الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإِسلام، وأثر إدراك هذا المقصد
.
2 -
خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين، وحاجتنا إلى تقريبها من الدين.
1 -
تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإسلام وأثر إدراك هذا المقصد:
ذكر الشيخ رحمه الله من الدلائل القرآنية عددًا لا بأس به لإثبات ذلك، ومن ثمّ أهمية العناية بها ما دامت داخلة في الإِسلام، ومن بين ما ذكره الشيخ من استدلالات ما يأتي:
1 -
تسخير الرب سبحانه لأشياء كثيرة لهذا الإنسان الضعيف، ودلالة ذلك عند الشيخ بأنه سبحانه وضع في هذا الإنسان العقل الذي يعرف به آيات الله الشرعية والكونية "وكما هداه بالعقل إلى الانقياد لعلوم الرسل وأديانهم، هداه به إلى تسخير المواد الكونية والمعادن والمخترعات والصناعات التي لا تزال تتجدد في كل وقت، وقد أخبر تعالى أنه سخر لنا جميع ما في السموات والأرض، ننتفع بآياتها ونستخرج منافعها وكنوزها، ونشكره على ذلك التسخير والهداية والنعم"، إلى أن قال:"ومن آياته الأفقية النفسية إخباره تعالى أنه سخر للإنسان جميع ما في السموات والأرض، ومعادن الكون وعناصره، ثم إخباره بأنه أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد وآلات العلم وعلمه ما لم يكن يعلم، فحمل بهذا التسخير وبهذا التعليم من فنون العلم وفنون المخترعات الباهرة ما هو مشاهد معلوم: ترقت به الصناعات، وتوسعت به المخترعات وتنوعت به المنافع، وتقاربت به الأقطار الشاسعة. . . ."(1)، وبعبارة مختصرة: فإن الله سبحانه قد سخر هذا الكون للإنسان واستخلفه لعمارة الأرض، وأعطاه الوسيلة لذلك وهو هذا العقل، وأرشده بهذا الوحي، وبين له الغاية من كل ذلك، وهي الإيمان بالله سبحانه وعبادته، فعلى المسلم أن يوظف هذا العقل الذي منحه الرب في هذا الكون المسخر لإصلاح دينه ودنياه.
(1) الدلائل القرآنية. . . . ص 9 - 10.
ولكن الناس أمام هذه النعمة -نعمة العقل ونعمة الكون المسخر- انقسموا إلى فريقين: فالمؤمنون منهم "صار اشتغالهم بهذه المنافع التي يُتوسل بها إلى إصلاح الدين والدنيا عبادة من العبادات وقربة من القربات"، إلى أن قال:"وأما من سواهم من الماديين والضالين الغافلين، فإنهم عرفوا ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون. . . . فانقطعوا بالأسباب عن مسببها، وانقطعت صلتهم بالله حين قام الكبر في قلوبهم كما قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)} [غافر: 56]، {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)} [غافر: 83] "(1). وقد عُرض في الفصل الأول شيء من هذا الكِبْر داخل أوروبا، الذي ظهر بوضوح في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حيث أصابها غرور كبير مع الثورة العلمية وما لحق بها من ثورة صناعية مدهشة، فأعلن مشاهيرهم بأنهم لم يعودوا في حاجة إلى الرب، تعالى الرب سبحانه عن إلحاد الملحدين.
وفي موطن آخر، وفي وقفة مع قوله -تعالى-:{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه: 50]، قال الشيخ:"وبهذه الهداية الخاصة بالإنسان سخر له جميع ما وصلت إليه قدرته من علوم الكون"، وهي تشمل الهداية المجملة والمفصلة في علوم الشرع وعلوم الكون، ثم فتح على الإنسان بحسب حاله وقوته وكفاءته، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" ويدخل في الحرص على ما ينفع الحرص على الأمور الدنيوية مع الدينية، "فمن حرص عليها واجتهد في تحصيلها وسلك الطرق الموصلة إليها واستعان الله عليها تم له ما أراد، ومن لم يحرص على الأمور النافعة أو لم يستعن بالله في تحصيلها خاب وخسر"(2).
2 -
آيات الأمر بالنظر والتفكر والاعتبار والتدبر في آيات الله الكونية والشرعية، حيث جعلها الشيخ مما يدل على الأمر، فقد أمر الخالق سبحانه
(1) الدلائل القرآنية. . . .، مع بعض الاختصار ص 10 - 11.
(2)
الدلائل القرآنية. . . . ص 17 - 18، مع بعض الاختصار، والحديث عن أبي هريرة في صحيح مسلم، برقم (4816) من كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة باللهِ وتفويض المقادير لله.
"باستعمال العقل والفكر في آياته المخلوقة وفي آياته المتلوة، ليدرك العبد بعقله ما في المخلوقات من المنافع والآيات فيفقهها ويستعملها وينتفع بها بحسب أحوالها وأخبر أنها آيات لقوم يؤمنون ولقوم يعقلون ولقوم يوقنون"(1)، والمؤمن يجعل ذلك في مرضاة الله ولا يقع في غفلة الماديين ممن انقطعوا بالمخلوقات عن خالفها وبالمسببات عن مسببها، فهم وإن استعملوا عقولهم في فهم الآيات الكونية وسنن الله فيها فإنهم توقفوا هناك ولم ينفذوا في علمهم من السبب إلى المسبب ومن الخلق إلى الخالق (2).
3 -
الأمر في الشريعة بإعداد القوة وأخذ الحذر وما في المعادن من المنافع لتحقيق ذلك. حيث نجد في القرآن قوله -تعالى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} [الحديد: 25] وقوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، وقوله تعالى {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71، وفي 102] {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} . فهذا الحديد أحد المعادن التي انتفع بها الإنسان في تاريخه قد أرشد الرب سبحانه بأنه أنزله بما فيه من منافع "ومقتضى ذلك، الأمر باستخراج هذه المنافع بكل وسيلة، وذلك يقتضي تعلم الفنون العسكرية والحربية وصناعة الأسلحة وتوابعها، والمراكب البرية والهوائية وغير ذلك مما ينتفع به العباد في دينهم ودنياهم، كما في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] "(3)، وكذا الحال مع الأمر في قوله تعالى:{خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]"فهذا يتناول الأمر بإعداد المستطاع من القوة العقلية والسياسية والمادية والمعنوية، وأخذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة وبكل طريق، فجميع الصناعات الدقيقة والجليلة والمخترعات والأسلحة والتحصنات داخلة في هذا العموم". وإذا كانت هذه هي حال الإِسلام فلا صحة لافتراءات المفترين، أو
(1) المرجع السابق ص 23.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 24.
(3)
الدلائل القرآنية. . . . ص 19.