ "محمد عبده" ما يخفيه هذا النص وغيره ورد برده المهم آنذاك، وانتفع الناس بذلك كثيرًا، وقد رصدت مجلة المنار عددًا كبيرًا من الردود التي استفادت من كلام الشيخ محمَّد عبده وأيدته وشكرته، يقول "محمَّد رشيد رضا":"لقد كان لنشره من التأثير في عالم العلم والدين، ما لم نره لكلام أحد من الكاتبين، طارت به اغتباطًا قلوب المسلمين، ولم يبخسه حقه فضلاء المسيحيين"(5). وختم كلامه بأن فرح أنطون توقف بعد ذلك بمدّة عن إصدار مجلته، ليؤلف كتابًا في فلسفة ابن رشد للرد على الشيخ محمَّد عبده، ولكن ذلك الكتاب لم يحظ بقبول بعد النقد الذي قامت به مجلته (6).
(1) مقالته عن ابن راشد، مجلة الجامعة، السنة الثالثة (1320 هـ -1902 م)، العدد الثامن ص 517.
(2)
انظر: المرجع السابق، العدد التاسع ص 626.
(3)
انظر: المرجع السابق، العدد الثاني ص 51.
(4)
الإِسلام دين العلم والمدنية، الشيخ محمَّد عبده ص 185، وانظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين ص 332.
(5)
المرجع السابق، الإِسلام دين العلم. . . . ص 221، وللأسف فإن عداء المحقق (د. عاطف العراقي) للفكر الإِسلامي جعله في تحقيقه للكتاب يتكلم عن كل شيء إلا عن دور الشيخ "محمَّد رشيد رضا" الذي أخرج هذا الكتاب، وما جهد العراقي إلا تطويله بمقدمات لا جديد فيها يستحق الذكر.
(6)
انظر: الإِسلام دين العلم والمدنية ص 222 - 223.
رغم هذه الخاتمة الصعبة للمجلة واختفائها، إلا أنها زمن حضورها أثارت قضايا خطيرة، ومما خفف من أثرها تغير الأحوال النسبي في العالم الإِسلامي، حيث برزت نماذج إسلامية دخلت الصراع فخففت من انتفاشة الصحافة العلمانية التغريبية ذات الإدارة النصرانية، ومع اختلافي المنهجي مع طريقة الشيخ محمَّد عبده كما سيظهر في الفصل الخامس إلا أنه لا يسعنا إلا شكره على هذا الجهاد الذي قام به ضدّ المدّ التغريبي النصراني، والجهاد واجب على الجميع عندما يقتحم العدوّ بلاد المسلمين أو عقولهم، ولكل مجاهد حظه من الشكر وإن كان بعض المجاهدين قد يصيب ويخطئ، كما أن بيان خطر هذه المجلة لا يعني فراغها من المفيد والنافع ولكن الذي أثار الواقع الثقافي هو تلك المواد السيئة حول الإسلام.
لقد كانت الصحافة المشهورة آنذاك بيد اليهود والنصارى، وللأسف، فمنهم من حصل على الدعم من قبل المسلمين، فتمكنوا من نشر ما يريدون، وهناك عدد آخر من النماذج الخطيرة، ولكن كونها تدور في ذلك "المقتطف" و"الجامعة" فإنني خشية الإطالة أكتفي بهما، وإلا فهناك مجلة "الهلال" وهي رغم مصاحبتها للمقتطف فهي ما زالت تصدر إلى الآن، وهناك مجلة "الضياء" لإبراهيم اليازجي في مجلداتها الثمانية (1898 - 1906 م)، وعدد آخر من المجلات يصدر لفترات زمنية -تطول أو تقصر- ثم تُقفل أو تختفي.
ثم بدأ في الربع الثاني من القرن الرابع عشر/ النصف الأول من القرن العشرين مجلات أخرى جديدة لقيادات فكرية مشهورة، منها ما كان للنصارى وكان من أشهرها مجلة "المجلة الجديدة" لسلامة موسى (1929 - 1942 م)، ومنها ما كان للمتغربين من المسلمين مثل مجلة "العصور" لإسماعيل مظهر (1927 - 1931 م)، وبدأت مدن أخرى تعرف الصحافة، فظهرت من دمشق مجلة "الطليعة" سنة (1935 م) كأول مجلة ذات توجه اشتراكي ماركسي (1)، وغيرها، ولكن المذكورة كانت تزعم في دعواتها التغريبية والعلمانية والإلحادية استنادها إلى العلم الحديث.
كما أن فترة الاستعمار ساعدت على ميلاد تيارات فكرية تغريبية أهمها
(1) انظر: العلمانية من منظور مختلف، د. نذير العظمة ص 232 - 233.
الليبرالي والقومي والماركسي والاشتراكي، وبعضها تكوّن لها أحزاب كبيرة في العالم الإِسلامي، وأوكل لها الاستعمار قيادة كثير من البلاد الإِسلامية بعد رحيله، وكان لهذه التيارات الفكرية وأحزابها السياسية مجلّاتها المختلفة التي وظفتها في خدمة رسالتها التغريبية، ومن ذلك انحرافها الكبير بالعلم الحديث ومناهجه ونظرياته والاستغلال الأيديولوجي القبيح للعلم بما يخدم أصولهم الفكرية التغريبية ويحقق رغبتهم في مسخ هوية الأمة، بدأ الانحراف بالعلم عبر الصحافة داخل صحافة نصرانية وبين النصارى أنفسهم، ثم تحول ذلك إلى الصحافة عمومًا، منه ما يتوجه للمسلمين ومنه ما يتوجه إلى غيرهم، ثم أصبح من أبناء المسلمين من سلك طريق التغريب، وأنشأ صحافة تتوجه للرأي العام وتمارس دورها في الانحراف بالعلم.
ماذا فعلت الصحافة النصرانية التغريبية؟
أطلتُ الحديث عن الصحافة؛ لأنها -إلى حدٍ ما- تعدّ مرآة التيارات الناشطة آنذاك، فتُصور لنا طبيعة الموضوعات التي كان يتداولها أولئك القوم، والتفاعل الناتج عنها، فاكتسبت من ذلك أهميتها في آية دراسة تحاول تحليل مرحلة أو قضية فكرية، كما أنها منبر التوجيه والتأثير في المجتمع، فإن لم تؤثر فهي تُعبّر عن رغبات قوم يمارسون دورهم من أهم منفذ جماهيري أتيح في العصر الحديث وهو الصحافة، وتعطي للبحث صورة شبه كاملة عن المشاكل المرتبطة بظهور العلوم العصرية والنظريات العلمية والمذاهب المصاحبة لها، إنها إلى حدٍ كبير تعطي تصورًا جيدًا عن واقع المجتمع آنذاك في طريقة تفاعله مع هذه العلوم ونظرياته.
فتحت الظروف التاريخية المعاصرة الفرصة للنصارى أن يمتلكوا الصحافة الأهلية الناجحة، ومنها تلك الصحافة الموجهة لرعاية المعارف العصرية والأفكار والآداب والفنون الحديثة، وأصبحت بذلك النافذة الشعبية الوحيدة السهلة للوصول إلى تلك المعارف. ومن الطبيعي لصحافة يديرها النصارى أن تظهر رغباتهم من خلالها وتُبث أفكارهم فيها، وبسبب اختراق المذاهب العلمانية لأكثر مؤسسي تلك الصحف، فقد تحولوا إلى أبواق دعائية تنشر -بحسب الظروف- ما يمكن نشره من تلك المذاهب.
كانت فترة احتكاك مثقفي النصارى العرب بالغرب فترة ظهور المذاهب الوضعية والمادية ونجاح العلمانية في فرنسا بالذات، فانعكس ذلك في صحافة النصارى العرب بشكل أو آخر، وكان من أخطرها الموقف من العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها، ولاسيّما أن ما انشغل به المسلمون واعتنوا بطلبه من الغرب آنذاك هو العلوم الحديثة والصناعات، فجاءت هذه الصحافة ولاسيّما ما ذُكر من نماذج، وكأنها تلبي رغبة المجتمع آنذاك في طلبه لمثل هذه العلوم، ولكن تغطيتها للحديث قد اعتراها ما أفسد مسيرة العلوم وتسبب -مع غيره- في إفساد تصور العلوم الحديثة والانحراف في التعامل معها، يوضحه الآتي:
1 -
فمن ذلك التحول من العلوم إلى النظريات والأفكار والتصورات: كانت بداية التحديث وطلب النهضة في البلاد الإِسلامية محصورة في إصلاح الجيش وطلب العلوم البحتة وبعض الأمور الصناعية، ومثل هذه الأمور تبقى محايدة لا تُحدث آثارًا مباشرة في المجتمع وثقافته، ولا تصطدم مع ثقافة الأمم المختلفة، ولكن الصحافة ذات الاهتمام العلمي حولت الأنظار إلى مسائل مرتبطة بالحركة العلمية الحديثة ونابعة من ثقافات الأمم الأخرى، ولاسيّما في مجال النظريات والمناهج والتصورات وفلسفة العلوم، ومن الطبيعي هنا أن يقع الاختلاف وربما الاصطدام.
كانت المعاهد المنتشرة لتدريس العلوم الحديثة والصناعات بعيدة إلى حد ما عن هذه المشكلات، مهمومة ببعض الأمور النافعة، لكن جاء اليوم من يقول: إن ما يدرسه هؤلاء ليس كل العلم، بل ربما تركوا ما هو أهم منه مثل فلسفة العلوم ذاتها، هذا بعض ما توحي به الصحافة، ولكن القراء قد يظنون أن هذه الأمور الخطيرة هي العلم الحديث، فيقع الخلاف، وتنشغل الأمة عن الأهم، وتنشغل النخبة بالأمور المشتبهة ويتركون النافع، فإذا علمنا أن المشتغلين بالعلوم الحديثة النافعة هم قلة، وجاء ما يعطل مسيرتهم من إدخال الاختلاف حول قضايا لا يضرّ تأخيرها ويضر تقديمها، فكم من حوارات وردود، وما سبّبَ كل ذلك من اضطراب اجتماعي وما تبعه من إجراءات سياسية.
ربما يعود الإشكال إلى ارتباط الصحافة العلمية أول أمرها بطائفة نصرانية تخالف في دينها وثقافتها المجتمع الذي تعيش فيه، لذا لم يكن يهمها ما ترمي به المجتمع المسلم عبر وسائلها الإعلامية، ولاسيّما مع ارتفاع الحرج عندهم في
ظل الامتيازات التي حصلوا عليها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ثم الحماية الأجنبية المباشرة مع الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين.
علينا أن نتخيل عظيم الجرم الذي فعلته صحافة النصارى بإشغال الأمة لأكثر من ربع قرن بنظرية التطور في وقت كنا في بداية التحديث المادي والعلمي، فعطّلت المسار الصحيح لنهوض الأمة بالحوار والجدل الطويل حول هذه النظرية، ثم بعد ذلك لم نخرج بشيء، بل اختفت تمامًا في منتصف القرن الرابع عشر/ العشرين، مع اختفاء الدارونية على المستوى الغربي.
قد يقول قائل: وما المشكلة في تعرّفنا على النظريات والمناهج العلمية، ولاسيّما أن لها أثرًا في تطور العلم؟ والجواب أنه لا توجد مشكلة في ذلك إذا بقيت داخل دائرة العلوم البحتة، أما إذا كانت النظريات تختلف مع ثقافة الأمة أو مع أصول دينية، فلابد من التوقف معها قبل جلبها، ولنتأمل في طبيعة ذلك الاختلاف: ما حدوده؟ وما آثاره؟ وليتحاور حولها أولًا نخبة من علماء الشرع وعلماء العلوم العصرية حتى لا نُدخل على أمتنا ما يؤثر على عقيدتها ويثير التوتر الاجتماعي فيعيق التطور السليم والتقدم النافع.
ويختلف هذا عن موقف الصحافة النصرانية التغريبية، إذ ركّزت على ما هو موطن إشكال وربما يصطدم مع أصول دينية، فيفتحون بذلك الخلاف الضارّ داخل الأمة. ولاسيّما أن واقعنا يختلف آنذاك عن واقع المجتمعات الأوروبية، فإن أوروبا إن ظهر فيها الجديد من النظريات فعندها من العلماء المختصين في الأبواب العلمية المختلفة ما يمكنهم من نقد النظريات وتحليلها وكشف نقاط الضعف والقوة فيها بخلاف نشرها في العالم الإِسلامي، فلا يوجد آنذاك من المختصين والعلماء من يستطيع نقدها علميًا، ولا توجد المختبرات ولا البحوث العلمية ولا الدراسات السابقة ولا المعامل ولا أدوات التحقق، مما يجعلنا إما أن نقبلها ونسلم بها أو نرفضها، والقبول والرفض لم يُبن عن تحقق علمي. ويزداد الأمر أهمية في تلك النظريات التي تفتح خلفها أبوابًا في غاية الإشكال، فلم يكن من الحكمة والحال هذه أن نُقبِل على هذا النوع من النظريات، إما لعدم فائدتها المباشرة وغيرها أولى وما تثيره من ضرر أكثر مما تفتحه من نفع إن كان فيها نفع، أو لعدم قدرتنا العلمية والمادية من التعامل الإيجابي مع مثل تلك النظريات الجديدة.
2 -
ومما أثارته الصحافة بسبب عرض ما لا نحتاجه: أن الجمهور المثقف القارئ بعد اطلاعهم على هذه المعلومات التي شعروا من خلالها بوجود التعارض مع ما يعرفونه من دينهم عادوا -كما هو المتوقع، والأصل- إلى علمائهم الشرعيين يسألونهم عن هذه الأمور.
والمتوقع -وربما وقع منه الكثير- أن يكون الجواب بترك تلك الضلالات، لكن دون إثبات كونها خاطئة بالأسلوب العلمي نفسه، والذي صيغت به تلك النظريات، أو التوقف عن الجواب أو محاولة إيجاد صورة يتم فيها الجمع بين الأمرين، والأخير قد جذب البعض ولكنه لا يصح إلا من طرف لديه معرفة جيدة بالشرع، وأخرى لحقيقة تلك النظريات. وهي مسألة ستأتي في الفصل الخامس، ولكن المقصود أنها أثارت مشكلة يصعب على أهل العلم الشرعي في تلك البيئات التي ظهرت فيها أن يجيبوا بالجواب الشافي، ولذلك أثره في زيادة الحيرة والاضطراب والاختلاف داخل المجتمع.
3 -
ومما أثارته الصحافة بسبب العرض المُشكْل في هذا الباب: أنها وفّرت منفذًا وأوجدت فرصة للطاعنين في الإِسلام والمبغضين له، وقد كان قبل ذلك يتم عن طريق تأليف الكتب أو عبر المدارس أو اللقاءات، أما بعد ظهور الصحافة فقد تحول القوم إليها بما توفره من إمكانيات لا توجد في غيرها، وقد ظهر منها الشيء الكثير في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حيث كانت أغلب الصحف بيد اليهود أو النصارى فوفر نشر مثل هذه النظريات فرصة لدعاة التشكيك في الإِسلام وفي الدين.
4 -
ومما أثارته الصحافة أيضًا أنها صنعت رموزًا جديدة وأخفت الرموز الذاتية. لم يكن هناك إلا صحافتهم، وأبطالها هم علماء أوروبا وأدباؤها وشعراؤها وفلاسفتها وسياسيوها وقوادها الحربيون و. . . . مع التركيز على العلماء الأوروبيين في الصحافة العلمية. هكذا اختفت أسماء أعلام الإِسلام من الصحافة وبرزت أسماء أخرى، ولاسيّما وسط الجمهور القارئ المثقف، ولا يخفى ما في ذلك من توجيه الرؤوس إلى قيادات جديدة، ورموز جديدة، تكون موضع القدوة ومصدر التلقي، كما أن ذاك التركيز يحول العناية من العلم إلى العالِم، والعالم ليس كل ما عنده علم، فعنده المواقف الدينية والثقافية والسياسية وغير ذلك. والذي يعنينا الآن أن الصحافة آنذاك رسمت "نموذجًا" جديدًا يتخيله
الذهن عن العالِم، فقد كان العالم في الموروث الثقافي هو العالم بالشريعة والعلوم الإِسلامية في المقام الأول، أما ما تريد الصحافة ترسيخه فهو أن العالم هو النموذج الأوروبي المعروض في صفحاتها وهو الذي يستحق الاسم.
5 -
ومما أثارته الصحافة أيضًا تركيزها على وضع تصور علماني عن العلوم العصرية، سواءً بالفصل بينها وبين الدين وعلومه، أو جعل مظلتها هي تصورات علمانية تتحرك في ظلها تلك العلوم، ومن ذلك: أن هذه العلوم الجديدة قادرة على مساعدة الناس، وإغنائهم عن غيرها من العلوم. عندما كان طلب العلوم محصورًا في النافع منها لم يظهر إشكال في المجتمع، ولكن عندما دخلت النظريات وفلسفات العلم نبتت مشاكل، وكان الحل التغريبي المطروح لها هو العلمانية، وكانوا يصورون العلمانية على أنها فقط أداة فصل بين نظامين، مع أنها في حقيقتها محاولة إحلال نظام جديد غربي مكان الإِسلام وإن كان ذلك بالتدريج، وقد اتضح ذلك بجلاء في صحافة النصارى وقت الاستعمار، حيث تحول خطابها من التلميح وغير المباشر إلى التصريح والمباشر.
6 -
ومما أثارته الصحافة أيضًا، أنها زرعت المشكلة وأرادت أن تعرض الحل، وذاك الحل المقترح قُدِّم وفق رؤية نصرانية بسبب إدارة النصارى لتلك الصحف، وبسبب إثارة المشاكل أولًا داخل النصارى حيث كانت المشكلة "نصرانية - نصرانية"، ولكن الصحافة بسبب جماهيريتها قد يتحول ما تطرحه إلى ما يشبه رؤية عامة لجميع القراء، ويترسخ مع الأيام في أذهان القراء مع التكرير، ولاسيّما إذا غاب منهج المعارضة النقدية، وأنى له ذلك في ظل غياب صحافة إسلامية في مكانة الصحافة النصرانية. ومما أوحت به من مشاكل ومناهج للمعالجة: أن هناك تعارضًا بين الدين والعلم، وأن المنهج الأنسب هو القائم على تصور الدين أنه يخاطب الناس بما يفهمونه في عصرهم وإن كان خلاف الحقيقة، وأن الحل بعد ذلك يكون في تأويل النصوص الدينية أو الأصول الدينية، وإن كان التصور والمنهج غير جديد فإن الجديد هو المشاكل والمسائل المعروضة.
7 -
ومما أوحت به الصحافة لجمهور واسع من المسلمين أن العلوم العصرية الحديثة علوم فاسدة وتدعو إلى الإلحاد والكفر وتُعارض الدين؛ لأن الصحافة التغريبية ركزت على عرض نظريات حولها إشكاليات وشبهات،
وعرضتها على أنها من العلم المعتبر في بيئة يُعد فيها المدركون لحقيقة هذه الأمور قلّة، فكونت رأيًا معارضًا عند بعض المسلمين يرفض أصحابه هذه العلوم مطلقًا، وانتشر هذا القول بين عدد من المتدينين خوفًا على دينهم، وما كان موقفهم بصحيح، إلا أن مما يفسر مثل هذا الموقف هو اشتباههم في دعاة هذا العلم من المتغربين بسبب ما ينشرونه في صحفهم، وقد كان حال الفئة القليلة المتدينة الرافضة للعلوم مطلقًا أيسر في المعالجة، فإن علماء الإِسلام قد بيّنوا لهم الحق، مما جعلهم يتركون مثل هذه المعارضة المطلقة للعلوم العصرية، وسيأتي شيء من حال الرافضين ورد العلماء عليهم في الفصل الخامس بإذن الله.