الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نطيل الحديث عن العلمانية ونكتفي ببيان أثرها في مسيرة العلم الحديث، ولاسيّما بعد أن صُوّرت كسند للعلم بخلاف الكنيسة التي صورت كعدوٍ له، ووجدت فرصتها الكبيرة في استثمار العلم بل في إعادة صياغته عبر صياغتها للمجتمع ككل بحيث يتحول العلم إلى علم علماني، وهذا التحليل هو الوجه النقدي للعرض التاريخي الذي سبق في الفصل الأول.
أبدأ بذكر العلاقة المشبوهة بين الكنيسة والسلطة في إرهاق الناس، واستثمار خصوم الكنيسة لذلك من أصحاب الدعوات العلمانية، ولكن الغريب أن الدراسات تُظهر فقط مشكلة الكنيسة وتسكت عن حليفتها السلطة، مع أنهما سواء في مشكلة التعامل مع العلم. يأتي بعدها تحول الطرح العلماني من فصل بين الدين والعلم إلى تحوّل العلمانية كرؤية مادية تحكم توجه العلم الجديد، وابتعاد السلطة عن الكنيسة وتحولها إلى سند للعلمنة بعد أن نجحت العلمنة في اختراقها، ومن ثم تحرك العلم بعيدًا عن الدين في الجوّ العلمي الجديد.
أ- العلاقة المشبوهة:
كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة وثيقة، كل طرف يوفر الدعم للطرف الآخر، والطرفان كانا ضد الحركة العلمية الجديدة لما تمثله من تهديد لمصالحهما، ومع ذلك فأغلب الكتابات تركز على رمي التهمة على الكنيسة، وتغفل أثر الدولة والسلطات السياسية. وإذا عدنا لبداية الصراع لا نجده فقط بين الدين والعلم -على أن الدين هنا هو الكنيسة-؛ بل هو في الحقيقة بين الدولة ذات المصالح والأهواء، والكنيسة الغارقة في مصالحها وأهوائها، فتضافرت أهواء الطرفين واتحدت القوة السياسية مع الكنيسة، ومع ذلك فقد أُغفل أثر السلطة لما يعنيه ذلك من تحميل التهمة لممثلي الدين فقط. صحيح أن الكنيسة قامت فعلًا بوضع الحجج الدينية والعقلية المانعة من التفكير العلمي الحر والانفتاح العقلي المثمر، لكن لا يعني ذلك اقتناعها بما تقدم من حجج بقدر ما هي المصلحة الميكافيلية التي لجأت إليها من أجل التعاون مع السلطات في إقصاء القوى الجديدة المعارضة أساسًا للدولة وللأنظمة السياسية.
لقد كانت الكنيسة الذراع الثقافية للأنظمة السياسية الفاسدة المخولة بتقديم حجج الاتهام العلمية ضد المخالفين، لاسيّما وأغلب المتأثرين بالثورة العلمية
لا يتفقون مع السلطات السياسية والقوى المتسلطة، فهذه الفئات الجديدة ترى بأن القوى السياسية والطبقات المسيطرة جاهلة وطاغية وهي غير مؤهلة لقيادة أممهم، وكانت الكنيسة ترى من مصلحتها مساندة السلطات السياسية بحجة الاستقرار والحصول على مكاسب مشتركة. هكذا حصل تواطؤ خبيث بين الأنظمة والقوى الفاسدة وبين الكنيسة الضالة، فالكنيسة تخدم النظام بتقديم أدلة تثبت ضلال التيار العلمي المعارض، لذا لا يقع غالبًا في البلاد التي يسالم العلماء فيها السلطات السياسية مجابهة للعالم، أما في البلاد التي يشتد فيها نقد العالم للنظام أو الكنيسة فإن الدولة تعطي الإذن للكنيسة بتضليل ذلك العالم. يظهر ذلك مثلًا في الفرق بين "كوبرنيكوس" و"براهي" و"كبلر" المسالمين للسلطات والكنيسة فقد كان الموقف معهم سلميًا، وبين "برونو" و"جاليليو" الثائرَين على السلطات السياسية والكنيسة والمعترضين عليها أشد الاعتراض، عندها تجندت السلطات الدينية الكنسية والسياسية ضدهما؛ فأُحرق برونو وسُجن جاليليو وختم حياته بإقامة جبرية.
أما عندما تهدأ الأمور ويترك العلماء نقد السلطات السياسية أو الكنسية؛ فإن صدر السياسة والكنيسة يتسع للعلماء ونشاطهم العلمي، بل يشاركون العلماء علومهم ويدعمونهم.
وهذا التواطؤ من رجال الدين النصراني مع الطغاة ومساندتهم في طغيانهم يشوه دون شك صورة الدين وأهله؛ فهم لا يمثلون دينهم فقط بل للأسف يمثلون كل دين في نظر الغربيين. وعندما تفجرت حركات الاحتجاج في أوروبا وانغمس فيها المبغضون للدين توجهت تلك الثورات ضد الطرفين؛ ضد السياسيين عسكريًا، وضد الكنيسة بالنقد والاعتراض العقلي والعلمي.
والنتيجة بأن إلقاء التهمة على الكنيسة وحدها يُعد حكمًا ناقصًا؛ لأن التهمة ملقاة على كاهل القوى الموجودة من أمراء وإقطاعيين ومشاهير وأغنياء الذين استغلوا رجال الدين النصراني، كل هؤلاء قد تواطؤوا على الطغيان واستغلال شعوبهم ومحاربة كل القوى المناهضة لهم بما في ذلك الفئات الناشئة حول الأفكار والعلوم الجديدة.
وهذا لا يعني التخفيف من أثر الكنيسة السيئ بقدر ما يعني النظرة المتوازنة إلى الأسباب الحقيقية في محاربة العلوم الجديدة وأثر تلك الحرب في انحراف